•
5- الاستعمار الأوروبي:
فقد بدأت حركة التوسع الأوروبي أول ما بدأت كنتيجة لحركة الكشوف الجغرافية التي بدأت في القرن الخامس عشر الميلادي ، والتي كانت ترمي إلى تطويق العالم الإسلامي اقتصادياً وعسكرياً بهدف إضعافه والسيطرة على تجارة الشرق التي كان المسلمون هم القائمون بأمرها ، وتحويل تلك التجارة – عن هذا الطريق الجديد – إلى أيدي البرتغاليين وغيرهم من الأوروبيون حرماناً للتجار المسلمين منها ، وللدول الإسلامية المستفيدة – كمصر مثلاً – من ريعها وفوائدها الاقتصادية ، بل إننا نذهب أبعد من ذلك ، فنقول إن الروح الصليبية الرامية إلى ضرب المسلمين ضربة أخيرة ، والقضاء على الإسلام قضاء مبرماً كانت بادية وواضحة في حركة الكشوف الجغرافية ، فقد كان قادة البرتغال مدفوعين بتلك الحروب الصليبية ، حيث إنهم اعتبروا أنفسهم مكلفين بالثأر للحملات الصليبية الفاشلة ،
فكان هدفهم مزدوجاً : انتزاع تجارة التوابل والبهارات من أيدي المسلمين ، وتطويق العالم الإسلامي استراتيجياً واقتصادياً كخطوة أولى نحو إضعافه ، وإحلال النصرانية محل الإسلام فيه ، وقد تمكنوا بالفعل من تحويل طريق التجارة عن بلاد الشام والبحرالمتوسط ، إلى المحيطات الكبرى : الأطلسي والهندي والهادي ، فأدى ذلك إلى إضعاف تجارة المسلمين ، وصناعتهم ، وزراعتهم ، وأخيراً إلى ضعفهم الاقتصادي والعسكري والسياسي ، الأمر الذي مهد إلى فرض الهيمنة الأوروبية عليهم ، والتي أدت في نهاية الأمر إلى مرحلة الاستعمار الأوروبي الحديث على معظم بلدان العالم الإسلامي .
وقد اتخذ هذا الاستعمار الحديث أشكالاً عدة منها الاحتلال العسكري ، والهيمنة الاقتصادية عن طريق الشركات ، والقروض والاحتكار .. إلخ ، واتخذ كذلك شكل الحماية ، والانتداب والوصاية ، ولعل أهم أنواع هذا الاستعمار الحديث والمعاصر وأدومها ، وأكثرها خطراً ، فهو الاستعمار الفكري الذي لا يزال العالم الإسلامي يعاني من ويلاته .
وقد تنافست الدول الأوربية في استعمار العالم الإسلامي , فمثلاً استعمرت بريطانيا ماليزيا , وشبه القارة الهندية , وسواحل الخليج العربي , وجنوب الجزيرة العربية , ومصر , والسودان,ثم العراق , وشرقي الأردن وفلسطين , وبعض البلدان الأفريقية التي تضم أكثريات إسلامية مثل نيجيريا , وتنزانيا , ودول أخرى مثل غانا , وأوغندة ... الخ , واستعمرت فرنسا العديد من بلدان العالم الإسلامي مثل المغرب , والجزائر , وتونس , ثم سوريا ولبنان , وموريتانيا وتشاد , ومالي , والسنغال , وغيرها , واستعمرت إيطاليا ليبيا , وجزءاً من الصومال وأرتيريا ... واستعمرت أسبانيا الريف المراكشي , والصحراء المغربية , وإقليم مورو الإسلامي في الفلبين.
وأما هولنده فاستعمرت إندونيسيا وسيطرت روسيا على تركستان الغربية , والأراضي الإسلامية في آرال , وشبة جزيرة القرم , وبلاد القفقاس ( القوقاز ) , وامتد نفوذها حتى شمالي إيران , وهكذا وقعت معظم العالم الإسلامي تحت سيطرة الاستعمار الأوروبي الإمبريالي , العسكرية , والسياسية , الاقتصادية , والثقافية , وكان لهذه السيطرة نتائج مدمرة أثرها باق معنا حتى الآن , كما له دوراً أسياسياً وفاعلاً في إضعاف الإسلام والمسلمين .
6- حركتي الاستشراق والتنصير:
وما تقومان به من هدم فكري ثقافي في أوساط المسلمين ، بهدف طمس هويتهم ، وإحداث أزمة ثقة بالنفس في أوساطهم ( وسيأتي الحديث لاحقاً عن كلا الحركتين ) .
7- دعوات الإلحاد الآتية من خارج العالم الإسلامي:
كالشيوعية مثلاً ، والتي تبث سمومها بين أفراد الأمة الإسلامية ، كالقاديانية ، والبهائية وغيرهما ، وكلها ترمي إلى هدم العقيدة الإسلامية ، ومن ثم إلى فك عرى وحدة المسلمين ، بغرض إضعافهم ، وتمهيد السبيل لسيطرة المستعمرين عليهم .
نتائج ضعف العالم الإسلامي :
لقد تكالبت كل هذه العوامل على تنوعها في إضعاف العالم الإسلامي، واتخذ هذا الضعف عدة مظاهر ، منها :
أولاً : الابتعاد عن تطبيق الشريعة الإسلامية :
بضعف العالم الإسلامي تخلى المسلمون عن دورهم الريادي في قيادة البشرية ، وتخلوا عن واجباتهم وتبعاتهم الإسلامية ، وقعدوا عن إعمال العقل ، ففترت فيهم روح الاجتهاد ، وركنوا إلى التبعية والتقليد ، وانقطعت صلتهم بماضيهم وإرثهم الإسلامي ، وشملهم الجمود ، وقلت فيهم روح التجديد والإبداع ، بل دار علماؤهم حول ذلك الماضي ، وعكفوا على نصوص الماضين ، وعلى كتبهم يعجبون بها ، ولا يتعلمون منها ، ويقفون عاجزين أمامها ، ينزلونها أحياناً منزلة العصمة والقداسة ، فماتت في الأمة روح الإبداع والابتكار ، ومواكبة العصر ، ومواجهة تحدياته .
وعندما بدأ العالم الإسلامي يفيق من غفوته ، وينفض عنه غبار الجمود منذ أواخر القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي ، نتيجة للحركات السلفية الإصلاحية ، كحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد ، والحركة السنوسية في ليبيا ، والحركة المهدية في السودان ، والحركات السلفية في الهند ، وحركة عثمان دان فوديو في غرب أفريقيا – في ذلك الوقت كان الاستعمار الغربي قد بدأ يمد سيطرته على عالم الإسلام ، مستعيناً بحركات التنصير ، فاشتد التحدي، ولم شعث المسلمين ، وبث الحياة من جديد في أوساطهم ، وإعادة الثقة إلى نفوسهم ، وكان نجاحها محدوداً في مناطق محدودة .
وقد بدأ الاستعمار حربه ضد الإسلام والمسلمين بإبعادهم عن تراثهم الفكري الإسلامي ، فبدأ بالشريعة الإسلامية ، فأبعدها عن كافة مناحي الحياة الفعلية ، وأخذ يشوه معالمها فكرياً ليصرف المسلمين عنها ، وقد عمل فعلاً على إلغائها تدريجياً ، واستبدالها بالقوانين الوضعية ، باستثناء قانون الأحوال الشخصية ، فعل ذلك في الهند عندما تمت له السيطرة على تلك البلاد ، وألغاها في السودان حينما قضى على الثورة المهدية في عام 1317 / 1899 م ، وكذلك فعلوا في كل مستعمراتهم الإسلامية – الآسيوية منها والأفريقية ولم يقف الحال عند هذا الحد بل امتد تآمر الاستعمار الغربي إلى طمس معالم الحكم الإسلامي في الدولة العثمانية ، وامتدت حركة استبدال الشريعة الإسلامية بقوانين وضعية أخرى إلى مصر ، وذلك منذ أن دخلها نابليون غازيا ومستعمراً في عام 1798 م ، واستمرت حركة التبديل والتحديث – كما أسموها – على عهد محمد علي وأبنائه ، واكتملت حلقات التآمر على الشريعة عندما احتل البريطانيون مصر عام 1882 م ،
وكذلك كان حال بلاد الشمال الأفريقي تحت حكم الاستعمار الفرنسي ، ففي تونس طبق القانون الوضعي المقتبس من القوانين الفرنسية عام 1333 م / 1924 م ، ولم يكن الحال في المغرب والجزائر بأسعد منه في تونس ، حيث بدأت فرنسا في تعطيل أحكام الشريعة في كلا البلدين ، وإحلال الأعراف البربرية ، والقبلية محل القوانين الشريعة الإسلامية ، كوسيلة للقضاء على الكيان المغربي ، والهوية الإسلامية في المغرب والجزائر ، وربما أخرج القبائل البربرية من الإسلام ، لأن الفرنسيين كانوا موقنين أن التخلي عن التحاكم لغير الشريعة الإسلامية هو في الواقع تخل نهائي عن الإسلام .
وهكذا أبطل العمل بالشريعة الإسلامية في معظم البلاد الإسلامية التي وقعت فريسة للهيمنة الاستعمارية ، وزج العمل بها في زاوية ضيقة هي زاوية الأحوال الشخصية ، والتي يحاول العلمانيون والمتغربون من أبناء الأمة الإسلامية إبطال العمل بها ، وقد نجحوا في ذلك في بعض البلدان الإسلامية .
ثانياً : إلغاء الخلافة العثمانية وانحلال الوحدة الإسلامية :
الدولة العثمانية هي آخر دول الإسلام الكبرى التي عرفها العالم في عصوره المتأخرة امتدت على ثلاث قارات : آسيا ، وأوروبا ، وأفريقيا ، وحمت الإسلام في وقت كان فيه الصليبيون والبرتغاليون يهددونه من جهة الجنوب الشرقي ، والروس من جهة الشمال ، كما أن الدولة العثمانية حملت راية الإسلام إلى منطقة البلقان ، وأزالت الدولة البيزنطية من الوجود حين فتحت عاصمتها القسطنطينية في عام 857 هـ / 1453 م والتي استعصت على المسلمين ما يربو على الثمانية قرون ، وهكذا جُعلت القسطنطينية عاصمة لدار الإسلام ، وحمل سلاطينها العظام الإسلام حتى أبواب فينا عاصمة إمبراطورية الهابسبرج آنذاك ، وحملوا أيضاً إلى جنوب روسيا ، وساحل بحر الأدرياتيك ، وبجهودهم عم الإسلام ما يعرف اليوم بدول أوروبا الشرقية ، بل إنهم هددوا أوروبا الغربية ذاتها حينما حاصروا فينا مرتين ، وفينا كانت هي بوابة أوروبا الغربية من ناحية الشرق ، ولو سقطت لهم لانفتح الباب أمام الإسلام ، فعم معظم أجزاء أوروبا الغربية وربما وصل حتى أًصقاع اسكتلندا الشمالية كما توقع أحد المستشرقين .
ظلت الدولة العثمانية هي القوة الحارسة للعالم الإسلامي لفترة أربعة قرون كاملة ، فقد حفظت للشمال الأفريقي إسلامه عندما وقفت ضد أطماع الصليبين الأسبان ، الذين حاولوا استعماره بعد أن قضوا على الدولة الإسلامية في الأندلس .. كما أن السلاطين العثمانيين جعلوا من البحر الأحمر بحر إسلامياً ، وحرموا على السفن النصرانية الملاحة فيه ، وذلك لإطلالته على الأماكن الإسلامية المقدسة في الحجاز ، كما أنهم حاولوا – مع الدولة المملوكية – صد الخطر البرتغالي عن ذلك البحر ، عندما بدأ البرتغاليون يبسطون نفوذهم على بعض سواحله ، في محاولاتهم الهيمنة على تجارة الشرق ( تجارة التوابل إلخ ) التي كانت في أيدي التجار المسلمين ، .
ولقد كان لجهود الدولة العثمانية تلك وغيرها من الجهود الفضل الأكبر في حفظ قلب العالم الإسلامي من الزحف الاستعماري الصليبي الأوروبي لمدة ثلاث قرون ، ظلت خلالها دعوة الإسلام تواصل انتشارها في أنحاء العالم وبخاصة في جنوب آسيا ، وجزر الهند الشرقية ، والشرق الأقصى ... ويجب أن لا ننسى هنا مواقف وجهود السلطان عبد الحميد الثاني من المطامع الصهيونية في فلسطين ، ورفضه السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين رغماً عن إغراءاتهم المالية له في وقت كانت الدولة .العثمانية تعاني من ضائقة اقتصادية خانقة
ومهما قيل عن الدولة العثمانية من جانب بعض الكتاب القوميين – العرب ، والعلمانيين ، السائرين في ركاب المفاهيم الغربية ، من أنها دولة استعمارية أخضعت الشعوب بالقسر والقوة ، وكبتت الحريات إلى غير ذلك من المساوئ التي يعددها أولئك المنساقون وراء كتاب الغرب ، إلا أن الثابت تاريخياً الآن هو أن تلك الدولة العثمانية ذادت عن حمى الإسلام وأسست خدمات جليلة له وللمسلمين على امتداد تاريخها ، وتكفي الإشارة إلى أنه في كنفها تحقق لجزء كبير من العالم الإسلامي وحدة إسلامية لم يشهدها في عصوره الحديثة ، فقد ظلت المنطقة من العراق شرقاً إلى مراكش غرباً تنعم بالوحدة ، والهدوء والاستقرار ، وظل المسلمون أعزاء في ديارهم تلك ، وظلت الخلافة العثمانية قوة يهابها أعداء الإسلام ، ويحسبون لها ألف حساب.
ولقد حاولت أوروبا إيقاف الخطر العثماني ، ووضع حد للفتوحات العثمانية بعقد تحالفات بين بعض دولها ، بل ومحاربة العثمانيين مرات عديدة ، إذ كانت أوروبا تخشى أن تتكرر أحداث التاريخ فيعود للمسلمين مجدهم وعزهم في ظل الخلافة العثمانية التي تجسدت فيها وحدتهم ، فظلت تعمل من أجل القضاء على الخلافة بسبل دبلوماسية أحياناً ، وحربية أحياناً أخرى.
وقد أدى هذا الصراع المستمر بين الدولة العثمانية وأعدائها الأوروبيون – إلى جانب عوامل اقتصادية وسياسية داخلية وخارجية – إلى ضعفها ، وبداية تدهورها ، الأمر الذي أدى إلى ظهور ما عرف " بالمسألة الشرقية " ، والتي كانت تعني ببساطة طرد العثمانيين من ولاياتهم الأوروبية ، كخطوة أولى في عملية تحجيم الخطر الإسلامي ، والقضاء قضاء مبرماً على الخلافة العثمانية ، والتي ما فتئت دول أوروبا تتكالب عليهما ، وتعمل على إضعافها حتى جعلت منها ما أسمته في النهاية " برجل أوروبا المريض " والذي كانت تسعى جاهدة إلى قتله ، والاستيلاء على أراضيه كلها .
ويمكن القول بأن الفترة التي أعقبت السلطان عبد الحميد وتولي الاتحاديين للحكم هي الفترة التي تمكن فيها الاستعمار ورجال الحكم العثماني ( الاتحاديين ) على العمل التدريجي لتصفية الدولة العثمانية ، فقام الاتحاديون بإتباع سياسات قومية طورانية باعدت بينهم وبين عناصر الولاء من المسلمين ، من عرب وألبان وغيرهم ، وحلت عرى الوحدة الإسلامية التي كانت تجمع شتى رعايا الدولة ، كما أنهم قاموا بإضعاف الخليفة ، فجعلوه رمزاً أشبه بأسير في أيديهم ، وكذلك مكنوا للقوى الأوروبية الطامعة في دولتهم ، وانساقوا وراء مخططاتها الرامية إلى إزالة الخلافة العثمانية مصدر وحدة المسلمين وقوتهم ، ومصدر خوف أوروبا وقلقها .
وكان بداية التآمر على الخلافة يوم أن أعلنت الجمعية الوطنية التركية في عام 1341 / 1923 م قيام الجمهورية في تركيا ، وانتخبت مصطفى كمال أول رئيس لها ، ففصلت بذلك بين السياسة وبين الخلافة ، وجعلتها رمزاً دينياً لا غير ، الأمر الذي مكن مصطفى كمال – بمساندة بعض القيادات التركية العلمانية نهائيا ً في 2 مارس 1924 م / 1342 هـ ، مقدماً بذلك أعظم هدية للغرب الأوروبي النصراني ، وقد أثار ذلك الإلغاء موجة من الاستياء الشديد عمت العالم الإسلامي كله ، في الهند ، ومصر وغيرهما ، وقد جرت بعض المحاولات لإحياء الخلافة من جديد ، ولكن الأحوال لم تكن ملائمة لإحيائها .
ويبدوا أن مصطفى كمال عندما ألغى الخلافة كان ينفذ مخططاً غربياً مرسوماً له ، نصت عليه اتفاقية لوزان 1340 هـ / 1923 م التي فرضت على تركيا شروطاً للصلح معروفة بشروط لوزان الأربع وهي :
1- قطع كل صلة لتركيا بالإسلام .
2- إلغاء الخلافة الإسلامية .
3- إخراج الخليفة العثماني من البلاد ، ومصادرة أملاكه ، وإخراج أنصار الخلافة من المسلمين المتحمسين لها ، والتعهد بإخماد كل حركة موالية للخلافة .
4- اتخاذ دستور مدني بدلاً من دستور تركيا القديم القائم على الشريعة الإسلامية .
وقد قبل مصطفى كمال هذه الشروط ، ليس مجبراً وإنما عن اعتقاد تام منه ، ونفذ بنودها تنفيذاً حرفياً وبكل إخلاص ، فعمل من بعد إلغاء الخلافة على إبعاد تركيا – بإصلاحه المزعوم – عن العالم الإسلامي ، وعن ماضيها الإسلامي ، بل إنه حارب الإسلام ذاته في تركيا وحارب المسلمين الحادبين على دينهم هناك ، فألغى التعليم الديني ، وحارب وقتل رجاله ، وألغى وزارة المحاكم الشرعية ، وغير المناهج التعليمية إلى مناهج مناهضة للدين ، وباختصار قام بعمل كل ما يجعل تركيا بلداً علمانياً محضاَ ، بعد أن كانت مقراً وكياناً للخلافة الإسلامية ، فكانت تلك إحدى الضربات القاسية التي وجهت للإسلام ، والتي لا يزال العالم الإسلامي يعاني من آثارها .
وظلت حكومة مصطفى كمال ( غير اسمه لكمال أتاتورك ) تنفذ مخططها الرامي إلى محو الإسلام من تركيا كخطوة أولى نحو إلحاقها بالغرب الأوروبي – دولة تابعة له ، سائرة في ركابه.
وتمادى بعد ذلك مصطفى كمال في حربه للإسلام ، فحدد عدد المساجد وعدد الوعاظ فيها ، وحتى خطبة الجمعة حدد لها موضوعاتها ، كأن تتعرض بالمدح والإطناب لسياسات الحكومة الزراعية والاقتصادية وغيرها ، ثم ألغى الشريعة الإسلامية وأحل محلها القانون المدني الوضعي ، واستبدل التقويم الهجري بالتقويم الميلادي ، وحتى العطلة الرسمية غيرها من يوم الجمعة إلى يوم الأحد ، وتدخل في زي الناس ولباسهم ، فأمر بلبس القبعة تشبهاً بالأوروبيين ، بدلاً عن زي الرأس العثماني ، ومضى ليستبدل أحرف اللغة العثمانية العربية بالأحرف اللاتينية ، محاولاً في كل ذلك قطع صلة تركيا بماضيها ، وبتراثها الإسلامي ، إلى الحد الذي ألغى فيه الحجاب الإسلامي ، وهكذا كانت بداية انقطاع تركيا عن عالمها الإسلامي ، واتجاهها نحو أوروبا ، ونحو علمانية مطلقة **،
__________________
أثر غيبة الخلافة :
كان لغياب الخلافة أثر بالغ في واقع الأمة السياسي ويمكن حصره فيما يلي :
أولاً : غياب دولة الإسلام الكبرى .
ثانياً : غياب الدولة التي كانت تظل المسلمين وتجمع شملهم ، وتدفع عنهم ، وتحمل دينهم إلى أراض جديدة ( الفتوحات الإسلامية).
ثالثاً : غياب الدولة التي كانت ترهب عدو الله وعدوهم ، إذ أن القوى العالمية كانت تحسب لها ألف حساب ، حتى بعد ضعفها وتهورها .
رابعاً : غياب الدولة التي عرف اليهود وتأكدوا أنه لا سبيل لهم إلى فلسطين إلا بتحطيمها ، وذلك واضح من تصريح أحد قادتهم حين قال : " إن الأفعى اليهودية لابد أن تمر بالأستانة ( اسطنبول )في طريقها إلى فلسطين " .
أضف إلى ذلك أنه – وكما أسلفنا – انفتح الباب أمام حركة " التغريب " ، وأمام إشاعة التقاليد والثقافة الغربية بغرض تحطيم الإسلام وقيمه ، والتمكين للاستعمار في شتى صوره ، وبدأت الحركات الإسلامية الإصلاحية داخل العالم الإسلامي تتعرض لضغوط وتحديات جديدة لا قبل لها بمواجهتها ، كلها ترمي إلى إضعافها ، والفت في عضدها ، ثم القضاء عليها كلية ، ذلك أن الغرب الصليبي ما كان يسمح مرة أخرى بقيام دولة الإسلام ، بل كان يخطط دائماً وبكل السبل لمحاربة كل خطوة قد تؤدي على ذلك ، سواء كانت تلك الخطوة في صورة دعوات إلى تضامن إسلامي ، أو إلى جامعة إسلامية ، أو حتى إلى دعوة تدعو إلى تطبيق جدي للشريعة الإسلامية ، وقيام دولة إسلامية .
وبسقوط الخلافة واجه الغرب الصليبي الأمة الإسلامية بالتحدي الكبير ، فنشط الاستشراق ، والتنصير ، وبدأت المحاولات الجادة لإبعاد المسلمين عن دينهم ، وعن قيمه ، وبدات الحركات والدعوات الرامية إلى التشكيك في مقدرة ذلك الدين على التكيف مع ظروف الحياة العصرية ، وغيرها من الدعوات الباطلة والتي كانت تهدف أساساً إلى هز ثقة المسلمين في أنفسهم ، وفي دينهم ، وفي هويتهم الحضارية الإسلامية حتى تسهل السيطرة عليهم فكرياً ، وسياسياً ، واقتصادياً ، فيتمكن الاستعمار من الهيمنة على بلادهم ، واستلاب خيراتها ، وإبقائهم شتاتاً – ضعيفاً ممزقاً – لا حول ولا قوة لهم .. أقناناً ، وعبيداً له ، لا يجرؤون – حتى على التفكير – من الانفكاك من قبضته .
وبانهيار الخلافة والتي هي من أعظم واجبات الدين ، انحل أمر الجماعة الإسلامية ، وأصابتها الخطوب والمصائب ، فقد عاش المسلمون في ظل الخلافة ثلاثة عشر قرناً ونصف قرن ، ورأوا فيها حامياً لعقيدتهم ، ورمزاً لوحدتهم ، وظل الخليفة في نظر المسلمين قائماً برعاية شئونهم ، ومسئولاً عن الدفاع عن ثغورهم ، وحامياً لأحكام الدين ، ومنفذاً لشرائعه ، ولذلك جاء إلغاء الخلافة العثمانية حدثاً زلزل القلوب ، وهز وجدان المسلمين ، وكان له آثار مفجعة في حياة المسلمين ، منها غياب الدولة التي حمتهم وربطت برباط الإسلام بين الترك والعرب ، ليقفوا في وجه مطامع الصهيونية التي كانت تخطط لاحتلال الأرض المقدسة فلسطين .
ومن آثار سقوط الخلافة العثمانية – كما أسلفنا – إلحاق تركيا رسمياً بدول المعسكر الأوروبي الغربي ، وقطع كل صلة لها بماضيها التاريخي ، وبعالمها الإسلامي .
ومنها قيام دويلات مدنية جديدة ذات دساتير وضعية وعلمانية في شتى أنحاء العالم الإسلامي ، تقوم على أساس قومي ، وتسعى إلى تنظيم روابطها مع جاراتها على أساس قومي متخلية تماماً عن رابطها الإسلامي .
ومنها تسلط المستعمرين المتربصين على ما تبقى من أملاك الخلافة العثمانية ، واقتسامها فيما بينهم ، فاحتل الفرنسيون سوريا ولبنان ، وكما احتل البريطانيون العراق وفلسطين والأردن ، هذا في عالم العرب ، ناهيك عن السيطرة الاستعمارية على أجزاء واسعة أخرى من عالم الإسلام .
ولعل المأساة التي عانى منها العالم الإسلامي ، ولا يزال يعاني منها حتى الآن – وكانت ثمرة مرة لسقوطه الخلافة العثمانية هي مأساة فلسطين والتي لم تستطع الصهيونية العالمية استلابها إلا بعد التآمر على السلطان العثماني ، والعمل على إسقاط الخلافة ، والخلاص من الرابطة الإسلامية ، فانفك عقد الأمة الإسلامية ،ووقعت فريسة للغزو الاستعماري السياسي والعسكري والاقتصادي والفكري ، والذي كان يخشى اتحاد المسلمين من جديد ، تحت راية الخلافة ، أو رايات التضامن الإسلامي ، أو رايات الصحوة الإسلامية التي كانت تنادي بإعادة الإسلام من جديد في حياة الأمة الإسلامية ، ومن ثم عمد الاستعمار على إبقاء المسلمين وحدات متفككة متنازعة ، لا يجمعها رابط ، ولا تجمعها هوية إسلامية مشتركة .
ولولا هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ، لما تحقق للدول الأوروبية المتحالفة " دول الحلفاء " ، مآربها في تقسيمها الأملاك العثمانية في أوروبا وأسيا فيما بينها ، ثم فرض هيمنتها الاستعمارية عليها ، ومن بعد ذلك استعمار بلاد أخرى من بلدان العالم الإسلامي ، وكان ذلك الاستعمار هو الطامة الكبرى التي نزلت ببلاد المسلمين ، فقد كان همه الأول هو حرب الإسلام وأهله ، في دينهم ، وفكرهم ، وهويتهم ، بغرض القضاء على الإسلام قضاءاً تاماً ، فهو في نظر المستعمرين العدو الأول الذي لو عاد من جديد ، فاستعاد قوته وحيويته ، فلن تقوم للاستعمار على إقصائه عن الساحة إقصاءً تاماً ، وأن يجتهد في إضعاف المسلمين بشتى الوسائل – فيبث بينهم الأفكار الهدامة ، والدعوات التي تدعى الإسلام وهي في الواقع تعمل على هدمه من الداخل ، وينشر بينهم فكره العلماني ، فيحاول أنصاره وأعوانه من المستشرقين والمنصرين والمتغربين – التشكيك في الإسلام وفكره ، في محاولة لإضعاف العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين ، فتهتز ثقتهم في دينهم ، وفي ذاتيتهم .. قيسقطون فريسة وغنيمة سهلة للسيطرة الاستعمارية .
وسائل الاستعمار في إضعاف العالم الإسلامي
عاشت غالبية الدول الإسلامية فترات متفاوتة في القصر والطول تحت هيمنة الاستعمار الغربي الذي استغل ثرواتها ، وسخرها لخدمة مصالحة الاقتصادية والسياسة ، بل ربطها اقتصادياً باقتصاده ، وعلى الرغم من أن هذه المرحلة – مرحلة الاستعمار التقليدي – قد انتهت ، إلا أن العالم الإسلامي يعيش اليوم مرحلة الاستعمار الحديث ، وهو استعمار أخطر وأدهى من الاستعمار الأول ، لأنه يريد تحطيم عقيدة وهوية الأمة الإسلامية بكافة الوسائل والسبل ، ونتناول في هذا الفصل أبرز تلك الوسائل :
المخطط السياسي والاقتصادي :
ويرمي إلى السيطرة على الشعوب الإسلامية عن طريق الهيمنة السياسية والاقتصادية المباشرة وغير المباشرة ، فالاستعمار الحديث مثلاً يريد فرض سيطرته –عن بعد – على اقتصاد الدول الإسلامية، بإبقائها الحديث فقيرة ، معتمدة عليه دائما ، فيسهل استعبادها ، وهو يرمي أيضا إلى تعزيز سيطرته عن طريق إيقاع الفتنة والشقاق بين دول العالم الإسلامي ، باصطناع عملاء له من المسلمين لتنفيذ أغراضه ، مثل زرع التمرد على السلطة ، وبإحداث الفتنة والبلبلة في صفوف المسلمين ، وعلى العادات والتقاليد ,وأخيرا – وهذا هو الأهم – بربط دار الإسلام اقتصاديا بالدول الاستعمارية عن طريق التكتلات الاقتصادية ، واحتكار المال ، وإدخال البلاد في نطاق عملة البلد المستعمر ، ثم بتقديم المعونات الاقتصادية المشروطة للبلاد لتبقي مكبلة دائما تحت سيطرته .
أما سياسياً فقد أعطى المستعمرون للبلاد التي استعمروها بعد أن خرجوا منها ما سمي "بالاستقلال المميز " ، وذلك أنهم سلموا الحكم لفئات تعلمت في مدارس إرساليته ، وتشربت حضارته ومبادئها الغربية المادية ، فنشأت غريبة عن وسطها الإسلامي ، وبعيدة عن إرثها الحضاري الإسلامي ، علمانيين في أفكارهم ، غربيين في توجهاتهم ، محاربين لعقيدة أمتهم الإسلامية بشتى السبل ،وعندما سلم المستعمرون أولئك مراكز القيادة والتوجيه ، لم تتغير الحال كثيراً بعد هذا الاستقلال المزيف ، بل ظلت البلاد تعاني آثار الغزو الفكري ، والتسلط السياسي والاقتصادي ، وتتخبط في مسيرتها – في معظم الأقطار الإسلامية – بعيداً عن هدي دينها وشريعتها السمحة .
ووقع الصراع في كثير من البلدان الإسلامية نتيجة التبعية السياسية ، والمحاور المتنافرة التي ترتبط بها هذه البلاد ، ونتيجة للمشاكل التي زرعها المستعمرون في كل بلد من البلاد التي سيطروا عليها ، فهناك مشاكل الحدود المصطنعة والتي صارت مشاكل مزمنة بين الأقطار الإسلامية المتجاورة ، وحالت بين التعاون فيما بين تلك الأقطار ، والأمثلة لذلك كثيرة ، الصومال مع جيرانه ، العراق وإيران ، سوريا وتركيا ، الهند وباكستان ، بنغلاديش والهند ، وكشمير ، اليمن وعمان وغيرها من الأمثلة .
كما كان لهذه الأقطار أن تكتوي بنار الصراع العالمي لحساب غيرها من الدول الكبرى التي تتسابق إلى الثروات والمصالح في العالم الإسلامي ، وتعمل على أن يبقى هذا العالم مسلوب الإدارة ، مستنزف الموارد موزع الولاءات ، بعيداً عن عقيدته الصحيحة ، ومثله القويمة التي ترسم له طريق الخلاص من كل ألوان التبعية ، وتدفعه نحو بناء الأمة القوية التي تحمي استقلالها وثرواتها من كل طامع أثيم .
وكما اقتسم المستعمرون العالم الإسلامي ، ومزقوا أوصاله ، فقد شجعوا الأحزاب القومية ، والطائفية والإلحادية التي عملت على تمزيق البلاد بتناحرها وولائها للأجنبي خدمة لمصالحة ، كما أبعدوا مفهوم الجهاد وحاربوه بكل الوسائل ، وجاءت الولايات المتحدة الأمريكية لترث الاستعمار ، فمارست كل الممارسات الاستعمارية السابقة ، ولكن عن بعد ، وبذكاء ، وبأساليب حديثة ، كالدعوة إلى " العولمة " ، وإلى بسط سلطان المؤسسات المالية التي ترعاها وتهيمن عليها ، كالبنك الدولي ، وكمؤسسة النقد العالمية ، وما شاكلها من مؤسسات عالمية أمريكية ، وكانت أمريكا – المستعمر الخفي الجديد – كما كانت الدول الاستعمارية القديمة تدرك أن الخطر الأعظم عليها وعلى مخططاتها هي الوحدة الإسلامية ، ومن ثم كان همها الأول أن تعمل لمنع تلك الوحدة ، أو التضامن الإسلامي ، وتشجيع كل ما يساعد على ذلك المنع ففرزت ما من شأنه ترسيخ التبعية السياسية في مجال الحكم ، والاقتصاد والفكر .