جسيكا ولونا تفضلو
(1)
الحق أني أحن إليهم كثيراً و لكن حياتي لم تعد تسمح لي بإشباع هذا الحنين. نحن في بلد واحد و لكني في الواقع كأني في بلد بعيد منقطع عن العالم. و ربما خفف عني الألم أحياناً أنهم لم يعودوا بحاجة إلي و أني أديت بعض الواجب علي. و فضلاً عن هذا فلست تجدني في يسر متصل، فقد يمتلئ جيبي بالنقود أياماً ثمّ يفرغ أسابيع. و في حالة امتلائه تجدني مضطراً للإنفاق بغير وعي. لا عليك من هذا، لقد اصبحت ضابطاً فمبارك عليك حظك و لا يصحّ أن أخلط بفرحي شيئاً آخر... مبارك يا حضرة الضابط ! (308)
(2)
و جعل حسنين يتفرس في وجهه فهاله ما يرى من تغيير و تشويه و غرابة كأنه يستهلك في العالم الواحد من حياته المحفوفة بالمهالك أعواماً طوالاً. لقد انتهى حسن، و شعر بانقباض و تشاؤم و بثقل المهمة التي جاء من أجلها. و مع هذا فلم يخطر له لحظة واحدة أن يعدل عما يراه واجبه، و عزم على أن يتسلل إلى هدفه برفق فابتسم و قال:
- أخاف أن أكون قد أزعجتك بزيارتي !
- ابصق هذه العبارة من فمك ! ما هذا القول يا حضرة الضابط !؟ (308 )
(3)
خفض حسن عينيه ليخفي نظرة التجهم التي تلوح فيهما. غضب الرجل و لو ثار غضبه حيال رجل آخر لانفجر، و لكنه كظمه و عالجه بالحسنى. أغضبه شعوره بأن أخاه يعلم من أمره أكثر مما يتظاهر به، و أنه يعامله معاملة الأطفال. و لو أنه صارحه بذات نفسه، بل لو أنه وصفه بالشر كما وصف أصحابه لما غضب كما يغضضب الآن، و عزم على أن يكشف القناع عن الحديث الكاذب فقال باقتضاب و بصوت غير الذي تكلم به من قبل:
-إني واحد من هؤلاء الأشرار ! (310)
(4)
لم يعد بوسع المرأة المحنّكة أن تحسن التدبير و التفكير ، غلبت على أمرها. و قهرها الحزن و الأسى. و كان قلبها يعاني الآلام التي تتوزع قلوب أبنائها جميعاً يضاف إليها ألم خاص دفين يخيفها بقدرما يعذبها، و تشفق إشفاقا شديدا من ذيوعه و افتضاحه، هو ألمها لحسن نفسه. أين ذهب ؟ ماذا يفعلون به لو قبضوا عليه؟؟ و أي مصير يرصده ؟ لا ينبغي أن تذكر له إلا عطفه و حنانه، و أنه جاد لهم بخير ما في نفسه، و أنه كان ملاذهم في الملمات. يا له من طريد لا نصير له لا حبيب ، حتى أهله ينكرونه و يمقتونه. عين حسود أصابتهم ... (332 )