|
رد: الاشياء المهمه بـ( قضايا الثقافية المعاصرة)
م..... 7
يزداد الاهتمام العالمي يوما بعد يوم على مستوى الدول والشعوب بموضوع العولمة ومظاهرها المختلفة ،
- ويكاد هذا الموضوع أن يستحوذ على مساحة كبيرة من الرأي والفكر والحوار والنقاش في وسائل الإعلام والمؤتمرات والندوات الدولية والإقليمية ،
-وهذا يعني أن العولمة من القضايا الساخنة والمثيرة التي تشغل بال كثير من العلماء والمفكرين في الوقت الحاضر، وتجعلهم يتطلعون إلى الإسهام في توضيح حقيقتها وتجلية غموضها وكشف خباياها والإجابة عن ما يثار حولها من تساؤلات واستفهامات ، والتعرف على آثارها المستقبلية.
وإذا كانت العولمة قد برزت في مظهريها
•أ- في اللغة: كلمة عولمة مصدر قياسي على وزن فوعلة مشتق من الفعل الرباعي عولم من العالم، مثل حوقل حوقلة، وهي كلمة تدل على التغير والتحول من حال إلى حال .
•ب - في الاصطلاح: العولمة مصطلح جديد، له عدة مرادفات، هي الكوكبة والكونية الشاملة والحداثة .
• هذا المصطلح لم يكن له وجود قبل منتصف عقد الثمانينات الميلادية من القرن الماضي؛ إذ أنه قبل هذا التاريخ لم يكن له حضور خاص؛
•بل إن قاموس (إكسفورد) للكلمات الإنجليزية الجديدة أشار إليه لأول مرة عام 1991م واصفا إياه بأنه من الكلمات الجديدة التي برزت خلال التسعينات
ومع هذا التداول المتزايد لا بد من الاعتراف بأن العولمة من حيث الواقع تمثل ظاهرة سياسية واقتصادية وثقافية ؛ بل واجتماعية غير محددة المعالم ، وغير مجمع على صورتها ، ولا مجمع على هيمنتها ؛
- ولكن يراد لها أن تكون سمة هذا العصر ، ومصير الشعوب ، وهو ما يمكن استقراؤه من خلال إمعان النظر في تعريفات العولمة الآتية : ـ
1. هي : اتجاه الحركة الحضارية نحو سيادة نظام واحد ، تقوده في الغالب قوة واحدة .
2. هي : استقطاب النشاط السياسي والاقتصادي في العالم حول إرادة مركز واحد من مراكز القوة في العالم.
3. هي : تحويل العالم إلى قرية واحدة يتحكم فيها نظام رأسمالي واحد،
بعد انتهاء الحرب الباردة بين القطبين أمريكا والاتحاد السوفييتي التي دامت أكثر من 45 سنة، حدد الرئيس الأمريكي بوش الأب في 6/3/1991م إطار هذا النظام في خطابه الذي ألقاه أمام قوات التحالف في الكويت بعد انتصارها في حرب الخليج الثانية قائلا : ( إننا نرى الآن ظهور نظام عالمي جديد .... ، عالم تصبح فيه الأمم المتحدة بعد تحررها من الطريق المسدود للحرب الباردة قادرة على تحقيق الرؤية التاريخية لمؤسسيها ، عالم تحترم فيه جميع الأمم الحرية وحقوق الإنسان )
- لعل الرئيس بوش كان يقصد من تحقيق الرؤية التاريخية قيام وحدة عالمية تتجاوز أسباب الصراع ، وتستبعد عوامل التناقض بين الشعوب . وهذا يقتضي التساؤل :
علام تقوم هذه الوحدة ؟
- إن كثيرا من المفكرين والمحللين يرون أنها ستقوم على أساس سيادة النموذج الرأسمالي.
1- ظهور الثورة التقنية التي سميت بالثورة الصناعية الثالثة، وتمثلت في التقدم الصناعي الغربي الهائل، ولاسيما في مجال الاتصالات والمعلومات والفضاء والحاسب الآلي والإلكترونيات الدقيقة والهندسة الوراثية .
2- تحرير التجارة الخارجية بين الدول عن طريق رفع القيود عن النشاط الاقتصادي وإبرام الاتفاقيات الدولية التي سعت إلى فتح الأسواق العالمية أمام التجارة العالمية، وإزالة كل القيود والحواجز أمام التجارة الدولية . 3- قيام شركات كبرى متعددة الجنسيات،
4- تنامي القوة العسكرية الغربية ولاسيما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في عام 1991م ، وقد سبقه في عام 1989م تحول الدول الأوربية الشرقية من النظام الاشتراكي إلى النظام الاقتصادي الغربي ، واتباعها لسياسات الانفتاح على أسواق الدول الغربية وعلى الفكر الغربي .
ولا ريب أن هذه الظروف أسهمت على إظهار الدول الغربية على أنها قوة عالمية واحدة ، تقود نظاما جديدا يسعى إلى نشر نمط الحياة الفكرية الغربية بكل مفاهيمها ونظمها وقيمها بين المجتمعات
إن الثقافة ذات خصوصية إذ أن لكل أمة من الأمم مبادئ وقيما ومفاهيم تمثل شخصيتها الظاهرة، وتعبر عن نظرتها للحياة، وتنم عن تصورها للوجود، فتحرص على استمرارها والمحافظة عليها
- وحينما نستعرض سلسلة الأحداث الكبيرة التي غيرت تاريخ العالم من اشتعال حروب وقيام دول وحركات فكرية ونهضات علمية نجدها جميعها تهدف إلى اقتلاع فكرة وإحلال فكرة أخرى مكانها.
- وتمثل ظاهرة العولمة في الوقت الحاضر إحدى الحلقات الجديدة في هذه السلسلة الممتدة، والتي يمكن القول بأن العولمة الثقافية أحد وجوهها وأكثرها تميزا، وأعظمها خطرا، وهي تعني إلغاء ثقافات الشعوب المتراكمة والموروثة لتحل محلها ثقافة النظام الواحد عن طريق الوسائل الحديثة المستخدمة
إن المرحلة القادمة من الجهود الغربية المبذولة في التحول العالمي ستتجه نحو الاهتمام بالعولمة الثقافية نظرا للعناية المتزايدة من الدول الغربية وبعض الدول الشرقية التي تسير في ركابها كاليابان بثقافة المعلومات والمعرفة العلمية نتيجة لما تحقق من تطور صناعي سريع ومذهل في العلم وتقنية وسائل الاتصال والإلكترونات
- إن العولمة في اتجاهها الفكري ( تطمح إلى صياغة ثقافة كونية شاملة ، تغطي مختلف جوانب النشاط الإنساني، فهناك اتجاه صاعد يضغط في سبيل صياغة نسق ملزم من القواعد الأخلاقية الكونية).
- وإن هذه الثقافة مهما استخدم في صياغتها من صبغة علمية ومعرفية فإنها كما يراها عبد الوهاب المسيريصيغت داخل التشكيل الحضاري والسياسي الغربي، فهي تحمل معالم هذا التشكيل، وتدور في إطار العلمانية الشاملة التي تدعو إلى إنكار القيم وتأكيد النسبية المعرفية والأخلاقية.
.1التذويب الكلي أو الجزئي للهوية الثقافية: تسعى العولمة إلى التذويب الكلي أو الجزئي للهوية الثقافية ذات الخصوصية الشديدة لدى المجتمعات. وإذا كانت العولمة تستهدف هذا التذويب ، وتعمل على انهيار هذه الثقافات وذوبانها فإن هذا يعني أن الثقافة بما فيها ثقافتنا الإسلامية ستتعرض لمواجهة شديدة ، تنعكس سلبا على مجتمعنا المتمسك بجذوره الثقافية ، وستكون هذه الثقافة في محك الامتحان
العمل على إبراز الثقافة الغربية
استغلال المؤسسات الاقتصادية والوسائل الإعلامية والنشاط السياحي لترويج الفكر الغربي داخل المجتمعات بطريق غير مباشر
قد يصعب حصر الأخطار التي تنشأ عن العولمة بصفة عامة ؛ بل قد يطول الحديث عن أخطارها الثقافية ، ولكن يمكن الاقتصار على أهمها ، وهي:-
1- تغييب المبادئ الدينية والخلقية تحت وطأة تأثير الفكر الغربي والنظريات المنحرفة عن الدين والقيم،
2- فرض التأقلم مع الحضارة الغربية والذوبان فيها : ذلك أن العولمة ليست محصورة في الاقتصاد وحرية التجارة الدولية التي تعد المحرك الرئيس لها، وليست مجرد وسائل تنقل العقائد والقيم والنظم بشكل سريع يمكن لكل أمة الاستفادة منها في ترسيخ عقائدها وقيمها ونظمها، وليست فكرة خاضعة لحرية الفرد أو حريات الشعوب بحيث يأخذ كل واحد ما يريده منها، ويدع ما لا يريد، وإنما هي تأقلم وذوبان مع معطيات الحضارة الغربية بخيرها وشرها.
3- إخضاع القيم والأخلاق لقانون فكرة العصرنة والنسبية : ذلك أن العولمة الغربية لا تؤمن بأي قيم ثابتة ، ولا تعترف بوجود كليات ملزمة ؛ بل تتجاوز العقائد والموروثات والقيم الأصيلة إلى ما تقتضيه السيولة الفكرية التي تقوم عليها فكرة العصرنة والنسبية من التطور وعدم الثبات وقبر كل قديم وثابت من الأخلاق والقيم
مضت سنة الله تعالى في حصول التدافع بين الناس والصراع بين البشر، وتمثل ظاهرة العولمة أحد صوره الحديثة ، قال تعالى: (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) (البقرة: ٢٥١)، هذا التدافع يستلزم أن يتم بين طرفين مختلفين ؛ لكن لا يستلزم أن يرفض أحدهما ما عند الآخر كليا.
-وعلى الخصوص لا يصح أن يقبل ما عنده كليا ؛ لأن القبول يتنافى مع معنى التدافع المقتضي للرفض ولو جزئيا . إن اتخاذ المسلمين موقفا من العولمة في ظل التدافع القائم بين الحضارات ، ولاسيما مع الدول الغربية التي تقود هذه العولمة ـ يحتاج إلى حكمة ووعي، فليس القبول المطلق للعولمة التي تفرضها هذه الدول على الشعوب الإسلامية صائبا،وليس رفض العولمة جملة صحيحا أيضا ؛ لأنه مناف للحكمة ، ويعرض الشعوب الإسلامية لضرر أكبر
- يتعين على المسلمين رفض الانسياق مع العولمة فيما يتعارض مع دينهم وهوية أمتهم وإثبات خصوصيتها نظرا لأن العولمة تستهدف صهر الأمم والمجتمعات في بوتقة واحدة هي بوتقة الحضارة الغربية وعلى الخصوص الحضارة الأمريكية
- إن استثمار المسلمين لما يمتلكونه من عقيدة صحيحة لهي من أقوى العناصر المؤثرة في قلوب المجتمعات والشعوب، ذلك أن الخواء الروحي المتفشي بين الناس وطغيان المادية المتسلطة وانتشار الأمراض الفتاكة الناشئة من فساد الأخلاق وغياب القيم، ورواج المخدرات بين الأفراد، وابتذال الجنس لهي من أهم الظواهر الفكرية والاجتماعية التي تعاني منها شعوب العالم، ويعالجها الإسلام مخلصا هذه الشعوب من شرورها، وواقعية الإسلام وعنايته بمصلحة الإنسان وبكل متطلبات تكوينه هي من أهم ما يساعد على سرعة انتشاره بالرغم من جاذبية المدنية الغربية المادية التي ابتليت مجتمعاتها بهذه الظواهر السيئة
إن التأييد المطلق للعولمة الثقافية بحجة أن الانفتاح على الثقافات الأخرى أصبح من سمات العصر، وأن الرفض المطلق لن يغني فتيلا في إيقاف المد الغربي الثقافي الزاحف على العالم الإسلامي ـ نوع من الاستسلام الرخيص المتجاهل لطبيعة الدين الإسلامي والمتغافل عن تاريخ الأمة الإسلامية وثقافتها ،
- إن الموقف السليم يقتضي رفض العولمة الثقافية الغربية التي لا تؤمن بغير قيمها ، وتريد تذويب ثقافتنا الإسلامية ، ورفض كل ما يخالف ديننا وقيمنا الشرعية ، ورفض كل ما يمسخ شخصيتنا أو يبدل هويتنا
- ويقتضي ألا نكتفي بمجرد الرفض وحده ؛ بل لا بد أن نكون إيجابيين في الموقف بحيث نتبنى نهج المواجهة لعولمة المسخ الثقافي أو العدوان الثقافي ، وهذا يتطلب منا التشبث بهويتنا الثقافية الإسلامية ذات الخصائص المستمدة من عقيدتنا وديننا
|