|
أكـاديـمـي مـشـارك
|
ملخص حاضر العالم الاسلامي
يتبع >> 
و- بث الدعوات الدينية الهدامة وتشجيعها :
وهذه إحدى وسائل الاستعمار في تنفيذ مخططه الفكري الرامي إلى إضعاف المسلمين ، وتشكيكهم في إسلامهم ، وهذه الوسيلة إلى جانب ما قام به المتنصرون والمستشرقين من تشويه وإضعاف للإسلام في نفوس المسلمين ، هما وسيلتان مكملتان لبعضها بعضاً ، فالصلة بينهما وثيقة ، وهدفها واحد ،وهو حرب الإسلام .
وقد عمد الاستعمار إلى إيجاد طبقة من أبناء المسلمين وتشجيعهم على تبني مذاهب إسلامية هدامة ، تخدم أهدافه ، بغرض تركيز سلطته وولايته على المسلمين ، وبعبارة أخرى عدم تحدي المستعمر في مباشرة سلطته على المسلمين ، أو معارضة إدخال مخططاته الفكرية ، ونشرها بينهم ، ولعل من أبرز المسلمين الذين تبناهم المستعمر ، وشجعهم على بث فكرهم الديني الهدام ، هو السير سيد أحمد خان ، الذي تبنى دعوة باطلة باسم الإصلاح والتقدمية .
ويمثل هذا الاتجاه المعادي للإسلام ، الدعوة " القاديانية " ، والأحمدية في الهند أيضاً ، وهناك دعوات أخرى مماثلة مثل " البابية " و " البهائية " وكلها دعوات باطلة قامت بتشجيع من الاستعمار البريطاني ، غرضها معاداة الإسلام تحت شعار الإصلاح ، خدمةً للاستعمار ، وذلك عن طريق تنفيذ مخططه الرامي إلى أضعاف المسلمين بحربهم في عقيدتهم ، وفيما يلي نتناول أبرز ملامح تلك الدعوات الباطلة :
أولاً: السيد أحمد خان :
عندما استولى الإنجليز على الهند حاربوا الإسلام هناك بشتى الوسائل ، ومنها تبنيهم ، وتشجيعهم لأحمد خان ، الذي بدأ أول ما بدأ بالمناداة بأفكار غربية ، مثل قوله بمذهب " الطبيعيين الدهريين " القائل إنه لا وجود في هذا الكون إلا للطبيعة ، وأنه ليس للكون إله حكيم ، وأن كل الأنبياء كانوا طبيعيين لا يعتقدون بالإله الواحد .
وقد استطاع أحمد خان أن يغري بضلالاته هذه بعضاً من أبناء الأغنياء الطائشين ، والسائرين في ركاب الاستعمار ، والمعجبين بفكره وحضارته ، ولم يكن غريباً أن للحكام البريطانيين غرضاً من وراء مشربه وضلاله هذا ، إذ رأوا فيه خير وسيلة لإفساد نفوس المسلمين ، فساندوه ، وشجعوه ، وساعدوه على بناء مدرسة في " عليكرة " سموها مدرسة " المحمديين " لتكون مصيدة لأبناء المسلمين فيدخلوها ، وفيها يتربون على أفكار أحمد خان الضالة .
ومضى هذا الرجل إلى أبعد من ذلك ، حيث كتب تفسيراً للقرآن الكريم ، حرف فيه ما أراد أن يحرف ، وقال فيه بآرائه الفاسدة ، كما أنه جهز بالدعوة لخلع الأديان ، بدعوى أن أوروبا لم تنهض إلا بعد أن رفضت الدين ، وتخلت عنه
ويتضح من كل ما ذكرنا أن دعوته دعوة إلحادية رغم إدعائه أنه يدافع عن الإسلام والمسلمين ، وأنه يريد أن يجد للمسلم المعاصر طريقاً يوفق فيه بين إسلامه وبين تقبله للحياة العصرية التي قامت على أثر نهضة العلم الطبيعي ... وهو كذلك يدعو إلى التعاون بين المسلمين والغربيين فيما أسماه " إنسانية الأديان " – وهي دعوة تشبه الفكرة المسماة اليوم " بالعالمية " ، وكانت من قبل تعرف بأسم " الماسونية " ، وفيها تنتقي الفوارق بين الأوطان ، والقوميات ، والأديان والمذاهب .
وكان للسيد أحمد خان نفوذ سياسي – تربوي ، فهو صحفي ، ومؤلف ، ومدرس ، وقد أثرت حركته هذه فيما بعد في ظهور فرقة ضالة أخرى هي " القاديانية ".
__________________
بث الدعوات الدينية الهدامة وتشجيعها
ثانياً: القاديانية :
هي دعوة منسوبة إلى " ميرزا غلام أحمد القادياني " ، الذي ولد حوالي سنة 1839 م في مدينة " قاديان " إحدى مدن مقاطعة بنجاب بالهند في بيت من البيوتات التي اشتهرت بخدمة سياسة الإنجليز الاستعمارية وتحقيق مصالحهم ، فوالده كان من أخلص أصدقاء الاحتلال الإنجليزي الذي فرض سيطرته تلك الأيام على شبه القارة الهندية ويقول الميرزا غلام أحمد نفسه :
" لم تبخل عائلتي ولم تضن ، ولن تبخل ولن تضن بدماء أبنائها في خدمة مصالح الحكومة الإنجليزية أبداً " .
ومن ثم كانت حركة الميرزا غلام أحمد . موضع ثقة الحكومة البريطانية ، وقد خدموها في الهند وخارج الهند .
وقد ظهر الميرزا غلام أحمد في سنة 1880 م كأحد الدعاة إلى الإسلام والمناظرين لخصومه من غير المسلمين ، وفي ديسمبر سنة 1888 م نادى في المسلمين ودعاهم إلى مبايعته ، وكان يدعي حينذاك أنه " مجدد العصر " ، " ومأموراً من الله " ، ويظهر للناس مماثلته للمسيح ، وفي سنة 1891 م أعلن أن المسيح قد مات ، وادعى أنه هو المسيح الموعود ، والمهدي المنتظر ، وفي سنة 1900 م بدأ بعض الخواص من اتباعه يلقبونه بالنبي صراحة ، وكان هو يقول إن نبوته نبوة جزئية ، أو نبوة غير كاملة – وذلك حتى لا يثير الناس عليه ، وفي سنة 1901 م أعلن الميرزا بوجه سافر أنه النبي والرسول ، ولم يكن لدعواه تلك صورة واحدة بعينها ، ولكنها اختلفت باختلاف الظروف والأحوال ، فهو يقول في أحيان أنه نبي غير حامل للشريعة ، ثم يمضي هذا المدعي فيقول إن النبوة ختمت به ، وأنه هو المسيح الموعود ، بل وإن الوحي ينزل عليه ، ذلك أن باب الوحي – كما يدعي هذا الضال ( ميرزا احمد ) – لم يغلق إلى الآباد بعد محمد صلى الله عليه وسلم ، وما دام هو نبي والوحي ينزل عليه ، فإن له أمة يبلغها كلام الله – هي الأمة القاديانية – وأن كل من لا يؤمن بما قاله الميرزا أحمد فهو كافر غارق في الكفر – على حد قوله .
وهكذا حاول القاديانيون أن يجعلوا نحلتهم ديناً له نبيه ، ومركزه وأصحابه ، وخلفاؤه ومقدساته ، وتاريخه ، ويقطعون صلة أتباع القاديانية عن تراث الإسلام ومنابعه ، حتى أنهم يطلقون على رجالهم " رضي الله عنهم " وعلى زعيمهم " عليه السلام " وعلى عائلته " أم المؤمنين " ، ويرون عنه الأحاديث بإسناد كإسناد الصحاح ، وقد أضفى هذا المتنبي الميرزا أحمد على بلده " قاديان " مركز القداسة ، وساواها بالمدينة المنورة ، فانظر مثلاً إلى قول أحد أتباعه :
" إن الذي يزور قبة المسيح الموعود البيضاء في القاديان له نصيب من البركات التي تختص بقبة النبي الخضراء في المدينة ، فما أشقى الرجل الذي يحرم نفسه من هذه البركات خلال الحج الأكبر إلى قاديان ”.
وقد تقدم القاديانيون خطوة أخرى وطبقوا على " قاديان " ما نزل من الآيات القرآنية في شأن بلد الله الحرام ،، والمسجد الأقصى المبارك ، يقول الميرزا غلام أحمد في تأويل قوله تعالى : { ومن دخله كان آمناً } أن هذه الآية تنعت المسجد الذي أسسه في قاديان ، ويقول إن المراد بالمسجد الأقصى في قوله تعالى : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله } هو مسجد قاديان .
لقد قاوم علماء الإسلام وقادة الفكر في الهند وغيرها من ديار الإسلام هذه الفتنة القاديانية ، فحاربوها بأقلامهم وعلمهم ، واعتبروها نحلة خارجة عن دائرة الإسلام ، المتنبى في قاديان – وكذلك بارك الإنجليز هذه النحلة ، وشجعوها، بل هم الذين غرسوها ورعوها ، لأنها دعوة تبث بذور الشقاق في صفوف المسلمين ، ولأنها أداة طيعة لتحقيق أغراضهم الاستعمارية ، وبرغم أن المسلمين ظلوا يعلنون بأن القاديانيين مارقين عن الإسلام ، فإن الإنجليز لم يكترثوا لتصريحات المسلمين وأصروا على اعتبار القاديانية طائفة من الطوائف الإسلامية ، وقد أخذ الاستعمار الإنجليزي بيدها وشجعها حتى استفحل أمرها وتبوأت المناصب الرئيسية في الإدارة المدينة وفي الجيش .
وقد سجلت الإدارة البريطانية في الهند نحلة القاديانية كمذهب رسمي في سنة 1900 م ، وقد استغلت النحلة هذا السند البريطاني ، فتمادت في نشر ضلالتها ، وادعاءاتها الباطلة إلى الحد الذي حدثت بينهم وبين عامة المسلمين اشتباكات ومنازعات في جميع المجالات ، ورفعوا أمرها إلى المحاكم ، والتي قضت بأن القاديانيين قوم مرتدون عن الإسلام ، والغريب في الأمر أنه لما قامت دولة باكستان بعد جلاء الإنجليز عن شبه القارة الهندية ، ظلت هذه الدولة تبسط على القاديانيين جناح عطفها وحمايتها ، تقطعهم الأراضي الواسعة ، وتسند إليهم نصيباً وافراً من المناصب الحساسة في دوائرها .. وفي وجه هذا السند اجتمع زعماء المسلمين في مدينة كراتشي عام 1953 م وطالبوا الحكومة بأن تجعل القاديانين أقلية غير مسلمة على غرار الأقليات غبر المسلمة الأخرى ، ولكن الحكومة استمرت في حمايتها لهم ، بل إن وزير خارجيتها ظفر الله خان كان من القاديانين المتحمسين لدعواهم ، فمكن لهم في السفارات والمفوضيات – وقد حاولت الحكومة قمع حركة علماء المسلمين المعارضين للحركة ، فأعلنت الحكم العرفي ، وزجت بقادتهم في السجون ، واستشهد مئات المسلمين المعارضين للحركة برصاص جنود الحكومة ، وكان من ضحايا هذا القمع الأستاذ أبو الأعلى المودودي مؤلف كتاب (( المسألة القاديانية )) الذي حكم عليه بالإعدام أولاً ، ثم استبدل الحكم بالسجن أربعة عشر عاماً مع الأشغال الشاقة ، ولم تكن جريمته إلا أنه عارض القاديانية ، وألف رسالته المذكورة التي وضح فيها أباطيل القاديانية
والدعوة القاديانية لها ومراكز في شتى أقطار الأرض ، ولا سيما في البلدان الأفريقية ، وفي البلاد الأوروبية ، وفي إيران .. وعدد مراكزهم في العالم – حسب تصريحاتهم إحدى وثلاثين مركزاً ، ومن أغرب ما يكون أن لهم مركزاً في إسرائيل – أسسوه في حيفا في ظل الحماية البريطانية ، ومن حيفا يرسلون دعاتهم للبلدان العربية ، وهم الآن ينعمون بحماية إسرائيل لهم ، وتجدر الإشارة إلى أنهم يقيمون في إسرائيل على الجواز البريطاني ، لأن باكستان لا تعترف بالكيان الإسرائيلي في فلسطين ، وموالاتهم لإسرائيل ، ثم للإنجليز دليل قاطع بأنهم غير مسلمين ، ولا بد للحكومات العربية والإسلامية وبخاصة الجامعة العربية ولجنة مقاطعة إسرائيل من التنبه لخطر القاديانيين وخطر نشاطهم الدعوي ، خاصة وأن دعاتهم الضالين عندما يشرعون في بث ضلالاتهم في أوساط المسلمين لا يظهرون إلا في مظهر دعاة الإسلام ، ودعاة البحث والتجديد لإيقاع المسلمين السذج في مصيدتهم .
وتختلف القاديانية مع الإسلام في جملة مسائل ، منها : أن عيسى عليه السلام بعد موته ، هاجر إلى كشمير في الهند لينشر تعاليم الإنجيل في البلاد ، وأنه توفي بعد أن بلغ من العمر 120 عاماً وأن قبره لم يزل موجوداً هناك .
وأيضاً في إدعائه أنه " المهدي " ، فهو " نبي " ... كما أن رأيه في الجهاد مخالف للرأي الإسلامي ، فالجهاد في رأيه وسيلة سلمية للإقناع ، فهو يبطل فرضية الجهاد ويحاول التغريب بين الإسلام والنصرانية لدرجة تكاد تدمج أحدهما في الآخر .
والخلاصة أن القاديانية ثورة على النبوة المحمدية والإسلام ، وهي أيضاً وليدة السياسة الإنجليزية التي تحاول قتل روح المقاومة الإسلامية لمخططاتها الاستعمارية ، وتفريق شمل المسلمين في الهند وغيرها من المستعمرات البريطانية ، ولذا حمى الإنجليز ميرزا غلام أحمد ، ومكنوه من نشر دعوته الرامية إلى تأسيس ديانة جديدة ، وأمة قاديانية بدلاً عن الإسلام وأمته .
ثالثا: الأحمدية :
انشقت القاديانية بعد نشأتها بقليل إلى فرقتين : الأولى القاديانية أو الأحمدية والثانية اللاهورية – أو جماعات لاهور – والفرقة الأولى تعتقد أن الميرزا غلام أحمد نبي مرسل من الله تعالى ، وأنة المسيح الموعود ، وأنة أفضل من كثير الأنبياء ، وأن أصحابه هم صحابة ورجال البعثة الثانية ،والمسلمون يسمونهم " قاديانيين " نسبة إلى مدينة " قاديان " والتي نشأت فيها الحركة وترعرعت ، وهم يسمون أنفسهم " أحمديين " نسبة إلى مؤسس الحركة غلام أحمد المتنبي الكذاب ، وذلك تضليلاً للناس ، وذراً للرماد في العيون .
أما الفرقة الثانية " اللهوريين " فيتزعهما رجلان هما خواجة كمال الدين ، ومولاي محمد علي ، وهم يرون أن الميرزا غلام أحمد مصلح ومجدد، والمسيح الموعود ، ولهذه الفرقة نشاط كبير في الخارج في آسيا وأوربا، وكل من الفرقتين تسمى نفسها بالأحمدية ،والمسلمون لايفرقون بين هاتين الفرقتين ، فكلاهما فرقتان ضالتان خارجتان عن ملة الإسلام .
رابعاً: البابية :
ظهرت الفرقة البابية في عام 1844م في إيران في وقت كانت تعصف الاضطرابات السياسية ، والفوضى الفكرية الدينية ، وفي هذا الجو المضطرب ظهر اسم علي محمد الشيرازي في عام 1844م- وقد عرف فيما بعد – بالميرزا علي – ليعلن أنه " الباب " الموصل إلى صاحب الزمان ،الإمام المنتظر الذي ينتظره الشيعة الإثني عشرية ، وأنة يريد إصلاح ما فسد من أمر الإسلام والقرآن ، ثم ما لبث أن تحول الإدعاء والزعم إلى أنه هو بعينة الإمام المنتظر ، ثم تجاوز هذا الإدعاء إلى الزعم بأنه نبي مرسل ،حيث قال "وأن الله قد أوحى إلي إن كنتم تحبون الله فاتبعوني " وقال : ولقد بعثني الله بمثل ما قد بعث به محمداً رسول الله من قبل " – ولم يقف هذا المدعي عند هذا الحد بل زعم أن الإله حل فيه ،في كتابه " البيان " .
وخلاصة هذه الدعوة المسماة بـ " البابية " أنها ناسخة للشريعة الإسلامية ، وأن الباب هو خاتم النبيين بعد محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنه أنزل عليه كتاب أفضل من القرآن الكريم واسمه " البيان " فيه مضمون دعوته ، والذي لا يصح على الأتباع إلا قراءته دون سواه ، وأن كل من لا يؤمن بكتابة هذا كافر يستحق القتل – كما أن الباب ألغى الصلوات الخمس ، وصلاة الجمعة ، وصلاة الجماعة إلا صلاة الجنازة ، وقال إن القبلة هي البيت الذي ولد فيه بشيراز، وقال إنه أفضل الأنبياء قاطبة .
والبابيون يرون أن الأنبياء ليسوا إلا مصلحين اجتماعين جاءوا لإصلاح شئون البشر ، ويمكن أن يأتي مثلهم كثيرون ، ومن ثم أنكروا أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء ، والغريب هنا أن يدعي " الباب " أنه نبي في حين ينفي عن الأنبياء صفة النبوة . وقد هاجم علماء المسلمين هذه الدعوة الإلحادية ، واعتبروها دعوةً خارجة عن الإسلام ، وقبض حاكم شيراز على " الباب " ، وأمر بتعليقه من ساقيه وضربه حتى أعلن توبته ، ولكنه ما لبث أن عاد إلى كفره ، فقبض عليه وأعدم في عام 1265 هـ .
خامساً: البهائية :
بعد إعدام " الباب " قام بالأمر من بعده أحد أتباعه وهو الميرزا حسين علي المازندراني ، الملقب " بالبهاء " أو بهاء الله – وأخوه المسمى صبح الأزل ، وادعى " البهاء " أنه الموعود الحقيقي ، والمسيح المنتظر ، وأن " الباب " لم يكن إلا داعياً ومبشرا به ، فمثله معه كمثل يوحنا المعمداني مع المسيح عليه السلام ، وبدأً ينشر تعاليمه في طهران ، ولكنه تورط في محاولة لاغتيال شاه إيران للإفراج عنه ، فاستجابت الحكومة الإيرانية فنفته إلى العراق ، حيث تولته مجموعة من اليهود لتخطط له منهجه ، فوجهه اليهود وجهة تتصل بالماسونية حيث الدعوة إلى وحدة الأديان بالخروج على أصولها في دين جديد ، وهي دعوة تستهدف عالمية الدين الإسلامي ، وتعاليمه ، بنسخها في دين عالمي جديد .
وقد تنبهت السلطات العثمانية إلى خطر البهائيين والبابيين فنفتهم إلى الأستانة ، ثم إلى أدرنة ، وأخيراً نفي (( البهاء )) إلى عكا ، ونفي شقيقه (( صبح الأزل )) إلى قبرص ، حيث ادعى كل منهما أنه رسول مستقل ، وليس خليفة للباب ، وأن لكل منهما كتاب خاص به ناسخ للشرائع السابقة ، فللبهاء كتابه المسمى (( الأقدس )) ، ولأخيه كتابه المسمى (( ألواح )) ، ودخل الإخوان في صراع مرير بينهما ، تمكن (( البهاء )) خلاله من إبادة جماعة أخيه ، حيث صفا له المكان ، فادعى النبوة ، ثم ادعى الألوهية ، ولقب نفسه البهاء – أو بهاء الله أي وجه الله الأبهى ، حيث سانده اليهود كما قلنا ، وقد أسقط البهائيون فريضة الجهاد ، وأيدوا الدعوة الصهيونية ، واغتصابها لفلسطين ، وأيدوا الربا بإيعاز من اليهود ، وقد اتضحت صلة هذه الحركة بالاستعمار البريطاني وباليهود عندما منحته الحكومة البريطانية جنسية إنجليزية ، وأنعمت عليه بالوسام الإمبراطوري ، وبلقب (( السير)) وهذه المنح لا تقدم إلا لمن قدم خدمات جليلة للإمبراطورية البريطانية على حساب الإسلام والمسلمين ، وقد اتخذ البهاء بعد ذلك من عكا مقراً له
والدعوة البهائية مخطط كامل لهدم الإسلام ، إذ فيها :
1- تأويل القرآن الكريم على غير مفهومها ومدلولها اللغوي والشرعي.
2- قولهم إن الشريعة الإسلامية لا تصلح لهذا الزمان ، وفي هذا إقرار بالقوانين الوضعية الاستعمارية ، وبفصل الدين عن كافة شئون الحياة .
3- معارضة الجهاد ومقاومته ، وقد ارتفعت صيحتهم هذه ضد مقاومة أهل فلسطين للمخطط الصهيوني الرامي إلى استلاب أراضيهم ، كما أنهم وظفوا هذه الدعوة ضد دعوة السلطان عبد الحميد الثاني للجهاد أثناء الحرب العالمية الأولى .
4- محاربة لغة الكريم – اللغة العربية – ثم ادعاء نبوة جديدة ، ودين جديد ناسخ للإسلام وللأديان جميعاً ، هو دين البهائية .
5- إبطال الشريعة الإسلامية وأحكامها ، وبالذات في شأن المرأة ، فهم دعاة للاختلاط المطلق بين الذكور والإناث ، وإلى مساواة المرأة بالرجل مساواة مطلقة .
6- دعوة السلام العالمي التي تخدم إسرائيل واحتلالها لفلسطين ، والأراضي العربية ، ثم أيضاً دعوى الصهيونية العالمية بالسيطرة على العالم .
7- الترابط بين اليهودية – التلمودية – والبهائية ، ومتابعة اليهود في منهجهم ، والاستمداد من التراث اليهودي .
8- ادعاء البهاء للإلوهية ، ذلك أنه أدعى أولاً خلافة الباب ، ثم أدعى أنه المهدي المنتظر ، وأنه المسيح ، وأن جميع الأنبياء بشرت به , ثم أعلن في نهاية المطاف أنه إله ورب , وأنه " بهاء الله " – و" مظهر الله " , و" ومنظر الله " الذي يتجلى في طلعته جمال الذات الإلهية .
9- دعوى البهائين بعدم انقطاع الوحي والرسالة ، لأن انقطاع الوحي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ليس له سند في منطق الواقع كما يزعمون ، ويقولون أن الرسل شخص واحد ، ورسم واحد ، وذات واحدة ، وحقيقة واحدة.
10- إيمانهم بتناسخ الأرواح ، وينكرون الثواب والعقاب كما قال به الإسلام ، كما ينكرون اليوم الآخر .
والغرض من كل هذه الدعاوى والأفكار الباطلة هي القضاء على الإسلام ، والعمل على فرقة أهله حمايةً للاستعمار الغربي – وفد أفتى علماء المسلمين بكفر البهائين وخروجهم عن الإسلام.**
2- الاستشراق :
الاستشراق – كما يعرفه أهله – هو اشتغال طائفة من الباحثين بدراسة علوم الشرق وحضارته ، وأديانه ، ولغاته وثقافته ، وأسهم تياره في صناعة التصورات الغربية عن العالم الإسلامي والعربي ، وعبر عن خلفية الصراع الحضاري – القديم والحديث – بين الغرب والشرق ، بالمستشرقين عندما درسوا الإسلام ، مبادئه ، وحضاراته وتاريخه تحت ستار ما يسمى بالبحث العلمي مثلاً ، لم يلتزم معظمهم بموضوعية البحث العلمي ، فلم يحرصوا على إظهار الحقيقة بل عمدوا إلى تشويهها بباعث من التعصب البغيض، والحقد على الإسلام وأهله ،والرغبة في طمس معالمه ، وهذا التعصب – كما يراه الكثيرون – راجع في جذوره إلى الحروب الصليبية ونزعتها العدائية للإسلام ، ومن ثم يمكن وصف الاستشراق بأنه أسلوب جديد وغريب للسيطرة على الشرق ، وإلى الهيمنة الفكرية ، والسيطرة على مقدرات المنطقة سياسياً واقتصادياً .
تبانيت وجهات نظر المفكرين في ظاهرة الاستشراق – أسبابها ودوافعها – وتعددت الآراء في تحديد فتراتها التاريخية ، بيد أن معظم المهتمين بالأمر أعادوا منطلقاتها الرئيسية إلى نزعة التعصب الديني ، وسمة الاستعلاء السياسي عند الغرب ، وأرجعها بعضهم إلى دوافع شخصية ، حين ازدهرت العلوم الإسلامية في القرن الثاني عشر الميلادي / السادس الهجري ، وانتشرت المراكز العلمية في العالم الإسلامي ، وإلى حوافز ثقافية ممن أغوتهم فكرة الاطلاع على ثقافة الغير ، والتعرف على حياتهم الاجتماعية ، والدينية والحضارية – لكن هؤلاء المستشرقين لم يكونوا على درجة واحدة من الإخلاص للعلم والمعرفة في أبحاثهم المتنوعة ، فهناك طائفة منهم أخلصت ، وكانت موضوعية في أبحاثها ، واستطاعت – على قلة عددها – أن تنصف الإسلام وتاريخه ، وحضارته من الافتراءات والمغالطات المردودة ، ولعل من أهم أولئك المستشرق ليوبولد فايس – الذي أسلم وتسمى باسم محمد أسد ، والمستشرق المبشر والذي أسلم أيضاً إبراهيم خليل أحمد – وهناك آخرون .
أما الطائفة الثانية من المستشرقين – وهي الأكثرية – فقد تعمدت الدس والتشويش ، وتقصت سلبيات المجتمعات الإسلامية ، فضخمتها محاولةً أن تجعل من التفاصيل قضايا عامة ، ملحقةً أخطاء بعض المسلمين بالدين نفسه ، بغية إضعاف مواطن القوة ، واغتنام أماكن الضعف ، ولم يترك هؤلاء منفذاً يؤمن هدفهم ، ومصلحة دولهم السياسية إلا استفادوا منه ، سواء عن طريق التأليف والنشر ، أو عن طريق الجمعيات العلمية ، والمدارس ، والجامعات ، وإقامة المؤتمرات والندوات – وهم في كل ذلك لا يريدون سوى : إيجاد دراسات تاريخية ودينية تشوه الإسلام .
إن معظم المعطيات التي بين أيدينا – من كتابات المستشرقين الأدبية ، والتاريخية ، والسياسية والدينية ، تدين حركة الاستشراق وأهدافها المشبوهة ، وتربطها بعجلة السياسة الغربية التي لم تتردد يوماً عن استخدام كل الوسائل والسبل للوصول إلى غايتها الاستعمارية ، ويمكن تلخيص أهداف حركة الاستشراق في أمرين :
الأول : التبعية للغرب ، والاستسلام لقيمه المادية الحديثة .
الثاني : بث روح التخاذل الديني بين المسلمين ، بالتشكيك في دينهم ، وتاريخهم وإرثهم الحضاري ، وذلك بالتركيز علة النواقض والسلبيات في هذه الجوانب ، وبتأويل النصوص الدينية ، وشرحها شروحا ً منافية للتعاليم الإسلامية ، مما يقوي فكرة الشكل ، ويضعف الرابطة الدينية ، ويؤدي إلى (( تغريب )) العقلية الإسلامية .
إن نظرةً سريعة إلى أعمال معظم المستشرقين تكشف بوضوح مدى محاولتهم تشويه التراث الإسلامي ، والدس على الإسلام بمختلف الأساليب ، ونشر الأباطيل حوله ، مثل القول ببشرية القرآن ، والادعاء بأنه من صنع محمد صلى الله عليه وسلم ، ودعواهم بأن الإسلام اقتباس من الأديان السابقة ، اليهودية والنصرانية ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تأثر بتعاليم تلك الأديان ، وحرف في نصوصها ، وجعل القرآن – على حد قولهم – مضربة ، كما أنهم صوروا القرآن على أنه دين العنف والدماء للانتقاص من مكانة الجهاد ، وشككوا في قدرة الإسلام واللغة العربية في مسايرة التطور ، وقالوا إن الفقه الإسلامي مأخوذ من القانون الروماني ، وأثاروا ما يسمى بقضية تحرير المرأة – وموقف الإسلام منها ، وغير ذلك من الإدعاءات والأباطيل .
كما أن الاستشراق نال من المناهج التعليمية ، والثقافية ، والفكر في العالم الإسلامي خاصة على يد تلاميذ المستشرقين ، والغرض من ذلك خلق جيل لا يعرف دينه جيداً ، ولا يعرف حضارته إلا بصورة شائنة بسبب تلك المناهج التعليمية ، وبسبب ما بثه المستشرقون من أباطيل حول ثقافة الإسلام وفكره ، وكل هذه العوامل تضعف من فكر الأمة ، ومن ثقتها بنفسها وبعقيدتها ، فيسهل على المستعمر استعبادها .
وكما يلاحظ أن الاستشراق أصبح بعد الحروب الصليبية ذا صبغة سياسية ودينية ، وأن بعض رجاله اهتموا بدراسة بلاد الشرق وعلومه ، تحت دوافع سياسية مشوهة ، حيث ظهر أن معظم كتابات المستشرقين في الدول المستعمرة ذات أهداف مشبوهة وأحكام مسبقة ، لم تلتزم بالأمانة العلمية ، ولكن هناك بعض الأعمال الجليلة التي قام بها بعضهم ، فقد بلغ ما ألفوه في قرن ونصف القرن منذ أوائل التاسع عشر الميلادي حتى منتصف العشرين ستين ألف كتاب فيه الغث وفيه الثمين ، وفيه المتحامل ، وفيه الموضعي ، وقد لاحظ بعض الدارسين لحركة الاستشراق أن الألمان من أكثر المستشرقين دقة في التأليف ، وموضعية في استقصاء الحقائق التاريخية ، وربما يعود ذلك إلى ان ألمانيا كانت أقل الدول الأوروبية استعمارية ، وقد تجلى هذا الإخلاص في البحث والمعرفة من خلال الأعمال التي قام بها (( جوهان جاكوب رايسكه )) سنة1716 – 1774 هـ مؤسس الدراسات العربية في ألمانيا والذي تفانى في دراسة وخدمة اللغة العربية وآدابها ، وهناك آخرون أمثاله ,
ولعل الدور المطلوب حالياً من رجال الاستشراق ، بعد أن أصبحت عملية التعارف بين الشرق والغرب ممكنة وسهلة ، هو أن يقوموا على دراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية ، والأخذ بمنجزات العصر الحديث ومكتشفاته ، والانفتاح بإخلاص وموضوعية على منجزات الشرق الإسلامي وحضارته الإسلامية العريقة .
- حركة التنصير والبعثات التنصيرية :2
التنصير هو عملية التحول إلى النصرانية سواء من الإسلام أو غيره من الديانات السماوية كاليهودية ، أو التقليدية كالوثنية وغيرها ، وللتنصير وسائله المتعددة من مدارس ، ومعاهد ، وجامعات ، ومستشفيات ، وملاجئ ، وصحافة ، وأفلام ، وإذاعة ، ودور نشر، وندوات ومؤتمرات ، وغيرهما من الأساليب والتكتيكات المدروسة والمجربة .
ودوافع حركة التنصير نابعة من العداء الذي يشعر به الغرب والكنيسة النصرانية للإسلام , ومن خوفهما منه , بسبب الاعتقاد الراسخ بأن الدين الإسلامي هو العقبة الحقيقية القائمة في طريق تقدم حركة التنصير في العالم , وفي سبيل سيطرة أوروبا على الشرق الإسلامي , فالعداوة بين الإسلام وبين الغرب مزيج من عدة دعاوي دينية وسياسية , ففي جانب الدعاوى الدينية يقول أحد دعامات حركة التنصير المدعو " زويمر " – " إن الهدف من التبشير هو تحويل المسلمين عن التمسك بدينهم " – ويقول غلادستون أحد رؤساء وزراء بريطانيا السابقين " ما دام هذا القرآن موجوداً فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق , ولا أن تكون هي نفسها في أمان " – ويقول متنصر آخر : " إن الدين الإسلامي هو العقبة القائمة في طريق تقدم التبشير بالنصرانية في أفريقيا " .
أما من جانب الدعاوى السياسية , فإن المتنصرين في نظر الاستعمار هم عيونه الذين يقومون بتمهيد السبيل له باستعمار الأمم الإسلامية , فيمدونه بما يحتاجه من معلومات عن المسلمين وعقائدهم , وآدابهم , وثقافاتهم , ويعملون على إظهار المستعمرين في غير مظهرهم الحقيقي حتى لا يتحد المسلمون في مقاومتهم له .
فالتنصير إذاً يهدف إلى تغريب أبناء الشرق المسلم , وإبعادهم عن دينهم وقيمهم وربطهم بأوروبا , وإلى تقطيع أواصر القربى بين الشعوب الإسلامية .
والذي لاشك فيه أن حركة التنصير خطر داهم على الإسلام والمسلمين لأنه تتستر وراءه مظاهر براقة خداعة , من ذلك وسائله والتي تبدو وكأنها أعمال خير , وهي ليست كذلك , فالغاية منها ليست خيراً , وإنما الوصول بالنصرانية إلى الشعوب الأخرى – المسلمة وغيرها – وإنشاء المستشفيات والمصحات والملاجئ , والأندية , والجمعيات الاجتماعية , والأندية , والمخيمات والإعلام وغيرها من الوسائل , بغرض نشر دينهم النصراني .
ومن أهم وسائل التنصير :
أ- إدخال المسلمين إلى الديانة النصرانية .
ب- فتح المؤسسات التعليمية , من رياض للأطفال , ومدارس , ومعاهد , وكليات , وجامعات في أنحاء العالم الإسلامي .
ج- تحطيم الحواجز بين المسلمين والكفار تحت ستار المساعدات الإنسانية الطبية والغذائية , وبخاصة في إندونيسيا , وبنغلاديش , وبعض البلدان الأفريقية.
د- التركيز على إفساد المرأة المسلمة , ومحاربة اللباس الشرعي ( الحجاب ) .
هـ- مراقبة العالم الإسلامي , والتجسس عليه , ورصد الحركات الإسلامية , والثابت الآن أنه لكثير من المؤسسات التنصيرية صلات مباشرة بدوائر الاستخبارات في بلادها .
و- السيطرة على العالم الإسلامي عن طريق التغيير التعليمي , والعمل الاجتماعي , بإحداث المؤسسات , وتقديم الخدمات المختلفة تحت ستار الإنسانية , وكذلك عن طريق المشروعات الاقتصادية والعمرانية .
وكنموذج لاستهداف المتنصرين للعالم الإسلامي نورد مثالاً وحداً هو استهدافهم لإندونيسيا المسلمة , ومنه سندرك حجم التآمر الذي تتعرض له بلدان المسلمين , وما يستوجبه ذلك على الأمة الإسلامية من يقظة وحذر , فالغارة التنصيرية على هذا البلد نشطة على الحد البعيد , وفي سباق مع الزمن لتحقيق أهدافها , لقد وضعوا خطة عملهم ضد إندونيسيا في مؤتمرهم الذي عقدوه في مدينة ( مالانج ) الإندونيسية في عام 1967م , حيث قرروا أنه يجب الانتهاء من تنصير جزيرة " جاوا " والتي بها حوالي 65 مليون نسمة خلال ستين عاماً , بكل السبل والوسائل , ولو عنى ذلك شراء المسلمين بالمال في ذلك البلد الفقير – ولدينا إحصائية توضح مدى الخطر الذي يهدد المسلمين في إندونيسيا , وهي :
( إحصائية لعام 1990م لمجلس كنائس إندونيسيا لطائفة البروتستانت ) والتي توضح أنه يوجد في إندونيسيا :
- 15819 كنيسة بروتستانتية .
- 6997 قسيس بروتستانتي .
- 20203 متنصر ( مبشر ) متفرغ .
إحصائية لعام 1990م للكنيسة الكاثوليكية في إندونيسيا والتي توضح :
- 10520 كنيسة كاثوليكية في إندونيسيا .
- 8730 قسيس كاثوليكي .
- 10116 متنصر ( مبشر ) متفرغ .
ليس هذا فحسب بل إن مؤسسات التنصير تملك عدداً كبيراً من السفن , والطائرات العمودية لمساعدة المتنصرين على الانتقال بين المدن والقرى , والثلاثة آلاف جزيرة التي تتكون منها إندونيسيا – كما أن المتنصرون يمتلكون عدداً كبيراً من دور النشر , والمطابع الحديثة التي تقوم بطباعة كتب الأطفال , والقصص المصورة , وطباعة الإنجيل وتوزيعه مجاناً , هذا بالإضافة إلى المكتبات العامة , وشبكة اتصالات لاسلكية حديثة لتنسيق أعمال الإرساليات ولهم وسائل إعلامهم من صحف , وإذاعات محلية في شتى أنحاء البلاد , ولهم عشرات المعاهد , والجامعات , والمستشفيات الكبرى والمتنقلة , وتكفي الإشارة أن مؤسسة تنصيرية واحدة تقوم على 180 مستشفى , 129 مستوصف للولادة , 345 صيدلية , و45 عيادة متنقلة .
كما أن مجلس الكنائس العالمي والفاتيكان يسهمون بطريقة مباشرة في أعمال التنمية في إندونيسيا تحت شعار ( من الكنيسة إلى المجتمع ), حيث أنشأوا " هيئة مجلس الكنائس " للمساهمة في أعمال التنمية كمدخل جديد للوصول إلى قطاعات من السكان لا يستطيعون الوصول إليها بالطرق التقليدية , وهناك العديد من المنظمات الأمريكية غير الحكومية العاملة في مجال التنصير والتي تحصل على دعم من بعض وكالات الأمم المتحدة , مثل منظمة الصحة العالمية , who , ومنظمة الأغذية العالمية fao , ومنظمة اليونسكو , واليونسيف إلخ , علماً بأن الدول العربية والإسلامية تسهم في ميزانيات منظمات الأمم المتحدة تلك , ومن تلك المنظمات المستفيدة من دعم الأمم المتحدة هي :
أ- مجلس الإرساليات الطبية الكاثوليكية والذي يعمل من خلال الطب والصحة والعامة .
ب- خدمات الإغاثة الكاثوليكية .
ج- صندوق الأطفال المسيحي .
د- جمعية الرحمة الدولية , وتعمل في مجال رعاية الأيتام , والأطفال اللقطاء إلخ .
هـ- المنظمة الكاثوليكية .
وهذه مجرد أمثلة لبعض المنظمات التنصيرية المدعومة دولياً والتي تعمل في جد ومثابرة في إندونيسيا .
وإلى جانب هذه المنظمات فإن هناك العديد من المدارس , والمعاهد والمستشفيات , وملاجئ الأيتام , ودور العجزة ومراكز الشباب التي تتبناها وترعاها منظمات ومؤسسات تنصيرية في هولندا – الدولة التي كانت تستعمر إندونيسيا .
ويبقى الفقر منفذاً أساسياً يتسلل منه المتنصرون إلى صفوف المسلمين , ولابد للحكومات والمنظمات الإسلامية من سد هذه الثغرة , والتنبيه لخطر حركة التنصير , والوقوف – بطرق علمية مدروسة – أمام مخططاتها الشريرة .. فهي تعمل عبر وسائل ماكرة خادعة .
4- الميراث الاستعماري:
اهتم الاستعمار بتشجيع النزعات القومية والعنصرية برغم أن الإسلام دين لكل البشر , والناس كلهم سواسية في الإسلام , وأمته أمة واحدة , دينها واحد , ورابطها واحد , وليس في الإسلام عصبية , أو قبلية , أو قومية , فقد حاربها الإسلام جميعاً حينما جعل المسلم أخا المسلم , فقال سبحانه وتعالى في سورة الحجرات :} إنما المؤمنون أخوة { .. ولما كان الاستعمار يدرك هذه الحقيقة , ويعلم أهميتها بالنسبة للمسلمين , فقد عمل على إزالتها من نفوسهم , فمثلاً أراد أن يبعث في مصر فكرة " الفرعونية " التي تقوم على إحياء التراث العمراني – تراث ما قبل الإسلام – والاعتزاز به , كما بعث " الفارسية " في إيران , وسوغ لها وللحضارات الفارسية القديمة السابقة لحضارة الإسلام , الاعتزاز بتاريخ الفرس القديم , وكذلك أثار الاستعمار دعوى " الفينيقية " في بلاد الشام لنفس الأسباب والأهداف ثم " الآشورية " في العراق , و " البربرية " في المغرب , ولكن أهل المغرب قاوموها , والغرض من كل هذه الدعوات الإقليمية الضيقة هو سلخ أجزاء العالم الإسلامي بعضها عن بعض تمهيداً لاستعمارها والسيطرة عليها .
ولما لم تنتصر هذه الدعوات الضيقة لجأ الاستعمار إلى نشر أفكار جديدة , مثل فكرة العروبة التي أراد لها أن تكون رابطة قومية للعرب مناقضة للإسلام , ثم أشعل النار بين القوميتين – العربية والتركية – وحاول التفريق بينهما , بعد أن كان الإسلام يجمع بين الأمتين على مدى العصور الإسلامية المختلفة .
وفي ظل القومية العربية انسلخ القوميون عن جسم العالم الإسلامي , ونظروا إلى قضاياه بما ينسجم ونظرتهم القومية , لا كما يمليه عليهم إسلامهم , فمثلاً سميت قضية فلسطين بالقضية العربية كأن لا علاقة للدول الإسلامية غير العربية بها , وهي في الواقع قضية إسلامية .
والغرض من إثارة كل هذه الأفكار العنصرية الضيقة سواء كانت قومية , أو وطنية , أو اشتراكية , وغيرها – هو اعتبار الدين عنصراً لا أهمية له ,
ولعل من أوضح الأمثلة على تشجيع الاستعمار للنعرات العنصرية مشكلة جنوب السودان , ومشكلة الأكراد في العراق , وتركيا وسوريا وهو ما سنتناوله بشيء من التوضيح فيما يلي :
أ- مشكلة جنوب السودان :
هي مشكلة ورثها السودان من الاستعمار البريطاني , وهي من صنع ذلك الاستعمار , الذي سعى بكل السبل إلى تعمق الفوارق العرقية , والدينية والثقافية بين شمال السودان وجنوبه بهدف فصل الجنوب عن الشمال – فعزل الجنوب إدارياً , وثقافياً ودينياً عن الشمال , وأدخل في روح الجنوبيين أنهم مستعمرون من سكان الشمال المسلمين , وأن العرب في الشمال يستغلونهم ويغمطونهم حقوقهم السياسية والاقتصادية , وأن أهل الجنوب عرقياً مختلفين عن أهل الشمال , ومن أجل تعميق هذه الأفكار وغيرها أطلق للإرساليات التنصيرية يدها في الجنوب , فمنحها كل ما تحتاجه من عون وسند , وبالمقابل حارب الإسلام هناك , ومنع انتشاره بكافة السبل , وسن القوانين لمنع اختلاط أهل الشمال بأهل الجنوب خوفاً من أن ينتشر الإسلام بينهم , وقد أدت سياسة العزل السياسي والحضاري هذه إلى المواجهة بين الشمال والجنوب , وليست الحرب الدائرة في جنوب السودان الآن – والتي تستنزف موارد البلاد كلها – حرباً بين الإسلام والنصرانية كما تصورها أجهزة الغرب الإعلامية الاستعمارية , وإنما هي نتيجة لتفاعلات الخلافات الحضارية , والثقافية والسياسية التي زرعها الاستعمار البريطاني , والمؤسسات الكنسية في أرض الجنوب , وهي أيضاً نتيجة الأباطيل التي ملأ بها الاستعمار عقول بعض الجنوبيين ممن تخرجوا في مدارس الجنوب ,
ب- المشكلة الكردية :
وهي أيضاً من صنع الاستعمار يوم أن خطط الحدود السياسية التي تفصل بين أمة تركية وأمة عربية , وأمة إيرانية – ثم فرق الأكراد ,وألحق كل مجموعة منهم بوطن من أوطان هذه الأمة الإسلامية , فمزق هويتهم , وعمق إحساسهم بالضياع والتشتت , فمواطنهم متعددة وواقعة في أرض وعرة التضاريس , بعضها في شمال العراق , وبعضها الآخر في شرق , أو جنوب شرق تركيا , وبعضها الثالث في غرب إيران , ومن ثم تولد للأكراد شعور بأنهم حبيسوا هذا الوطن المحدد تحيط بهم الأمة العربية والأمة الإيرانية , والأمة التركية من كل جانب , وأنهم سلالياً مختلفين عن هذه الأمم –
ج- المشكلات الحدودية :
وهذه من أقسى المشكلات التي ورثتها الاستعمار للحكومات الوطنية التي خلفته في حكم كثير من بلدان العالم الإسلامي , فقد قسم الاستعمار البلاد الإسلامية التي سيطر عليها إلى مناطق نفوذ , بريطانية , وفرنسية , وإيطالية إلخ , ثم قسم مناطق النفوذ تلك إلى مناطق وحدات متعددة وقد بدى ذلك واضحاً في سياسة الاستعمار الفرنسي في سوريا , حيث قسمها إلى أربع وحدات , ثم إلى وحدتين هما : سوريا ولبنان , وسياسة الاستعمار في كل ذلك هي ترسيم حدود جغرافية مصطنعة دون مراعاة لخطورة تمزيق العناصر البشرية الواحدة , وهد الاستعمار دائماً هو تمزيق العالم الإسلامي جغرافياً وسكانياً , وخلق بؤر صراع بين كل دولة وجارتها وبخاصة في المناطق ذات الثراء الاقتصادي , فمثلاً عمد إلى خلق ما يعرف بالمناطق المحايدة بين بعض الدول الخليجية وغيرها , الأمر الذي أثار صراعات حدودية بين تلك الدول ,فهناك الآن صراع بين المغرب والجزائر على بقعة من الأرض ذات ثراء معدني , ثم كانت قضية الصحراء المغربية , ثم اقتطع الاستعمار لواء الإسكندرونة السوري وألحقه بتركيا , وهناك قضية شط العرب والحدود بين إيران والعراق , وقضية كشمير بين الهند وباكستان , وبين بعض دول الخليج , بعضها مع بعض , والتي وصل بعضها إلى محكمة العدل الدولية بلاهاي .
|