قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -«وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً» رواه مسلم، يدل الحديث دلالة صريحة على فضل العفو والصفح واستحبابه مشروعاً، بأن الله تعالى ما زوّد أحداً بخلق العفو وتحلى به إلا زاده ذلك عزاً ورفعة».
فالعفو والصفح ومقابلة الإساءة بالإحسان سبب قوي لعلو المنزلة، ورفعة الدرجة وفيه من الطمأنينة والسكينة وشرف النفس وترفعها عن الانتقام ما ليس شيء منه في الانتقام ومقابلة الإساءة بالإساءة.
قال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - «أحب الأمور الى الله ثلاثة، العفو عند المقدرة، والقصد في الجدة، والرفق بالعبدة» وقال احد الحكماء:«لا يقبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عنهم» أي العفو عنهم.
وغالباً فإن من يلتزم تعاليم الاسلام يتحلى بهذا الخلق الكريم قال ابن القيم - رحمه الله متحدثاً عن حسن الخلق والعفو والاحسان إلى من أساء «وما رأيت أحداً أجمع لهذه الخصال من شيخ الاسلام ابن تيمية - رحمه الله - وقال عنه البعض وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه» وقالوا: ما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.
وعلى هذا فإن العفو عند المقدرة على الجزاء والصفح خلق عظيم له فضل كبير على المتحلي به فيرفع من شأنه ويعلي درجته، ولذا فعلى العاقل ان يتحلى به، كما يقول ابن حبان - رحمه الله - «توطين النفس على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة، إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الاساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها».
ومن فضل العفو أيضاً تقليل العداوة بين الناس كما قال الإمام الشافعي رحمه الله:-
لما عفوت ولم أحقد على أحد
أرحت نفسي من ظلم العداوات
ولقد كان هذا الخلق العظيم خلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فقد كان يعفو ويصفح ويقابل الإساءة بالإحسان وهناك العديد من الآثار التي تدل على ذلك ولقد مدح الله تعالى هذا الخلق برسوله بقوله «ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فأعف عنهم واستغفر لهم».
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام: أن جذبه إعرابي من ثوبه فأثر في رقتبه الشريفة لخشونته، وأراد الصحابة معاقبته فمنعهم عليه السلام، وأعطاه ما طلب وأجزل له العطاء. ولقد أقتدى الصحابة والتابعون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتزموا تعاليم الدين وكانوا مثالاً للعفو والصفح ومن ذلك ما روي عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - ان عرض له رجل بيده طومار - صحيفة مطوية - فظن القوم أنه يريد أمير المؤمنين، فخاف الرجل ان يحبس دونه، فرماه بالطومار، فالتفت عمر، فوقع في وجهه وشجَّه، فلم يكن من عمر بن عبد العزيز إلا أن تناول الطومار والدماء تسيل من وجهه وهو قائم، فلم يبرح حتى قرأ الطومار، وأمر له بحاجته وخلّى سبيله».
٭ العفو لا يعني الذل، قد يظن البعض ان العفو عن المسيء، والإحسان إليه مع القدرة عليه - موجب للذلة والمهانة، وأنه قد يجر الى تطاول السفهاء والانقاص من القيمة وهذا خطأ جسيم، ذلك ان العفو والحلم لا يقارن بالذلة ولا يتشبه بها بحال من الأحوال بل ان الذلة احتمال الأذى علي وجه يذهب بالكرامة وينقص الشأن ويريق ماء الوجه: أما العفو والحلم فهو تغاضي الرجل عن المكروه وتجاوزه عن السيئة، حيث يزيده الإغضاء في أعين الناس رفعة ومهابة، ويستفيض ذكره لحسن العفو أيضاً إسقاط الحق جوداً وكرماً، وإحساناً مع القدرة على الانتقام والمجازاة فيؤثر الترك رغبة في الإحسان ومكارم الاخلاق لا يسقط حقه عن ضعف ومهانة بل عن رفعة ومهابة.
وذلك بخلاف الذل، فإن صاحبه يترك الإنتقام والمجازاة عجزاً، وخوفاً، وضعفاً ومهانة نفس، فهذا أمر مذموم لأنه يوجب المذلة، بل لعل الانتقام بالحق أحسن حال منه، ولذلك فلا يعني قول الرسول - صلى الله عليه وسلم «ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً» ان كل عفو يزيد صاحبه عزاً، فربما كان العفو عن عجز وضعف فلا يدخل في معنى الحديث، كما لا يعني ضرورة ان يتنازل كل انسان عن حقه ويقابل الإساءة بالإحسان إلا إذا كان عن مقدرة وحسن خلق وان يفهم المسيء ذلك ويقدر العفو أما من يتمادى بالإساءة فلا بد من مقابلة إساءته بالعقوبة والجزاء........
موضوع اعجبني فنقلته