المحاضرة الثانية ..
الفعل المتعدّي هو ما يتعدَّى أَثرُهُ فاعلَه، ويتجاوزه إلى المفعول به، مثل "فتحَ طارقٌ الأندَلسَ”.وهو يحتاج إلى فاعل يفعله ومفعولٍ به يقَع عليه.
ويسمى أيضاً، (الفعلَ الواقعَ) لوقوعه على المفعول به، و (الفعلَ المجاوزَ) لمجاوزته الفاعل إلى المفعول به.
وعلامته أَنْ يقبلَ هاء الضمير التي تعود إلى المفعول به، مثل ”اجتهد الطالب فأكرمه أُستاذه".
والفعل المتعدي، إما متعدٍ بنفسه، وإما متعدٍ بغيره.فالمتعدي بنفسه ما يصل إلى المفعول به مباشرةً (أَي أَي بغير واسطةِ حرف الجر)، مثل "بريت القلمَ". ومفعوله يسمى "صريحاً”.والمتعدي بغيره ما يصل إلى المفعول به بواسطة حرف الجر، مثل "ذهبتُ بكَ" بمعنى "أَذهبتُكَ". ومفعوله يسمى "غير صريح".
الفعلُ اللازمُ هو ما لا يتعدى أثرُهُ فاعلَهُ، ولا يتجاوزُه إلى المفعول به، بل يبقى فى نفسِ فاعله، مثل "ذهب سعيدٌ، وسافر خالدٌ".
وهو يحتاجُ إلى الفاعل، ولا يحتاجُ إلى المفعول به، لأنه لا يخرج من نفس فاعلِه فيحتاجُ إلى مفعول به يَقعُ عليه.
ويُسمى أيضاً. (الفعلَ القاصرَ)لقُصوره عن المفعول به، واقتصاره على الفاعل و(الفعلَ غيرَ الواقع)لأنه لا يقع على المفعول به، و(الفعل غيرَ المُجاوِزِ) لأنه لا يجَاوِزُ فاعلهُ.
متى يكون الفعل لازما؟
يكونُ الفعل لازماً إذا كان من أفعال السجايا والغرائز، أَي الطبائع، وهي ما دَلّت على معنى قائم في الفاعل لازمٍ له، وذلك، مثل "شَجع وجَبُنَ وحَسنُ وقَبحَ”.أو دلَّ على هيئة، مثل طال وقصرَ“.أو على نظافةٍ كَطهر الثوبُ ونظُف.أو على دنسٍ كوسِخ الجسمُ دنسَ.
أو على عرَضٍ غير لازمٍ كمرِض وكسِل.أو على لون كاحمرَّ واخضرَّ. أو على عيبٍ كعَمش وعور.أو على حلية كدعج وكحل.
أو كان مُطاوعاً لفعلٍ مُتعدٍّ إلى واحد كمددت الحبل فامتدَّ.أو كان على وزن (فَعُل) - المضموم العينِ - كحسُن وشرُف.أو على وزن (انفعل) كانكسر.أو على وزن (افعلَّ) كاغبرَّ.أو على وزن (افعالَّ) كادهامَّ. أو على وزن (افعلَلَّ) كاقشعرَّ.أو على وزن (افعنلل) كاحرنجم.
يصيرُ الفعلُ مُتعدياً بأحدِ ثلاثة أشياء:
الأول: بنقله إلى باب (أفعلَ) أي بزيادة الهمزة في أوله، مثل: نزل المطرُ(لازم) وأنزلَ اللهُ المطر(متعد) لذا تسمى هذه الهمزة همزة التعدية.
الثاني: بنقله إلى باب (فعَّلَ) - المَضعّف العين – مثل: عظُم العلماءُ(لازم) وعظّمتُ العلماء(متعدٍ).
الثالث:بواسطة حرف الجرِّ، مثل ”جلسَ الطفلُ(لازم) وجلستُ بالطفلِ(متعدٍ)
إذا سقط حرفُ الجرِّ بعد الفعل المتعدي بواسطة حرف الجر، نصبت المجرورَ، قال تعالى "واختار موسى قَومهُ سبعين رجلا"، أي من قومه، وقال الشاعر:
تَمُرُّون الدِّيارَ ولم تَعُوجُوا كلامُكُم عَلَيّ إِذاً حَرام
وسُقوطُ الجار بعد الفعل اللازم سماعيٌّ لا يُقاسُ عليه.
والأصلُ تَمرّونَ بالديار. فانتصب المجرورُ بعد سُقوط الجارِّ.
وقد ورد في الشعر العربي حذف حرف الجر وبقاء الاسم بعده مجروراً وهذا شاذ ومنه قول الشاعر:
إذا قيل أيُّ الناس شرُّ قبيلةٍ ... أشارت كليبٍ بالأكفِ الأصابعُ
وحقيقة التعدي للأفعال راجعة إلى قصد المتكلّم ومبتغاه، هل يريد ذكر المفعول به؟ أم يريد مجرّد الحدث؟ فإذا أراد مجرد الحدث يصبح الفعل لازماً حتى لو كان من الأفعال المتعدية، ولتوضيح ذلك نضرب المثالين التاليين:
أكلَ الولدُ التفاح....الفعل أكل هنا فعل متعدٍ، لأن المقصود بيان ماذا أكل الولد.
أكل الولدُ حتى شبع. الفعل أكل هنا لازم لأن المقصود بيان مجرد الحدث(الأكل)
شرب الرجل الماء(متعدٍ) إذا شربت فاحمد الله(لازم)
ينقسم الفعل المتعدي إلى ثلاثة أقسام. متعدٍ إلى مفعول به واحد، ومتعد إلى مفعولين، ومتعد إلى ثلاثة مفاعيل.
فالمتعدي إلى مفعولٍ به واحدٍ كثيرٌ، وذلك مثل "كتب وأخذ وغفر وأكرم وعظّم".ومعظم الأفعال المتعدية هي من هذا النوع، قال تعالى:[وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ] كتب فعل ماض والله فاعله والجلاء مفعول به، وعذب فعل ماض والفاعل ضمير مستتر و(هم) في محل نصب مفعول به.
وقال تعالى:[وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً] تأخذوا: فعل مضارع منصول وواو الجماعه فاعلُهُ، وشيئاً: مفعول به منصوب. أتى: فعل ماض، وواو الجماعة فاعله والضمير(هن) في محل نصب مفعول به.
وقد يتعدّى الفعل إلى مفعولين، وهذا النوع على قسمين: قسمٍ ينصب مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبراً، وقسم ينصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبرٌ.
الأول: ما يتعدى إلى مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبراً.
مثل :أَعطى وسأل ومنح ومنع وكسا وأَلبس وعلَّم"، تقول "أَعطيتك كتاباً. منحت المجتهد جائزةً. منعت الكسلان التنزُّه. كسوت الفقير ثوباً. أَلبست المجتهدة وساماً، علّمت سعيداً الأدب”.
وعلامة هذا الفعل أنك إذا أزلت الفعل لا يبقى كلام مفيد، إذ يصبح الكلام كما يلي: أنت كتاب، المجتهد جائزة، الكسلان التنزه، الفقير ثوب...
وهذه ليست جملاً مفيدة بمعنى أنها ليست مبتدأ وخبراً.
وكل فعل يكون لازماً فتجعله متعدياً بأحد الوسائل السابقة يكون من هذا النوع، مثل: أكرم وأنزل وعظّم وعلّم وجلست بالطفل، بمعنى أجلسته.
الثاني: ما يتعدى إلى مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر.
وعلامة هذا الفعل أنك إذا أزلت الفعل بقي جملة مفيدة مكونة من مبتدأ وخبر، مثل: وجدتُ العلمَ نافعاً، فقبل دخول الفعل كانت: العلمُ نافعٌ وهذه جملة اسمية مكونة مبتدأ(العلم) وخبر(نافع).
وهذا النوع من الأفعال على قسمين: أفعال قلوب، وأفعال تحويل.
أولاً: أفعال القلوب.
أفعال القلوب المتعدية إلى مفعولين هي "رأى وعلم ودرى ووَجدَ وألفى وتعلَمْ وظنَّ وخالَ وحسبَ وجعل وحَجا وعدَّ وزَعمَ وهَبْ".
وسميت هذه الأفعال"أفعال القلوب"، لأنها إدراك بالحس الباطن، فمعانيها قائمة بالقلب. وليس كل فعل قلبي ينصب مفعولين. بل منه ما ينصب مفعولا واحداً كعرَفَ وفهِمَ. ومنه ما هو لازم كحزِنَ وجبُنَ).
ولا يجوزُ في هذه الأفعال أن يُحذَفَ مفْعولاها أو أحدُهما بلا دليل. ويجوز سُقوطهما، أو سقوطُ أحدهما، اختصاراً (أي لدليل يَدُل على المحذوف).
فسقوطهما معاً لدليل، كأنْ يُقالَ "هل ظننتَ خالداً مُسافراً؟" فتقولُ "ظننتُ" أي "ظننتُهُ مُسافراً"، قال تعالى: [أينَ شُركائيَ الذين كنتم تزعمونَ؟]، أي "كنتم تزعمونهم شركائي" وقال الشاعر
بأَيِّ كِتابٍ، أَم بأَيَّةِ سُنَّةِ تَرى حُبَّهُمْ عاراً عليَّ، وتَحْسَبُ؟
أي "وتحسبُهُ عاراً".
وسُقوطُ أحدهما لدليلٍ، كأن يُقالَ "هل تظُنُّ أحدا مسافرا؟"، فتقولُ "أظُنُّ خالدا"، أي "أظُنُّ خالدا مسافِرا؟"، ومنه قولُ عنترةَ
وَلَقَدْ نَزَلتِ، فَلا تَظُني غَيْرَهُ مِنِّي بِمَنْزِلةِ المُحَبِّ المُكْرَم
أي "نزلتِ مني منزلةَ المحبوب المُكرَمِ، فلا تظني غيره واقعاً".
ومما جاء فيه حذفُ المفعولين لدليل قولُهم "مَنْ يسمع يَخَلْ" أي "يخَال ما يسمعُه حقاً".
فإن لم يدُلَّ على الحذف دليلٌ لم يجُز، لا فيهما ولا في أحدهما.
وأفعالُ القلوب نوعان نوعٌ يفيدُ اليقينَ (وهو الاعتقاد الجازم)، ونوعٌ يفيدُ الظنَّ (وهو رُجحانُ وقوع الأمر).
أفعال اليقين:أفعالُ اليقين، التي تنصبُ مفعولين، ستةٌ أفعال.
الأولُ "رأى" - بمعنى "علم واعتقد" - كقول الشاعر
رأيتُ اللهَ أكبرَ كلِّ شيءٍ مُحاولةً، وأكثرَهمْ جنودا
(الله) مفعول به أول و(أكبر) مفعول به ثان.
ولا فرقَ أن يكون اليقينُ بحسب الواقع، أو بحسب الاعتقاد الجازم، وإِن خالفَ الواقع، لأنه يقينٌ بالنسبة إلى المعتَقد(المتكلم). وقد اجتمع الأمران في قوله تعالى "إنهم يرَوْنهُ بعيداً ونراهُ قريبا" أي إنهم يعتقدون أن البعثِ مُمتنعٌ، ونعلمُه واقعا.
ومثل "رأى" اليقينيَّة (أي التي تفيد اليقينَ) "رأى" الحُلميَّةُ، التي مصدرُها "الرّؤْيا" المناميَّةُ، فهي تنصب مفعولين، لأنها مثلها من حيثُ الادراكُ بالحِسّ الباطن؛ قال تعالى {إني أراني أعصرُ خمراً} فالمفعولُ الأَولُ ياء المتكلم، والمفعول الثاني جملةُ أعصرُ خمراً.
و(رأى) هذه التي تنصب مفعولين تسمى رأى القلبية، أما رأى البصَريّة أي التي يكون مصدرها البصر، فهي تنصب مفعولاً واحداً. لاحظ الفرق بين الجمل المتقابلة:
رأى القلبية رأى البصَرية
رأيتُ النصر قريباً رأيت الكتاب على الطاولة.
رأيت الكذب مفسدةً رأيت صديقي في السوق.
رأى أخي العلمَ خير سلاح. رأى أخي العصفور بين الأشجار