2011- 12- 13
|
#33
|
|
أكـاديـمـي ألـمـاسـي
|
رد: الاشياء المهمه بـ( قضايا الثقافية المعاصرة)
م13 تابع
والمريض نفسه يريد - ومنذ مائة عام - أن يبرأ من آلام كثيرة : من الاستعمار ونتائجه ، من الأمية بأشكالها ، من الفقر رغم غنى البلاد بالمادة الأولية ، من الظلم والقهر والاستعباد، من ومن ، ومن ، وهو لا يعرف حقيقة مرضه ولم يحاول أن يعرفه ، بل كل ما في الأمر أنه شعر بالألم ، ولا يزال الألم يشتد ، فجرى نحو الصيدلية ، يأخذ من آلاف الزجاجات ليواجه آلاف الآلام .
- وليس في الواقع سوى طريقتين لوضع نهاية لهذه الحالة المرضية ، فإما القضاء على المرض وإما إعدام المريض . لكن هناك من له مصلحة في استمرار هذه الحالة المرضية سواءً أكان ممن هم في الخارج أو ممن يمثلونهم في الداخل .
لقد دخل المريض إلى صيدلية الحضارة الغربية طالباً الشفاء ، ولكن من أي مرض؟ وبأي دواء؟ وبديهي
-إن نهضة المسلمين تحتاج منا أن نعمل على إزالة معوقات النهضة من جهة، وصياغة مشروع نهضة من جهة أخرى.
أولا: معوقات النهضة:
هناك معوقات ذاتية ومعوقات موضوعية؛ فأما الذاتية فهي نابعة من ذاتنا الحضارية بفعل ما أصاب المسلمين من أمراض تصيب المجتمعات والحضارات، وهي سنة الله في خلقه لا يمكن أن تحابينا لأننا مسلمون، بل يصاب بها كل من لم يتحقق بشروط التحصين منها. وهي معوقات اجتماعية ونفسية وفكرية. وأما المعوقات الموضوعية فهي العوامل الخارجية لتخلفنا وتأخرنا، وهي أساسا الهيمنة الحضارية الغربية وما جلبت علينا من مختلف التحديات بداية بالاستعمار ونهاية بالعولمة والغزو الفكري والحضاري.
المعوقات الاجتماعية:
1- الحرفية في الثقافة: الجهل المركب الذي يتميز به المثقف العربي يشكل مرضا مزمنا ومعديا ومتوارثا بين الأجيال, لأن الجاهل الذي يقدم نفسه على أنه حامل للشهادة الأكاديمية, أو حامل لكتاب الله, لايدرك بأنه جاهل ويعتقد بأن الشهادة التي حصل عليها هي المقياس الوحيد لمكانته العلمية, ولوقوعه في أسر الغرور وجنون العظمة لايعترف بأخطائه ولا يصححها.
2. تحلل شبكة العلاقات الاجتماعية:
عدم تماسك عالم الأفكار: أمّا الأفكار السائدة في العالم الإسلامي اليوم فما هي إلاّ مزيج من الأفكار التي تعيق التطور والنمو وتتمثل في الأفكار الميتة والأفكار القاتلة, ورغم اختلاف مصدريهما إلا أن كلاهما يؤدي إلى الهدم لا البناء.
4- طغيان عالم الأشياء: إن طبيعة العلاقة بين الإنسان المسلم اليوم وعالم الأشياء يحددها المعيار الصبياني في التعلق بالأشياء، إذ لم يعد الإنسان يستمد مكانته الاجتماعية من كونه إنسانا ولا من زاده المعرفي وإنما من كمية الأشياء التي يمتلكها ويتصرف فيها.
5- طغيان عالم الأشخاص
سيادة النزعة السياسوية: انحراف الممارسة السياسية في الوطن العربي، بحيث انفصلت السياسة عن القواعد والأسس العلمية التي تقوم عليها وتحولت إلى خداع ومكر وتضليل يمارسه بعض الدجالين لمغالطة أصحاب النوايا الطيبة والسذج من الجماهير، واستخدام جماجم الضعفاء كجسر للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها.
ب. معوقات نفسية:
1- غياب الفعالية
الميل إلى التكديس: لجوء المجتمع الإسلامي إلى التكديس بدل البناء, فطغيان الشيئية أعمى بصيرته وجعله يغفل عن البناء المرحلي التكاملي ويبدله بتكديس منتجات الحضارة إلى جنب بعضها البعض معتقدا أن هذه المنتجات هي التي تصنع الحضارة في حين أن العكس هو الصحيح بحيث أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها, ويشتمل التكديس على الأشياء والأفكار والأشخاص.
3- القابلية الاستعمار
النزعة الذرية (التجزيئية): إن أسباب كبوة المشاريع النهضويةترجع إلى تلك الانطلاقة غير الموفقة التي لا تقوم على الرؤية التكاملية العميقة، والتي لا تدرك أهمية مختلف جوانب الحياة المادية منها والمعنوية، وتأثيراتها المتبادلة فيما بينها، وإنّما تقوم على رؤية سطحية تجزئ المشكلات، وتطرحها منفصلة عن بعضها. بل قد تنشغل بجزئية صغيرة وتراهن عليها لوحدها لتحقيق أهداف النهضة، ولعل هذه النظرة التي تفصل المشكلات عن بعضها وتجزئها هي سبب ذلك الفشل المتكرر لمحاولاتنا النهضوية.
2- غياب النقد الذاتي
غياب الوعي المنهجي : العشوائية في العمل، فبالرغم من وجود النية الخالصة للقيام بالتغيير، إلاّ أنّها ليست الشرط الوحيد. بل نحتاج إلى المعرفة الواسعة بسنن التغيير الاجتماعي. وهو العنصر المفتقد في الكثير من محاولاتنا النهضوية، بحيث نجهل حتى خصوصيات المرحلة التاريخية التي تمر بها أمتنا. لذا تجد البعض منّا يلجأ إلى الماضي البعيد لاستعارة حلول جاهزة، أوجدها أصحابها لمواجهة تحدياتهم الخاصة المختلفة زمانيا عنّا، وتجد البعض الآخر يلجأ إلى الضفة المجاورة لاستيراد حلول جاهزة أيضا، أوجدها أصحابها لمواجهة تحديات خاصة بمرحلتهم التاريخية المختلفة عنّا.
4- الاغتراب الزماني والمكاني: اتفاق كل من دعاة الإصلاح ودعاة التحديث
-مقابل هذه الأمراض الداخلية التي ظلت تنخر جسد الأمة فكريا ونفسيا واجتماعيا, نجد حاجزا خارجيا يتمثل في الاستعمار (الحضارة الغربية) الذي يرفض أن يتحول العبد إلى سيد يتخذ قراراته بكل حرية ومسؤولية،
-كما يرفض تعدد أقطاب الحضارة الإنسانية ومراكزها، كل هذا يدفعه لإجهاض أي مشروع نهضوي أو تحرري يحاول تحقيقه المستضعفون.
-وهناك مجموعة من الأدوات والآليات التي يوظفها الغرب كقيود وحواجز تمنعنا من تحقيق أهدافنا الإنسانية والحضارية ونذكر منها:
1. العمل على اختراق مختلف المبادرات التي يهدف أصحابها لتغيير أوضاعهم وأحوالهم
2- تسخير إمكانيات مادية كبيرة وإمكانيات بشرية عالية المستوى للاستعلام عن حركة الأفكار للتخلص منها إمّا بتشويشها والانحراف بهاإذا كانت فعالة وإمّا بتضخيمها وتوسيع نشرها والترويج لها إذا كانت متوافقة مع مصالحه.
3- توظيف الاستشراق في عملية الصراع الفكري لارتباطه بمؤسسات الاستعلامات التابعة للاستعمار
4- اهتمام الغرب بالبعثات الطلابية للانحراف بهاعن طريق طلب العلم لتعود بالشهادة الأكاديمية ولكن من دون زاد علمي ومعرفي، فتوظف كأداة لتكريس الرداءة والتشجيع عليها في أوساط النخبة المثقفة، وفي حالة ما إذا أثبت بعضهم امتيازه فسيحيطه بالتسهيلات والإغراءات من كل جانب للبقاء هناك. بل تغلق كل الأبواب في وجهه إذا ما عاد إلى بلاده، لأن أعداء النجاح يرفضون وجود الممتازين بينهم.
5- تحطيم قدرات الإنسان
6- تشجيع التعصب للأنا سواء كأفراد أو كجماعة، لينقسم المجتمع إلى فريقين متناحرين فريق يتخذ من الغرب ملهما له فيستسلم له خاضعا مستكينا ويرفع ألوية الدفاع عنه، وفريق ثان يجعل من الغرب شيطانا بليدا فيظل يواجهه بانفعال متزايد، والواقع أن الفريقين من صنع مخابر الصراع لأن ما يؤول إليه نشاطهما في النهاية هو النتيجة نفسها، وهي إبعاد المسلم عن واجباته اليومية وتحدياته الواقعية وتخديره إما بانبهاره بالغرب وإما بالحماس والانفعالات التي لا معنى لها في صناعة الحضارة.
7- تأثير الغرب مرتبط بجانبين، جـانب سلبي وجـانب إيجابي، فأمّا الأول فيتمثل في خططه ومؤامراته لتحطيم الأفكار الفعالة والعملية وتفكيكها، وأما الثاني فيتمثل في خلق أفكار مناسبة له ولمصالحه، ويسعى لنشرها لتصبح جزءا من يوميات أبناء الشعوب الإسلامية،
الخروج من النزعة الانفعالية التي تتجاهل الحاضر تجاهلا تاما بسبب الانبهار بمنجزات الغير سواء من القدماء أو الغربيين.
ولابد من بناء مشروع للنهضة قائما على التحليل العلمي والعقلاني لظاهرة التخلف الحضاري الذي تعيشه الأمة، بحيث نقوم بداية بتحديد المرحلة التاريخية التي نعيشها، وانطلاقا من خصوصيات هذه المرحلة، نحدد الخصائص النفسية والفكرية والاجتماعية لإنسانها؛ والتي تتمثل في أهم المعوقات الذاتية التي وقفت في وجه المحاولات النهضوية ومنعتها من تحقيق أهدافها الحضارية.
- نقوم بتفكيك معوقات النهضة وبناء مشروع جديد بناء
. الإنسان: محور عملية النهضة : إن المشروع الإصلاحي يبدأ بتغيير الإنسان ، ثم بتعليمه الإنخراط في الجماعة ثم بالتنظيم فالنقد البناء. وتبدأ عملية التطور من الإنسان لأنه المخلوق الوحيد القادر على قيادة حركة البناء، وتحقيق قفزات نوعية، تمهيداً لظهور الحضارة.
فالمجتمعات في حاجة -عندما تريد بناء أو إعادة بناء نفسها- إلى الإنسان الجديد الذي يوظف كل طاقاته وإمكاناته مهما كانت بسيطة. ولكي تعود (المجتمعات) من جديد إلى ساحة الفعل الحضاري لابد من أن تعيد صياغة هذا الإنسان وتوجيهه عبر:
- توجيه الثقافة. - توجيه العمل. - توجيه رأس المال.
وهي الأمور التي يمكن من خلالها للإنسان أن يؤثّر في واقعه (أي أنه يؤثر بفكره وعمله وماله).
فللوصول إلى الحضارة المرجوة، خطوات وأولويات يجب تحقيقها حتى تكون الحضارة مبنية على قواعد راسخة متينة ومعظم هذه التغييرات يجب أن تحدث أولاً في الفرد نفسه قبل أن نرى أثرها في الواقع الاجتماعي.
ولتحقيق التغيير لابدّ من تغييرين، تغيير ما بالقوم (الوضع الاجتماعي)، وتغيير ما بالأنفس. وما يؤكد على هذا القول هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
فتغيير الإنسان وإعادة صياغة وتخليصه من تخلفه شرط لازم ليتحقق التغيير الحضاري الشامل للأمة. ولنا في رسول الله أسوة حسنة، حيث أنه غير من أنفس الأفراد أولاً، وشكل شخصياتهم الإسلامية، ثم بنى بهم الدولة والأمة والحضارة.
2- من التكديس إلى البناء:
-إن العالم الإسلامي بدأ يتجه إلى جمع الأكوام من المنتجات الحضارية أكثر من اتجاهه إلى بناء حضارة وهو ما يسمى بالتكديس.
-فينتهي بنا الأمر إلى ما أسماه مالك بن نبي بالحضارة الشيئية. أي أن التكديس لا يعني البناء لأن البناء وحده هو الذي يأتي بالحضارة التي تكون منتجاتها وليست المنتجات هي التي تكون الحضارة.
- وقد يتساءل شخص ما الذي نأخذه من الحضارة الغربية؟ وللإجابة على ذلك يقول مالك: "إن علينا أن نأخذ من الحضارة الغربية الأدوات التي تلزم في بناء حضارتنا... حتى يأتي يوم نستطيع فيه الاستغناء عنها بمنتجاتنا".
دور الأفكار في البناء الحضاري:
- هناك أهمية كبيرة للأفكار وتأثيرها على الفرد والمجتمع وبناء الحضارت. فالفكر ركيزة هامة في حياة الشعوب، ودليل على حيويتها وتقدمها، أو على العكس دليل على جمودها وتخلفها، لأن نتاج العقل البشري الذي خلقه الله لهذه الغاية فالنجاح الفكري وسيلة للقضاء على الأفكار الميتة لأن "تصفينة الأفكار الميتة وتنقية الأفكار المميتة يعدان الأساس الأول لأية نهضة حقة".
-وكذلك فإن انحراف الأفكار عن مجرها بالنسبة للأفكار الجوهرية تبين لنا مقدرا عدم فعالية المجتمع مما يؤدي إلى الزيغ من جيل إلى جيل عن طريق الامتصاص وتعتبر الأفكار في هذه الحالة هي الجراثيم التي تكون كالعدوى الاجتماعية لنقل الأمراض.
فينعكس المرض على المجتمع
ثقافة النهضة وثقافة التخلف:
-ما دامت الثقافة هي ذلك المحيط الذي يشكّل فيه الفرد طباعه وشخصيته وسلوكه، فإنّ أنماط الشخصية والسلوك الإنساني هي تجسيد واقعي لما يلقاه الفرد في بيئته الاجتماعية.
-ولنقرّب الصورة أكثر ونحوّر المثال الذي دلّل به ابن نبي على وظيفة الثقافة عندما شبهها بوظيفة الدم الذي يغذي جسم الإنسان، نتصور من الناحية البيولوجية أنّ هذا الدم يحمل في تركيبته جراثيم قاتلة، ونتصور أنّ مناعة هذا الإنسان تتناقص بتقدمه في العمر فإنّ هذه الجراثيم تزداد خطورتها على حياته، فهي إن لم تقتله جعلته عرضة للمرض والوهن،
-كذلك الثقافة في مراحل تخلف المجتمعات تتولّد في نطاقها السلبيات وتتراكم مع الزمن لتحمل في طياتها أفكاراً قاتلة أو ميتة يمتصها جسم المجتمع، فتقضي على فعاليته وعلى تحضّره وتقوده عند نهاية دورة حضارته إلى التخلف والانحطاط.
العناية بالمسألة الثقافية، فهي المدخل الضروري لعملية البناء الحضاري. ولكي يحقق المجتمع تألّقه في التاريخ، ويقضي على ضروب التخلف واللافعالية، ينبغي أن نغيّر عالمه الثقافي،
وأن نضع الإنسان أمام ضرورات جديدة تفضي إلى تغيير معادلته الشخصية التي زيّفتها عهود الكساد، وهذا هو رهان الثقافة الأساسي، أي أن تعيد الإنسان -الخارج من دورة حضارية بعد أزمة تاريخية- إلى الحضارة، وأن تدخل الإنسان السابق على الحضارة إلى دورة حضارية جديدة
وهو التحدي الذي يقف أمام المجتمع الإسلامي فيستدعيه إلى ضرورة التفكير في الإنسان الذي ينبغي إعادة صياغته ثقافياً حتى يتواءم مع ضرورات التحضر لأنه من أجل أن نغيّر الإنسان ينبغي أن نغير وسطه الثقافي بإنشاء وسط جديد يمنحه المسوّغات الدافعة والفعالية القصوى حتى ينطلق في عملية البناء الحضاري.
|
|
|
|
|
|