2011- 11- 29
|
#475
|
|
أكـاديـمـي مـشـارك
|
إنّ شانئك هو الأبتر
قراءه جميلة ومؤثره لـ الكاتب عدي الحربش في أبناء الرسول علية الصلاة والسلام
ليس هناك من مصيبةٍ تساوي فقدان الولد. تحملُ المرأة حين تحمل،
ثمّ قد يصيبها عارضٌ فتُسقط الجنين، فتحزنُ حزناً شديداً،
لا تستيطعُ أن تنفكّ عنه إلا بعد تصرّمِ فترةٍ طويلة، و قد لا تنفكّ عنه أبداً،
كل هذا و هي لم تره، فما بالكَ إذا كان موتهُ بعد ولادته! قرأتُ في مكانٍ ما أنّ أشد الفقد هو ذاك الذي يحدثُ بين السنة الأولى و الثانية، حينما ترى طفلك يمشي و يتعثر، و لكنهُ لم يلهج بعدُ إلا بكلمتين أو ثلاثة. فرحتكَ تموتُ و هي بعدُ حديثة ولادة. تراهُ بعجزهِ و برائته و اعتماده الكامل عليك، يتألم و يموت دون أن يتمكن من الكلام أو الاستنجاد بصوت. هذا الموقف العصيب ألمّ برسولنا الكريم بتكررٍ مؤلم تعجزُ الجبالُ عن احتماله.
اختلف الرواة في وقت وفاة ابن رسول الله البكر، القاسم،
فقال بعضهم أنه توفي بعد سبعة ليالٍ، و قال آخرون أنه مات بعد أن بلغ المشي دون أن تكتمل رضاعته. عندما رجع الرسول صلى الله عليه و سلم من جنازته و جد خديجة تبكي وحدها:
"يا رسول الله، درّت لُبينة القاسم، فلو كان عاش حتى يستكمل رضاعه لهوّن علي." أيّ حزنٍ هذا و أيّ ألم! أن ترى الأم حليبها يقطرُ في موعدِ رضاعة الطفل، دون وجود ذاك الطفل، أن ترى الحليب يتفصد و هي تعلم أن شاربهُ تحت التراب. عندما طمأنها الرسول: "إنّ له مرضعا تستكمل رضاعته في الجنة." قالتْ خديجة: "لو أعلم ذلك لهوّن علي." ها هنا، لم يعنّف الرسول صلى الله عليه وسلم زوجه الثكلى على هذه العبارة التي قد تُقرأ كنقصٍ في اليقين، بل عرض عليها أن يريها رؤيا العين ما يتوجب أن تؤمن بهِ غيباً: "إن شئتِ أسمعتكِ صوتهُ في الجنة." فقالت رضي الله عنها و جمعها بأولادها في الجنة: "بل أصدق الله و رسوله."
ابن الرسول الثاني، عبدالله، وُلد بعد البعثة، و كان الرسول صلى الله عليه و يسلم يلقبه بالطيّب و الطاهر، لشدةِ حبه له. توفي عبد الله في سنٍ مقاربةٍ لسن القاسم، و عندما رجع الرسول صلى الله عليه و سلم من جنازته بصرَ به كفار قريش، فأخذوا يعيرونه بانقطاع نسله، و على رأسهم العاص بن وائل و ابنه عمرو، لينزل الله: (إنّا أعطيناك الكوثر* فصلِ لربك و انحر* إنّ شانئك هو الأبتر)، ها هنا، لا بدّ أن رسول الله أدرك أن هناك حكمة ربانية من انقطاع نسله من الأولاد. عندما مات القاسم، كان الرسول هو من عزى خديجة على فقدها. عندما مات عبد الله، كان اللهُ هو من عزى رسوله الكريم بإنزال هاته الآيات الثلاث.
عندما قارب الرسول الستين من العمر، و فقد أولاده جميعا عدا فاطمة، أنجبت مارية القبطية ولده الثالث إبراهيم. يُقال أن جبريلا عليه السلام أتى الرسول قائلاً: السلام عليك يا أبا إبراهيم. إذن، ربما أن نسل الرسول لم ينقطع بعد كل ما سبق، و ربما سيكون إبراهيم امتداداً لذريته في الأرض! أن يأتيك ولدٌ و أنت في الستين من عمرك، ليس هناك عمرٌ أكثر رحمة بالأولاد و أشد افتتانا و حبا لهم من الستين. يقول أنس: "ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله، كان إبراهيم مسترضعا في عوالي المدينة، و كان ينطلق و نحن معه، فيدخل إلى البيت و إنه ليدخن، و كان ظئره فينا، فيأخذه فيقبله ثم يرجع."
ثم تهبط الفاجعة، و يتكرر الأمر السابق، فيمرض إبراهيم و يموت و هو لم يتجاوز الثانية من العمر. يحزنُ الرسول حزنا شديدا، و يأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فيقصد به النخل، فإذا ابنه إبراهيم في حجر أمه يجود بنفسه، يأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم و يضعه في حجره، ثم يقول: "يا إبراهيم، إنا لا نغني عنك من الله شيئاً" ثم تذرف عيناه، و يقول: "يا إبراهيم، لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وأن آخرنا سيلحق أولنا، لحزنا عليك حزناً هو أشد من هذا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب."
و في روايةٍ لأنس: لما مات إبراهيم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : "لا تدرجوه في أكفانه حتى أنظر إليه" فجاء فانكبّ عليه، وبكى حتى اضطرب لحياه وجنباه.
غسّل الفضل بن العباس جسد إبراهيم، و نزل فيه القبر بمساعدة أسامة بن زيد، أما الأب، رسول الله الكريم، فلقد كان جالساً على شفير القبر، يمد يده بين الفينة و الأخرى ليتلمس جسد طفله الميت، و عندما فرغا رشّ القبر بالماء.
في يوم وفاة إبراهيم، وافق أن كسفت الشمس، و تهامس الناس بطبيعتهم الشاعرية: "إنّ الشمس كسفت لموت إبراهيم." إلاّ أن الأب المفجوع لم ينسَ أبداً دوره كمبلغٍ للرسالة و معلّم، ينهض فيخطبُ في الناس: "إنّ الشمس و القمر آيتان من آيات الله عز و جل، لا ينكسفان لموتٍ أحدٍ و لا لحياته."
في يومِ وفاة إبراهيم، بكى الرسول، و بكى المسلمون حوله، حتى ارتفع الصوت، ليقول الرسول صلى الله عليه و سلم تلك الكلمات الحزينة الجميلة: "تدمع العين، و يحزن القلب، و لا نقول ما يغضب ربنا، و إنا عليك يا إبراهيم لمحزونون."
|
|
|
|
|
|