المحاضره التاسعه
الطهارة المهنية :
الطهارة لغة : مصدر يدلّ على النقاء والنظافة وزوال الدنس والتنزه.
والطّهارة في الاصطلاح : لا تخرج عن المعنى اللغوي.
وهي على ضربين: طهارة حسية, وطهارة معنوية.
الطهارة الحسية : وتتحقق برفع الحدث أو إزالة النجس أو ما في معناهما وعلى صورتهما.
الطهارة المعنوية : وتتحقق بترك الذّنب وتنقية النّفس من العيوب.
ويدخل تحت هذا الضرب الأخير أيضاً الطهارة المهنية. أي؛ تطهيرها وتنزيهها عن النقائص. ويتحقق ذلك من خلال المحافظة على أمرين:
1 - السمعة الطيبة : وذلك من خلال التنزه والتطهر للمهنة من قبل من يقدمها.
2 - جودة الأداء : وذلك من خلال تنزيه المهنة نفسها عن العيوب والنواقص.
شروط الطهارة المهنية:
يشترط في المهنة لتتصف بالطهارة أن تتوافر فيها ما يأتي :
1- أن يكون كل من العامل ورب العمل صاحب صفحة بيضاء في سجل المهنة, ويحرص على استمرارها كذلك (شهادة حسن سلوك). فلو عرف عن قاض قبوله للهدية تلوثت صفحته المهنية, ولو عرف عن طبيب تتبعه لعورات النساء تلوثت صفحته المهنية ... وهكذا الموظف الذي يرتشي, والتاجر الغشاش.
2- أن يلتزم كل من طرفي المهنة العامل ورب العمل بالقواعد المنظمة لممارستها, فرب العمل يحصل على ترخيص مزاولة المهنة قبل ممارستها, ولا يتعاقد مع غير المستوفين لشروط التعيين (من مثل السن القانونية والمؤهل الدراسي وغيرها) وإلا تلوثت صفحته المهنية. والعامل يكون حاصلاً على المؤهل الدراسي في المهن التي تشترطه كالطب والصيدلة مثلاً.
3- أن يكون لدى العامل خبرة كافية في الأعمال التي يستلزم ممارستها تلك الخبرة كالعمليات الجراحية مثلاً فلا يقوم بها إلا ممارس وكالمناقصات أو المزايدات الكبيرة فلا يقوم بها عامل مبتدئ, وكإنتاج المصنوعات التي تحتاج إلى تقنية عالية فلا يشرف عليها إلا خبير.
4- أن يشتهر عن صاحب المهنة (سواء أكان عاملاً أو رب عمل) الحرص على الإتقان وعدم إجازة المنتج إلا في درجة عالية من الجودة.
فإذا افتقد أي شرط من هذه الشروط كان ذلك مسَّاً بخلق الطهارة المهنية.
أدلة الطهارة المهنية :
يدل لخلق الطهارة المهنية آيات عديدة من كتاب الله وأحاديث كثيرة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, منها :
1- قول الله تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ {النمل:88} والإتقان والجودة معنى من معاني الطهارة المهنية. ومنها قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ * وَإِذَاتَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَوَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ ﴾, ومنها: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾
مظاهر الطهارة المهنية عند الفقهاء :
تكلم الفقهاء عن الطهارة المهنية التي تعني السمعة الطيبة, والسيرة الحميدة, وجودة الأداء والإتقان. ولنأخذ أمثلة من باب القضاء على سبيل التمثيل والبيان وليس الحصر:
- قال الفقهاء ببطلان تولية الفاسق القضاء مع وجود العادل للحفاظ على سمعة القضاء وسمعة القاضي, ولتحقيق جودة الأداء في الحكم, ولا يخفى أنهما من خصال الطهارة المهنية.
- وقال الفقهاء يحرم تولية الجاهل القضاء مع وجود العالم للحفاظ على جودة الأداء وهي من خصال الطهارة المهنية.
- ومثلهما ما ذهبوا إليه من كراهة تولية المفضول القضاء مع وجود الفاضل (أو الأفضل) للحفاظ على جودة الأداء أيضاً.
ومثل هذه المسائل نجدها أيضاً في باب الإمامة في الصلاة, وفي الولاية في النكاح, وفي الولاية على المال للقصر (من مجانين وسفهاء ويتامى ), وفي ناظر الوقف, وفي ولاية الحسبة وغيرها.