بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا انقضت اربع سنوات من عمري.. بين اروقتك ومدرجاتك وجدرانك وسبوراتك.. ياقسم الرياضيات..
ارتسمت لحظات الفرح والألم و البهجة والحزن بين طياتك فكيف لي أن اغادرك من دون أن ادون نتائج تجربتي في معاملك.... لا... بل سأسطرها هنا لأقرأها كلما ضاقت بي الدنيا....
البداية..
غالباً ما تنطبع أحداث أول أيام الدراسة في الذاكرة خصوصاً عندما يكون ذلك اليوم بداية انتقال من مرحلة إلى أخرى..
هكذا كان أول أيام الكلية بالنسبة لي, فلم تبدأ الدراسة بعد ولكني كنت بانتظار ظهور النتائج لِأعلم في أي الأقسام تم قبولي..
صرت أخذ صالة الكلية جيئة وذهاباً لأبدد ساعات الإنتظار التي غدت دهوراً.. فقد كنت أطمح لدراسة الرياضيات والحصول على شهادة الدكتوراه في هذا التخصص... مع أن والدي يريد لي دراسة الطب لذلك فهو غير مقتنع بدراستي في الكلية بتاتاً.. بينما والدتي فدائماً ما تحيطني بدعواتها الصادقة والتي تجعل لحياتي معنىً آخر..
انقضى صباح ذلك اليوم وأثناء الظهيرة تم تعليق أسماء المقبولات لكل قسم, فتوجهت اشق طريقي بين الجموع بحثاً عن اسمي في قائمة قسم الرياضيات وماهي إلا لحظات حتى ارتسمت على وجهي ابتسامة فرح ولمعت في عيني علائم البهجة والسرور..
عُدت إلى المنزل وقلبي يخفق فرحاً لأزف بشراي إلى والدتي والتي لم تكن أقل مني بهجة وسروراً, بينما والدي لم يُبدي أي انفعال حينما أخبرته بذلك فهو متأثر بالمجتمع الذي طالما ردد على مسامعه عدم جدوى الدراسة في مثل هذه التخصصات و أن المستقبل أبوابه مشرعة أمام التخصصات الطبية فحسب..
بادرني قائلاً: مالفائدة من قضاء أربع سنوات في الدراسة ثم بعدها تجلسين في المنزل يا ألاء..؟ أما ترين العديد من الخريجات في مثل تخصصك لم يجدن لهن وظائف وإن وجدنها فهي في مناطق نائية وبعيدة..؟؟!!
- هذا صحيح يا أبي إن كنا نتعلم من أجل الحصول على وظيفة فقط.. ولكن العلم له أبعاد أخرى اعمق واسمى من ذلك, إنه يرتقي بالعقل البشري ويدفعه إلى البحث والتقصي عن المعرفة ليُشبع بها نهم تساؤلاته عن كل ما يجهله إن كان في مجال تخصصه أو في الحياة من حوله, إنه السلاح الذي نواجه به تحديات المستقبل الغامض.. إنه أبعد من أن استطيع وصفه بكلمات... ولكنه لن يكون أبداً مجرد جسر عبور يوصلنا إلى وظيفة نتوقف عندها...
- كما تشائين واتمنى أن لا يأتي ذلك اليوم الذي تندمين فيه على قرارك يابنتي..
شعرت بابتسامة انطبعت على شفتي فأتبعتها بقبلة على رأس والدي وغادرت منصرفة إلى غرفتي حيث أختي ولاء عادت لتوها من المدرسة, استلقت كل واحدة منا على فراشها وبدأنا نقص على بعضنا أحداث اليوم الأول وكأننا في عالم ألف ليلة وليلة حتى استسلمنا لغفوة الظهيرة..
في اليوم التالي توجهت للكلية وتحديداً مبنى علوم 3 الدور الثاني حيث يُعلق الجدول على لوحة الإعلانات وكان بالنسبة لي مهمة صعبة أن أفك شفرات الجدول السرية فهناك حروف وأرقام متناثرة وكأنها شيفرة دافنشي.. وتخيلت نفسي بطلة رواية بوليسية من روايات أجاثا كرستي..
توصلت إلى أن بعضها يشير للمجموعة وبعضها الآخر للمبنى والقاعة... و الآن عليّ أن اكتب جدولي ولكن قبل ذلك لابد من معرفة المجموعة التي انتمي اليها.. فطرقت باب غرفة رئيسة القسم المجاورة للوحة الإعلانات حيث السكرتيرة جالسة أمام مكتبها وبيدها مجموعة أوراق.. سألتها: كيف لي أن احدد المجموعة التي أنا من ضمنها لأتمكن من كتابة جدولي؟ رفعت عينيها عن حزمة الورق التي بيدها ببرود شديد وسألتني: ما هو اسمك؟؟ فأجبتها: ألاء عبد الحميد.. قالت لي: بديهي جداً أنك من ضمن المجموعة الأولى ر1 شكرتها وانصرفت..
بدأت بكتابة جدولي و أثناء ذلك فوجئت بوجود مقرري اللغة العربية والثقافة الإسلامية.. فاستنكرت ذلك في قرارة نفسي وقلت لابد من أن هناك خطأ ما.. فما علاقة هذه المقررات بجدولي..؟ اعتمدت على عبقريتي ولم اكلف نفسي عناء السؤال فتركت المقررين ولم اكتبهما من ضمن الجدول..
كان هناك إعلان بأنه ستلقى محاضرات تمهيدية للطالبات المستجدات بقسم الرياضيات وذلك في القاعة 61 من مبنى علوم 3 , توجهت إلى ذات القاعة فوجدت فيها مجموعة من الطالبات بعضهن يشكل حلقات يتبادلن فيها الأحاديث والبعض الآخر كان منزوياً يجلس لوحده يراقب الداخلين والخارجين من القاعة وكأنهن في عالم غريب..
دخلت القاعة وكنت من ضمن الصنف الثاني من الطالبات وفي لحظات الإنتظار وقبل مجيء الدكتورة جلست على إحدى الطاولات وحدي.. وإذا بطالبتين تشد إحاهما على يد الأخرى وهي تقول: إلى أين يا منى ألن تحضري المحاضرة..؟!
فأجابتها والغضب قد نفخ أوداجها : كلا.. لقد أوعدنا ذلك الشخص بقسم الحاسب وليس الرياضيات, اعتقدت أنه جدير بهذه المسؤلية ولكن تبدوا إمكانياته ضعيفة ومحدودة..!!
- هوني عليك يا عزيزتي..
- اه .. ولكن ابنة تلك الدكتورة قالت إن اسمها مؤقت في قسم الرياضيات و إبتداءً من الأسبوع القادم ستباشر محاضراتها في قسم الحاسب..
- أنتِ قلتِ بنفسك أن أمها دكتورة... ثم لن يضرك شيء إن قلتِ لوالدك يبحث لك عن واسطة أقوى من تلك...
قطع حديثهما دخول الدكتورة حيث القت علينا السلام.. ثم سألتنا عن أنطباعاتنا حول القسم و أخبرتنا بما سيُلقى علينا خلال هذا الأسبوع... عرفتنا بنفسها..
- أنا د.هدى وسأتولى تدريسكن مقرر التفاضل والتكامل... وبدأت تشرح لنا بعض المفاهيم الأساسية في الرياضيات وتُعود الطالبات على استخدام الرموز الإنجليزية بدلاً من العربية..
انقضى وقت المحاضرة وتفرق الطالبات خلال النصف ساعة المخصصة للراحة.. و ما إن بدأ موعد المحاضرة التالية حتى عاد الطالبات للقاعة من جديد ... وبعد دقائق دخلت علينا دكتورة والقت علينا التحية والسلام.. أخبرتنا بأنها د.أروى وأنها ستدرسنا مقرر الهندسة التحليلية.... ثم بدأت تُكمل شرح المفاهيم الرياضية التي بدأتها د.هدى ... فقد كانت أكثر صرامة وجدية ولم تكن تبتسم, على العكس تماماً من د.هدى والتي دائماً ما ترتسم البسمة على شفتيها وإن كنت لا اشعر بعمق ابتسامتها بل دائماً ما أجدها لا تكاد تتجاوز حدود شفتيها...
هكذا انقضى ذلك اليوم وكان عليّ التوجه نحو الباصات لأتعرف على عالمها... وكان أمراً مرهقاً بعض الشيء حيث الحرارة الشديدة بالإضافة إلى المسافة الطويلة نوعاً ما...
لي عودة إنشاء الله بعد أن أنهي الجزء القادم...:150: