لكل شيء بداية،
وقد كان لي حكاية !
بدأت حين كنت صغيرا ونظيفا !
حين كنا نزور عمي – رحمه الله – حيث كان يقيم مع أبنائه في بيته الكبير .. الصحراء !
فلقد كان يرفض الاسمنت ومشتقاته، ويفضل وبر الإبل لمسكنه !
وأول ما لفت انتباهي هو كثرة النجوم في السماء !
فأخبروني أن ذلك بسبب عدم وجود الكهرباء واشتداد العتمة، مما يجعل النجوم تبدو أكثر .. وأكبر !
فعرفت أن غياب النور، يجعل الأشياء الصغيرة تستبد وتتفرد بالمشهد، وأن النور عدو كل صغير وتافه !
وحذروني من عد النجوم كي لا تنبت البثور في وجهي، وأخبروني عن طفل عد النجوم حتى الرقم مئة، فوجده أهله عند الصباح وعيونه إلى جانبه، فقد أسقطتها النجوم !
فصدقتهم .. وكرهت النجوم لأننا نكره الذي نخافه !
والآن حين أخرج إلى الصحراء، أستمتع بالتحديق في السماء وعد النجوم !
وحين أسأل لماذا أفعل هذا ..؟
أجيب بسخرية لها طعم الأثر الرجعي :
" عشان عيوني تطيح !! "
وقد سقطت عيوني كثيرا،
من غير أن تغادر وجهي
ولم يكن للنجوم علاقة بهذا ..
لذا توقفت عن كراهيتها !
فشعرت أن لي وطنا .. وجواز سفر !
وفي إحدى زياراتنا وقبل المغادرة ناداني أحد أبنائه وقد كان يكبرني بسنين، وأخذ يكتب أمامي على ورقة وبشكل مستعجل، وحين انتهى قام بطي الورقة وطلب مني أن أعطيها لشقيقي الذي لم يحضر معنا وكان في مثل عمره.
احتفظت بالرسالة وقمت بإيصالها بأمانة الحمام الزاجل !
ولم يكن هناك قلعة أو حصن لأحط فيه .. لكنه منزلنا !
وحين أعطيتها لشقيقي أخذ يقرؤها وهو يبتسم
ومع كل حرف يبتسم أكثر !
أبهرتني هذه القدرة للحروف على قطع مئات الكيلومترات ونقل مشاعر الناس بدفئها وحميميتها الأولى !
هذه القدرة لدى الورق على حبس اللحظة وما فيها كي تبقى ولو غاب كاتبها !
لذا حين حدثني بعض من أعرف عن الانترنت لأول مرة ووصفوه لي، شعرت أنه يشبه ثلاجة الموتى !
فلا ورق ولا حبر ولا حمام زاجل يجعل الانتظار أشهى ريثما تنضح الحروف في أوراقها !
فكرهته كما كرهت النجوم، رغم أنني لم أكن أخافه !
لكننا نكره من يعبث بذاكرتنا ويشوه تفاصيلنا الأجمل !
نضحك..!وينبت وسط ليلنا ضي ==نسكت..!وتخلق من نفسنا مرافي
عشاق تبعدنا المنافي عن الغي ==نسرق من عيون الغياب التجافي
نسهر وكل همً توارى بنا .. ني ==همً علق بشفاهنا و هم خافي
الارض نامت مابها غيرنا حي ==وريحٍ تكحل عينها بالسوافي
من كبرنا نطوي غياباتنا طي حافين== ويركض خلفنا الشوق حافي
نحلم .. ولا شفنا من أحلامنا شي !== [ أغراب ] لكن جمّعتنا منافي