2011- 11- 23
|
#93
|
|
أكـاديـمـي مـشـارك
|
ملخص حاضر العالم الاسلامي
يتبع >>
المخطط الفكري – الغزو الثقافي :
يرتكز هذا المخطط على نشر الأفكار التالية بين المسلمين في محاولة لزرع الشك في دينهم الإسلامي ، ثم في النهاية التخلي عنه كنظام متكامل للحياة ، وهذه الأفكار هي :
1- الفكر العلماني .
2- حركة التنصير .
3- حركة الاستشراق .
4- بث الفكر السياسي الغربي – كالفكرة القومية ، والاشتراكية ، والشيوعية ، وما شابه ذلك من أفكار .
وهدف الاستعمار الغربي من وراء كل هذه المخططات سياسية كانت أم اقتصادية ، أو فكرية ، هو تأكيد قبضته ، وهيمنته على أرض المسلمين ، وعلى عقولهم وقلوبهم ، ومحاولة إضعاف دينهم ، وفكرهم الإسلامي ، وتشكيكهم فيه ، حتى يبقى العالم الإسلامي خلواً من أي توجيه أو فكر أصيل ، وليبقى الباب مفتوحاً أمام الفكر الغربي العلماني ، فيتسنى للمستعمرين السيطرة على ذلك العالم وعلى أهله .
وهذا الأسلوب هو ما عرف بالغزو الفكري ، والذي يعتمد الوسائل غير العسكرية ، وغير المباشرة لإزالة مظاهر الحياة الإسلامية ، وصرف المسلمين عن التمسك بدينهم ... وسلاح هذا الغزو هو : الفكرة ، والحيلة ، والرأي ، والنظريات ، والشبهات – ثم حرب شاملة ممتدة إلى شعب حياة المسلمين كلها .
وقد أدرك الاستعمار أن هزيمة المسلمين لن تكون بالسلاح ، ولكن تكون بحربهم في عقيدتهم التي هي مكمن القوة فيهم ، وبإحداث فراغ فكري بين أبناء الأمة الإسلامية ، وباقتلاع الأمة ذاتها من جذورها الحضارية ، وذلك عن طريق إظهار تهافت ، وعدم جدوى كل ما تملكه من مقومات أمام متطلبات عصر الذرة ، وغزو الفضاء – وهذا الأسلوب هو ما يعرف اليوم بالغزو الثقافي ، والغزو الفكري ، وهو أكثر خطراً من الغزو العسكري ، إذ أنه لا يعتمد على استخدام القوة ، والمواجهة المسلحة ، ولكنه يلجأ إلى أساليب أخرى ماكرة ، وخادعة وناعمة ، ولكنها شديد الأثر والخطر ، إذ أنها غزو للعقول والقلوب ، يعمل في هدوء تام ، غالباً عن طريق بعض أبناء الأمة ممن تربوا في معاهدة ، وجامعاته الاستعمارية ، فأصبحوا خداماً لفكره ، وأداة طيعة في يده يوجهها ضد أعدائه من دعاة الفكر الإسلامي الأصيل ، محدثاً بذلك صراعاً داخلياً بين أبناء الأمة الواحدة ، وفوضى فكرية يستطيع من خلالها زرع بذور أفكاره الهدامة الرامية إلى صرف المسلمين عن التمسك بعقيدتهم ، بل والقضاء على ذاتيتهم الإسلامية المتميزة ، والتي يرى في تمسك المسلمين بها خطراً داهماً عليه .
فالقائمون على الغزو الثقافي – من مستعمرين وأتباعهم – يهدفون إلى ضرب الإسلام من الداخل عن طريق إضعاف فاعليته وعزله عن التأثير في حياة المسلمين – فهم يريدون تحييد الإسلام ، بتشويه عقائده ومثله ، ويريدون كذلك إظهار اتباعه في أبشع صور التخلف ، والهمجية ، والتطرف – وقد تعددت أساليب ذلك الغزو الثقافي ، نسوق من أبرزها ما يلي :
- العلمانية :1
ماذا تعني كلمة " علمانية " ؟ قد يظن البعض أنها كلمة مشتقة من " العلم " ، وأنها منسوبة إلى العلم – وليس هذا بصحيح ، فلا صلة للعلمانية بالعلم ، وهي كلمة نقلت من الغرب الأوروبي – موطن نشأتها – إلى البلاد الإسلامية والعربية على الأخص ، والعلمانية هي الترجمة للكلمة الإنجليزية ، والتي يشرحها القاموس الإنجليزي بقوله : العلمانية هي النظرية التي تقول إن الأخلاق والتعليم يجب ألا يكونا مبنيين على أسس دينية ، أما دائرة المعارف البريطانية فتقول عن " العلمانية " : إنها حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالدنيا وحدها ، وذلك لأنه كان لدى الناس في العصور الأوروبية الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا ، والتأمل في الآخرة ، فجاءت الدعوة إلى " العلمانية " لمقاومة هذا الاتجاه ، وظلت تلك الدعوة تتطور باستمرار خلال التاريخ الأوروبي الحديث باعتبارها حركة مضادة للدين ، ومضادة للنصرانية ، وقد جعلت دائرة المعارف البريطانية في حديثها عن الإلحاد الفلسفة العلمانية نوعاً من الإلحاد ، سمته الإلحاد العلمي .
والعلمانية تعني في لغة الغربيين وعرفهم " اللادينية " ، وهي حركة اجتماعية ذات فلسفة معينة هدفها إبعاد الدين عن الحياة كلها – الحياة الاجتماعية ، والأخلاقية ، والتعليمية ، والسياسية - ، والشائع بين الناس أنها تعني فصل الدين عن الدولة ، وهذا خطأ ، فهي – كما رأينا – تعني إبعاد الدين عن الحياة كلها ، والعلماني هو الشخص الذي لا يطبق الدين في السياسة ، ولا في شئون الحياة كافة .
وقد كان ظهور العلمانية في أوروبا في بداية القرن التاسع عشر الميلادي / الثالث عشر الهجري – أو قبل ذلك بقليل – ابتداء من ظهور " الهرطقة " والخروج على سلطان الكنيسة ، ورجال الدين النصراني ، " فالعلمانية " إذاً نبتت خارج العالم الإسلامي ، وتسربت إليه من خلال مناهج التعليم ، ومن خلال المبعوثين الذاهبين من بلدان العالم الإسلامي إلى معاهد أوروبا لتلقي العلم فيها ، وكذلك من خلال ضلالات المستشرقين ، وتضليل سبل الإعلام الغربي.
وقد حرص الاستعمار على نشر الفكر العلماني بين أبناء المسلمين عن طريق فرض نظامه التربوي الغريب عن المعتقدات والقيم الإسلامية ، وكذلك عن طريق حصر التعليم الديني وعزله عن التعليم العام ، وعن محاصرة وتمييع المناهج الإسلامية باسم التطوير والتحديث ، وهو إذ يفعل ذلك إنما يرمي إلى خلق أجيال من المتعلمين تجهل تراثها الإسلامي ، فتتنكر لشخصيتها وذاتيتها الإسلامية ، وترى أن الحضارة الأوروبية ، والعلم الأوروبي هو أساس الرقي والتطور ، وأن كل شيء دون ذلك عتيق ، قديم ولا يساير التحضر والتطور ، وهكذا استطاع الاستعمار ببثه لمثل هذا الفكر العلماني أن يبعد بعض الفئات المتعلمة – والتي كانت قد برزت إلى مواقع الصدارة في بلدانها – عن دينها ، وعن مثلها وقيمها وحضارتها الإسلامية ، وقد أصبح هؤلاء غرباء عن أمتهم الإسلامية ، فتبنوا دعوات فكرية هدامة وموالية للغرب
أشكال العلمانية:
أ- التشبث بالحضارة الغربية :
والإعجاب بها ، والأخذ بها دون وعي ، وقد تبنى هذا الاتجاه جماعة من الكتاب والأدباء المسلمين من الذين تولوا المراكز القيادية بعد زوال الخلافة العثمانية ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، لعل من أوضحها كتابات طه حسين والتي يبدي فيها إعجابه الشديد بالحضارة الغربية ، ويدعو إلى الأخذ بتلك الحضارة ، والسير في ركابها إن أريد للأمة أن تتقدم وتتطور ، وكتابه "مستقبل الثقافة في مصر " مليء بمثل هذه الآراء .. وهناك كتابات سلامة موسى ، وقاسم أمين وغيرهما مما تتبنى وتدعو إلى آراء شبيهة بآراء طه حسين المتحيزة إلى الحضارة الغربية ، بل والمفتونة بها ، والداعية بالأخذ بأسبابها كلها .
وزاد من تأثير هذا الاتجاه الموالي للغرب النصراني ، ولحضارته تقاطر البعثات إلى الدول الأوروبية من أبناء المسلمين الراغبين في استكمال تعليمهم ، فقد عاد كثير منهم وقد تطبعوا بطباع الغرب ، وتأثروا بفلسفته وفكره ، وانساقوا وراء التيار الغربي ، فأصبحوا بذلك رصيداً في حساب أعداء الإسلام ، بالسلوك ، والتربية والفكر ، وانساقوا وراء التيار بلا فهم ولا وعي ، واتخذهم الاستعمار أداة طيعة في يده ، يستغلها لإحداث الانقلاب الجذري في حياة المسلمين ، ولإحداث الفجوة والفرقة بين جمهور الأمة ، وقيادتها " العلمانية " المنقطعة عنها وعن تراثها الإسلامي .
ب- بث الدعوات والنزعات القومية والإقليمية والقبلية :
وكلها دعوات أراد بها الاستعمار محاربة الإسلام ، وتجاهل ماضي الأمة الإسلامي ، ذلك أن الإسلام حارب مثل هذه الدعوات وأقام أمته على قواعد وأسس إسلامية معلومة ، والمستعمرون يريدون من نشرهم لتلك النزعات الضيقة أن يجعلوا المسلم يفكر في وطنه قبل عقيدته ، وأن يربطه بالماضي التاريخي الغامض البعيد ، السابق على الماضي الإسلامي ، والذي يجد فيه المسلم أسس قوته ومجده ، ودعائم نهضته ، فالاستعمار لا يريد للمسلمين ذلك ، وإنما يريد إبعادهم عن ذلك الماضي ، بالدعوة إلى إحياء الحضارات القديمة ، حتى تحل محل الأخوة الإسلامية .. ومن ثم أراد الغرب تلفيق دعوة وهمية لكل قطر إسلامي ، فمصر أرادوا لها "الفرعونية " التي تقوم على إحياء ما قبل الإسلام من لغة وأدب وتراث وفرعوني ، والاعتزاز بتاريخ مصر القديم .. وقد أطلت هذه الدعوة برأسها منذ غزو نابليون لمصر في عام 1798 م واستصحابه لبعثة علمية للتنقيب عن آثار الفراعنة ، وتعميق مثل هذه الدعوة يقود إلى "الانطواء على الذات " ، ومعارضة كل دعوة ترمي إل تقرير الوحدة الإسلامية – أو حتى العربية – والتمسك بالعصبية الفرعونية التي يرى أنصارها أن المسلمين العرب غزاة دخلاء على مصر ، كاليونان ، والرومان سواء بسواء .
كما بعثوا " الفارسية " في إيران ، وسوغوا لها ضرورة إحياء التراث الفارسي القديم ، والتمسك والاعتزاز به ، وعمدوا إلى إثارة " الفينيقية " في لبنان ، و " الآشورية " و " البابلية" في العراق ، و " الكنعانية " في فلسطين ، و " البربرية " في المغرب – وهكذا، والهدف من وراء إثارة هذه النعرات الإقليمية الضيقة هو سلخ أجزاء العالم الإسلامي بعضها عن بعض ، وعزلها عن بعضها ، والتفريق بينها ، والحيلولة دون وحدتها ، والعمل على إرغام كل جزء منها على التخلي عن تاريخه وماضيه الإسلامي ، وعن لغته العربية ، وفصله عن جسم الأمة تمهيداً للانقضاض عليه واستعباده .
جـ - قطع صلة المسلمين بالقرآن الكريم – محاربة اللغة العربية :
إن هدف المستعمرين هو محاربة اللغة العربية ، لكونها لغة القرآن الكريم ، وبها تمت صياغة التراث الإسلامي عبر السنين ، وقد صاحبت انتشار الدين الإسلامي ، فحلت أينما حل ، وبها كتب المسلمون على اختلاف لغاتهم وأجناسهم وديارهم ، وهي عنصر وحدة بين المسلمين ، ولذا كان من الطبيعي أن يحاربها المستعمرون ، وأن يقفوا في طريق انتشارها ، بالتمكين للغاتهم من انجليزية ، وفرنسية وهولندية – بحيث لا تتمكن اللغة العربية من التوسع بين مسلمي العالم ، واتبعوا في ذلك عدة أساليب – منها :
أولاً : نقل كثير من لغات المسلمين التي كانت تكتب بالأحرف العربية ، من ذلك الحرف إلى الحرف اللاتيني ، فقد نقل مصطفى كمال أتاتورك في مؤتمر باكو عام 1926 م أحرف اللغة العثمانية العربية إلى الأحرف اللاتينية ، وحدث نفس الشيء بالنسبة للغة الإندونيسية ، ولغة الهوسا في نيجيريا ، واللغة السواحلية في بلدان شرق أفريقيا .
ثانياً : تشجيع اللغات المحلية واللهجات في معظم البلاد الإسلامية غير العربية لتصبح هي اللغات القومية ، مثل بعض اللغات المحلية واللهجات في القارة الأفريقية ، ومثل السنسكريتية ( الهندية القديمة)، والبنغالية في شبه القارة الهندية ، وغيرها .
ثالثاً : توسيع نطاق لغة المستعمر ، وجعلها اللغة الرسمية ، كما فعل في الهند الإسلامية ، وبنغلاديش ، وباكستان ، وفي بلدان غرب أفريقيا ، ووسطها وشرقها ..ولعل هذا الأمر أوضح ما يكون في المستعمرات الفرنسية ، وكذلك في المستعمرات البريطانية ، فلا زال أهلها من مسلمين وغيرهم حتى الآن يتحدثون ويتخاطبون بلغة مستعمريهم القدامى ،.. خاصة اللغة الفرنسية .
رابعاً : وعندما وجد الغربيون أن القضاء على اللغة العربية في حكم المستحيل عملوا على التقليل من شأنها ، فقالوا إنها لا تلبي حاجات العصر ، وأنها استنفدت أغراضها .. ومن ثم عمدوا إلى الدعوة لاستخدام اللغة العامية لغةً للتأليف والكتابة ، كما فعلوا في الجزائر ، ومصر ، وبلاد الشام ، والعراق ، وتونس ، والمغرب ، كما أن السياسة التعليمية تجاهلت اللغة العربية ، ولم تهتم بها ، ولا بمعلميها بالقدرة الذي أولته لغاتها ومعلميها من اهتمام وتشجيع – والغرض من محاربة اللغة العربية بهذه الصورة وبكل تلك القوة ، هو زرع الفرقة بين المسلمين من عرب وغيرهم ، بتفريقهم في اللغة ، والدين والثقافة ، وبعدم السماح للعربية من الانتشار بين المسلمين وما بين تراثهم الماضي ، لأنه هو الذي يربطهم ويوحد بينهم .. ، وهو الذي يعطيهم الثقة في أنفسهم ، ويعزز من صمودهم أمام مخططات الاستعمار وتحدياته .
د – توجيه التعليم وجهة إسلامية :
وذلك عن اقتباس الأنظمة والمناهج الغربية ، وإحلالها محل مناهج التعليم الإسلامية التي وجدها الاستعمار في مستعمراته الإسلامية ، والهدف من كل ذلك هو إضعاف العالم الإسلامي ، بتذويب هويته الإسلامية في الهوية الاستعمارية .. وكذلك توجيه التعليم لتخريج طائفة من المتعلمين يخدمون مصالحه ، ويعززون من سيطرته الاستعمارية في بلدان المسلمين التي استعمروها ، وأخذ يحارب الإسلام فيها ... ومن ثم ما فتئ المستعمرون يحاولون القضاء على ثقافة الإسلام وإرثه ، بالطعن فيهما ، وأثارت الشكوك والشبهات حولهما ، وذلك عن طريق إحلال الفكر العلماني محل الفكر الإسلامي في مناهج التعليم والتي أُخرج من برامجها الدين ، وتاريخ الإسلام ، وإرثه الثقافي واللغوي ، في محاولة لطمس هوية الأمة ، ولقطع صلتها بتراثها وماضيها الإسلامي .
ولا عجب أن خلت مناهج الجامعات أيضاً من علوم الإسلام ، وامتلأت بمفردات المناهج اللادينية ، كعلوم الفلسفات المادية والإلحادية ، والنظريات الغربية الرافضة للدين وعلومه ، وكذلك التركيز والاهتمام بالتراث والحضارات الوثنية ، والحضارات السابقة للإسلام – حدث ذلك في مصر ، وفي تركيا ، وإندونيسيا ، وغيرها ، والغرض من وراء كل ذلك هو محاولة القضاء على العوامل الجامعة للعالم الإسلامي ، ولا غرو إذاً أن أصبحت برامج التعليم علمانية في كل مراحله ، وتعدى الأمر المناهج إلى أسلوب التربية ، وفلسفة السلوك ، فطبق الاختلاط بين الذكور والإناث في معظم جامعات العالم الإسلامي ، وأُدخل في روع الطلاب (( عن طريق المناهج وغيرها )) أن الحضارة الغربية هي خلاصة الحضارات ، وأن الأمم لا تتقدم إلا باحتذائها ، والأخذ بها ...
هـ - طمس هوية الأمة الفكرية :
كان من أخطر الوسائل العصرية التي اعتمد عليها أعداء الإسلام " الصحافة " باعتبارها أكثر انتشاراً ، وأبعد تأثيراً ، فجاءت الصحف المحلية والأجنبية تبث في أوساط المسلمين قيماً غربية نصرانية جديدة ، تحفل بضروب الأفكار المخربة وأحاديث الجنس الفاضحة ، والصور العارية ، والقصص الرخيصة ، والبحوث والمقالات التي تتناول كثيراً من مقدسات المسلمين بالنقد والتجريح ، وتتوغل على المبادئ الإسلامية .
فظهرت مؤلفات مسلمين وغير مسلمين تتحدث عن الإلحاد ، وعن " الدارونية " والأصل الحيواني للإنسان ، بل إن بعضهم مثل " الشيخ " علي عبد الرزاق طرح قضية العلمانية لأول مرة في صميم الفكر الإسلامي في كتابه : " الإسلام وأصول الحكم " ، وخطورة هذا الكتاب أنه حاول الاستناد ولأول مرة على الفكر التاريخي الإسلامي لتبرير العلمانية ضمن إطار الإيمان الديني ، وليس من منطلق العلمانية الخالصة المنافية للدين .
كما أصدر طه حسين كتابه في الشعر الجاهلي عام 1345 هـ / 1926 م ، الذي حاول فيه إبداء الشك في الروايات الجاهلية ، وتعدى ذلك إلى محاولة نقد الروايات والنصوص الدينية بما في ذلك آيات القرآن الكريم ، وفي هذا تكمن خطورة هذا الكتاب ، وليس في مجرد تشكيكه بمصادر الشعر الجاهلي ، وهكذا استمرت أفكار الغرب المنحرفة تظهر في كتابات بعض الأدباء العرب من أمثال إسماعيل مظهر, ولطفي السيد ومنصور فهمي, وأمين الخولي وغيرهم من الكتاب تحت أقنعة البحث العلمي والموضوعية العلمية .
وكان من نتيجة شيوع مثل هذه الآراء في الفكر والأدب والصحافة التمهيد لانتشار الأفكار المادية ، ولاسيما الشيوعية ، وتغذيتها بروح الشك العام في كل شيء – سواء كان ذلك دينا أو غيره – حتى أصبح الشباب المتعلم في العالم الإسلامي فريسة للشكوك ، فانضم كثير منهم إلى المنظمات اليسارية ، أو القومية وغيرها من الأحزاب اللادينية ،وأطلت الأفكار المنحرفة في حرية تامة ، فدخل الفكر القومي ، والوطني ، والعلماني ، والمادي ، والاشتراكي ، والوجودي إلى صفوف شباب المسلمين المتعلم باسم العلم ، وحرية البحث ، والإصلاح والثورة على كل قديم ، وكان كل ذلك على حساب الرابطة الإسلامية ، فمبدأ القومية مثلا يستهدف بث العنصرية والتي تستهدف بدورها خلق الصدع ، ونشر الفرقة بين المسلمين من العرب ، والفرس ، والترك ، والهنود ، كما تهدف إلى إعلاء شأن التاريخ والولاء القومي ، والقضاء على الذاتية الإسلامية ، وكذلك الحال مع الشيوعية ، والماسونية ، والدعوات التوفيقية الداعية إلى التوفيق بين الأديان ، وبخاصة بين الإسلام والنصرانية .
وهكذا كان هدف المستعمرين ينحصر في الآتي :
1- إنشاء جيل من أبناء المسلمين يتبنى الثقافة الغربية , ليسهل عليهم الاتصال بهم , والتفاهم معه , والاعتماد عليه لتنفيذ مخططاتهم كلها علمانية وغيرها .
2- أن تخلو الأجيال المقبلة من الإسلام , ومن الثقافة الإسلامية , ومن الرغبة بالتمسك بالإسلام والدفاع عنه .
ومن ثم عمد المستعمرون إلى تغيير قيم الأمة ومثلها – أي تغيير عقيدتها وثقافتها وأخلاقها – وبمعنى آخر إبعاد المسلمين عن دينهم باسم المدنية والتقدم والتطور وهو ما عرف بحركة " التغريب " , وهي حركة بدأها المستعمرون ومؤسساتهم الاستشراقية والتنصيرية , ثم حمل مشعلها من بعدهم جماعة من المسلمين " المتغربين " , من تلاميذ المستشرقين ومن الطلاب المبتعثين إلى الخارج , ويساندهم في تنفيذ هذا المخطط بعض حكام المسلمين , وتتمثل خطة هذه الحركة ( حركة التغريب ) , في إحداث تغيير جذري في العادات , والتقاليد والأخلاق تحت قناع التطور , ومسايرة روح العصر , مستخدمة في ذلك وسائل الإعلام المختلفة , ومن مظاهر الحركة الواضحة اتخاذ الزي الأوربي , والتطبع بطباع أهل الغرب , ومحاكاتهم في القشور المظهرية لحضارتهم , ومن نتائجها التبعية السياسية , والفكرية , والاقتصادية , والتنكر للإسلام , ولمبادئه وتراثه ... والعيش غرباء في المحيط الإسلامي , وتخريب عقول المسلمين حتى يتسنى للاستعمار السيطرة الكاملة على العالم الإسلامي وعلى أهله .
|
|
|
|
|
|