الاستعمار وتقسيم المغرب الأقصى
فرضت فرنسا في 11 ربيع الآخر 1330هـ، 30 مارس 1912م على السلطان عبد الحفيظ توقيع معاهدة حماية من تسع مواد جعلت من المغرب
الأقصى محمية وصفها شبيه بما آلت إليه تونس سنة 1300هـ، 1883م، بعد توقيع معاهدتي باردو والمرسي. ذلك لأن مواد المعاهدة جردت السلطان
من كل سلطاته الفعلية في الداخل والخارج، وأحالتها إلى إدارة الحماية وعلى رأسها المقيم العام الفرنسي، وسمحت لها بإدخال ما تراه نافعًا من
إصلاحات إدارية وقضائية ومالية وعسكرية، كما جعلت تمثيل المغرب الأقصى في الخارج بأيدي ممثلي فرنسا وقناصلها. ولم تبق للسلطان إلا السلطة
الاسمية المتمثلة في توقيع المراسيم التشريعية التي كانت تقدم له، كما لم تبق من حكومة المخزن سوى المظهر الشكلي التقليدي. وجلعت المقيم العام ممثلاً
لفرنسا لدى السلطان يسهر على تنفيذ المعاهدة، ووسيط السلطان في علاقاته مع ممثلي الدول الأجنبية، ومكلفًا بكل المسائل المتعلقة بالأجانب، ولديه
سلطة الموافقة ونشر كل المراسيم الصادرة عن السلطان. وقد دفعت هذه القيود التي فرضتها معاهدة الحماية وسخط الأهالي السلطان عبد الحفيظ إلى
التنازل سنة 1330هـ، 1912م لأخيه يوسف بن الحسن. ووقَّعَتْ فرنسا في 17 ذي الحجة 1330هـ، 27 نوفمبر 1912م اتفاقية مع أسبانيا
لاقتسام المغرب بينهما. وقد ميزت الاتفاقية بين قسمين في منطقة النفوذ الأسباني من حيث وضعهما القانوني، فيشمل القسم الأول جيبي سبتة ومليلة
ومنطقة إفني في الجنوب حيث تمارس أسبانيا حقوق السيادة بدون قيد، ويشمل القسم الثاني شمال المغرب من الحدود الجزائرية إلى نقطة جنوب ميناء
العرائش على ساحل الأطلسي تستمد أسبانيا وجودها فيه من معاهدة الحماية بين فرنسا والسلطان، ويمثله به خليفة يقيم بتطوان ويخضع لإشراف
الإدارة الأسبانية، كما يخضع هو نفسه للإقامة العامة الفرنسية، وتمارس فيه أسبانيا صلاحيات الحماية. كما تؤكد الاتفاقية على جعل طنجة منطقة
محايدة، ثم تطور أمرها إلى التدويل في جمادى الأولى 1342هـ، ديسمبر 1923م. وبذلك أصبح المغرب الأقصى في عهد الحماية مقسمًا إلى أربع
مناطق تختلف كل منها عن الأخرى من حيث الوضع القانوني. وفي منطقة الحماية الفرنسية، قسم المقيم العام إدارة المغرب إلى ثلاثة أجهزة هي: إدارة
المخزن التي احتفظت بطابعها القديم، والإدارة الشريفية الجديدة التي يقوم بها مثقفون مغاربة لإدارة الشؤون الفنية الخاصة بالأهالي، والإقامة العامة التي
تهيمن على سياسة البلاد العليا في مجالات الخارجية والدفاع والأمن العام. ولم يبق في مجلس الوزراء سوى ثلاثة مغاربة، هم الصدر الأعظم الذي انتقلت
معظم اختصاصاته إلى الكاتب العام للحماية، ووزير العدل الذي صارت سلطاته الحقيقية على المحاكم الشرعية والمعاهد الدينية بيد رئيس مراقبة العدل
بالإدارة الشريفية، في حين كانت إدارة العدل فرنسية محضة، ووزير الأوقاف الذي كانت سلطته الفعلية بيد موظف فرنسي لدى الإدارة الشريفية، في
الوقت الذي وضعت فيه إدارات الفلاحة والمالية والأشغال العامة والبريد والصناعة بأيدي مديرين فرنسيين يديرونها إدارة مباشرة. كما عين مراقبون
فرنسيون خارج العاصمة بالجهات لمراقبة الباشوات وقادة الأقاليم المغاربة. وفي ظل هذه الإدارة، دخل المغرب الأقصى مستوطنون زراعيون فرنسيون
وأصحاب حرف ورجال أعمال وتجارة، ورغم أن المقيم العام ليوتي لم يكن يشجع الهجرة، فقد بلغت مساحة الأراضي التي امتلكها فرنسيون في عهده
400 ألف هكتار. وقد فتح باب الهجرة والاستيطان بعده على مصراعيه، فاستغل مستوطنو الجزائر سهل الملوية في الشرق، وتركز عدد كبير من
المعمرين في سهل الشاوية. وفي رجب 1337هـ، أبريل 1919م، استصدرت الإقامة العامة ظهيرًا بجواز استغلال أراضي القبائل غير المزروعة في
مقابل إيجار رمزي، وبلغت الملكيات الأوروبية في الأربعينيات من القرن العشرين نحو مليون هكتار استأثرت بنصيب الأسد في توزيع المياه، مما أوقع
ضررًا كبيرًا بالزراعة الأهلية. كما قامت شركات رأسمالية فرنسية خاصة بالبحث عن الثروات الباطنية واستغلت مناجم للفوسفات والمعادن كالحديد
والمنجنيز والرصاص والكوبالت والنحاس وغيرها بالمغرب
الحركة الوطنية المغربية
. سعت فرنسا لإثارة النعرة البربرية في المغرب الأقصى، فاستصدرت الإقامة ظهيرًا (قانونا) في 1332هـ، 1914م، يخرج البربر من دائرة القضاء
الشَّرعي ويجعل مجلس الجماعة أو القبيلة مختصًا بنظر الشؤون المدنية. وكان المقيم لوسيان سان محاطًا بجماعة من مستشارين عُرفت بالكتلة البربرية لأنها تدعو إلى فصل البربر عن حكومة المخزن تمهيدًا لإدماجها في البيئة الفرنسية، وتضمنت خطتهم إحياء اللهجات البربرية بكتابتها بحروف لاتينية، كما ركز المنصرون نشاطهم في مناطق البربر. وفي 1349هـ، 1930م، استصدر المقيم العام ظهيرًا جديدًا أعطى مجالس الجماعة صفة رسمية حولها إلى
محاكم مدنية، وقضى بتسجيل عرف البربر ليصبح قانونًا معترفًا به لتلك المحاكم. كما نزع النظر في الجنايات من قضاء القادة والباشوات الذين يمثلون
السلطان، وأنشأ محاكم جديدة في مناطق البربر من قضاة فرنسيين لتطبيق القانون الجنائي الفرنسي فيها. فاصطدم ذلك الظهير بمعارضة شديدة من قبائل
البربر ذاتها ورد فعل عنيف في المغرب وعامة العالم الإسلامي
وقد بدأت الحركة السياسية الوطنية في المغرب على هيئة جمعيات خاصة ذات أهداف تعليمية واجتماعية أسسها شباب من خريجي المدارس الفرنسية في
الرباط أمثال أحمد بلافريج، إلى جانب جمعيات دينية سلفية أنشأها شباب القرويين بفاس أمثال علال الفاسي لمقاومة الطرق الصوفية عقائدها وتقارب شباب الرباط وفاس حتى كونوا نواة كتلة العمل المغربي، التي برزت حركة سياسية واسعة النطاق بعد صدور الظهير البربري فأصدرت سنة1351هـ1932
مجلة باللغة الفرنسية كانت بباريس تحت اسم مجلة المغرب، وفي المغرب باسم مجلة العمل المغربي
، كما نزلت الكتلة إلى ميدان العمل الجماهيري في 1353ـ 1934م بمناسبة زيارة السلطان محمد بن يوسف (1346 -1380هـ) لفاس. وكان برنامجها يتلخص في إلغاء مظاهر الحكم المباشر الفرنسي وتطبيق معاهدة الحماية نصًا وروحًا، وقيام حكم ملكي دستوري وإلحاق المغاربة بالوظائف، والفصل بين السلطات وتأسيس مجالس بلدية وإقليمية ومجلس وطني جميع أْعضائه من المغاربة. وقد حاولت الكتلة الاستفادة من قيام حكومة الجبهة الشعبية في فرنسا سنة1355هـ1936م فأصدرت جريدتي الأطلس بالعربية والعمل الشعبي بالفرنسية، وشرع علال الفاسي ومحمد الوزاني في تنظيم حزب حقيقي انتخبت له لجنة مؤقتة ريثما تسمح الظروف بعقد مؤتمر وطني فكانت الرئاسة للفاسي والأمانة العامة للوزاني. بيد أن هذا الأخير أعلن انسحابه من الكتلة على إثر ذلك وتأسيس حزب مستقل باسم حزب الشعب، فحل محله في الأمانة العامة للكتلة أحمد بلافريج. وتزعم فرع الكتلة في منطقة الاحتلال الأسباني عبدالخالق الطريس، لكن هذا الفرع انفصل بعد انقلاب فرانكو في أسبانيا . ولما عمدت السلطات الفرنسية إلى حل الكتلة في 25ذي الحجة 1355هـ، 8 أغسطس 1937م، أعاد قادتها تكوينها باسم الحزب الوطني لتحقيق المطالب المغربية الذي استطاع أن يظفر بالاعتراف الرسمي. غير أن تأييد هذا الحزب لحركة مكناس ضد تحيز الإدارة في توزيع مياه الري للمعمرين الفرنسيين سنة 1356هـ، 1937م عرضه للحل من قبل المقيم العام نوجيس الذي نفى قادة الحزب، بمن فيهم علال الفاسي، إلى خارج البلاد أيضًا. وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية أعلن السلطان محمد بن يوسف في 18 رجب 1358هـ، (3 سبتمبر 1939م) عن تأييده ودعمه لفرنسا وحلفائها، لكن سياسة حكومة فيشي تجاه المستعمرات أفقدته الثقة بفرنسا. كما رحب بالجيوش الأمريكية عند نزولها بالمغرب سنة 1361هـ، 1942م، مما جعل الرئيس روزفلت ينتهز فرصة لقائه بتشرتشل بالدار البيضاء في صفر 1362هـ، ديسمبر 1943م، ليقابل السلطان بدون وساطة المقيم العام الفرنسي. وقد ساهمت الفرق المغربية في العمليات الحربية للحلفاء بأوروبا مساهمة مشهودة ضمن جيوش فرنسا الحرة إلى جانب إخوانهم الجزائريين والتونسيين
وفي16 محرم 1363هـ، 11 ديسمبر 1944م عقد الوطنيون المغاربة مؤتمرًا شكل تحولاً في تاريخ الحركة الوطنية المغربية، بسبب تأسيسه حزب
الاستقلال وقراره العدول عن سياسة الاستقلال على مراحل ومطالبته بإسقاط الحماية مباشرة شرطًا مقدمًا للتفاوض مع فرنسا. وقد رفع الحزب ثلاثة
مبادئ إلى السلطان تتمثل في المطالبة باستقلال المغرب ووحدة أراضيه، وبتوثيق الروابط مع دول العالم عامة والدول العربية والإسلامية خاصة
وبالمحافظة على الملكية مع جعلها ملكية دستورية. فأظهر السلطان عطفه على الحزب ومبادئه وظل كذلك حتى حصول المغرب على استقلاله، في حين
رد المقيم العام الفرنسي جبريل بيو على بيان الحزب باعتقال الزعماء وقمع المظاهرات الجماهيرية التي خرجت تأييدًا له في الدار البيضاء وفي فاس
خلال شهر صفر 1363هـ، فبراير 1944م، وأرسلت حكومة باريس تهدد السلطان. ولكنها اضطرت أمام التصميم الشعبي واحتجاجات السلطان،
إلى تعيين الاشتراكي إريك لوبون مقيمًا عامًا جديدًا في أوائل 1365هـ، 1946م، فبادر بإطلاق سراح معظم المعتقلين السياسيين وإعادة الزعماء
المنفيين ومن بينهم علال الفاسي وأحمد بلافريج ومحمد الوزاني، وباشر إصلاحات إدارية واقتصادية لم ترض الوطنيين وأغضبت المستوطنين. فاستغل
وزير الخارجية الفرنسية خطاب السلطان في طنجة سنة 1366هـ، 1947م الذي أعلن فيه عن وحدة أراضي المغرب وأشاد بجامعة الدول العربية
ليقنع الحكومة بإرسال الجنرال الفونس جوان مقيمًا عامًا جديدًا، وهو ابن أحد المستوطنين بالجزائر، لإرهاب السلطان والوطنيين. فامتد عهده من1366
إلى 1371هـ، 1947 إلى1951م، قضى خلاله على جميع الحريات، كما باشر برنامج إصلاحات ترمي إلى إرساء مبدأ السيادة المزدوجة
الذي لم يسبق أن صرح به الفرنسيون بالنسبة للمغرب الأقصى، بعكس ما فعلوا في تونس
ولما فشلت كل محاولات حزب الاستقلال للتفاوض مع باريس مباشرة وإقناعها بحسن نواياه، وضاق الخناق على زعمائه بالمغرب التحق علال الفاسي
بالقاهرة في جمادى الثاني1366هـ مايو1947م
وفي نفس السنة حل بها الأمير محمد بن عبدالكريم الخطابي وتولى زعامة مكتب المغرب العربي، وذلك في الوقت الذي كان السلطان يقاوم ما استطاع سياسة المقيم العام ويرفض توقيع الظهائر (القوانين) التي يقدمها إليه، الأمر الذي جعل الحكومة الفرنسية تدعوه لزيارة باريس لعلها تحوله عن موقف المعارضة. لكنه قدم مذكرتين في ذي الحجة 1369هـ، أكتوبر 1950م، عبّر فيهما عن رغبته في إطلاق الحريات العامة وتغيير طبيعة العلاقات مع فرنسا، وذلك معناه إلغاء الحماية. فدفع المقيم العام تهامي الجلاوي، صاحب النفوذ في الجنوب، لجمع القبائل الموالية له والزحف على الرباط في ربيع الآخر 1370هـ، يناير 1951م. وعندها حاصرت القوات الفرنسية القصر بدعوى حماية السلطان، وقدم المقيم العام إليه إنذارًا يطالبه فيه بإصدار بيان إدانة لحزب الاستقلال أو التنازل عن العرش وإلا عزله. واضطر السلطان مكرهًا لتوقيع الاستنكار المطلوب دون ذكر للحزب. واستغلت الإقامة العامة التصريح لاعتقال مزيد من الوطنيين وإجبار السلطان على عزل الموظفين المشتبه في ميلهم لحزب الاستقلال وإبعاد عدد منهم عن البلاد. وكان لذلك صدى في البلاد العربية والعالم، فأبدت الجامعة العربية تأييدها للمغرب ورفعت قضيته إلى هيئة الأمم المتحدة التي رفضت التدخل في المسألة
وفي نهاية 1371هـ، 18 أغسطس 1951م، عينت فرنسا الجنرال جيوم مقيمًا عامًا جديدًا بالمغرب فلم تختلف سياسته عن سياسة سلفه، مما جمد العلاقات بين فرنسا والسلطان، وتشكلت جبهة وطنية من الأحزاب المغربية قدمت في 17 ربيع الآخر 1371هـ، يناير 1952م مذكرة إلى هذا الأخير تضمنت
الأماني الوطنية كما قدمت الدول العربية المستقلة احتجاجًا إلى هيئة الأمم المتحدة وفرنسا عن الحالة بالمغرب، مما شجع السلطان على توجيه مذكرة
جديدة إلى رئيس الجمهورية الفرنسية في 14جمادى الآخرة، 14 مارس أيد فيها المطالب الوطنية
وأثيرت القضية المغربية من جديد أمام الأمم المتحدة، وفي تلك الأثناء اغتيل الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد فأعلن حزب الاستقلال الإضراب
العام تضامنًا، وواجهت السلطات الاستعمارية المظاهرات الشعبية في الدار البيضاء بالرصاص فأحدثت مذبحة، واعتقلت أعدادًا كبيرة بمن فيهم قادة الحزب، كما أعلنت حل الحزب وتعطيل الصحف العربية
ولما تولت الحكم في باريس حكومة لانييل اليمينية في رمضان 1372هـ، مايو 1953م التي شغل وزارة الخارجية فيها الصليبي بيدو، تجددت فكرة خلع السلطان. ونشط تهامي الجلاوي من جديد في الجنوب يساعده عبدالحيّ الكتاني رئيس الطريقة الكتانية، فقدم عرائض إلى الحكومة الفرنسية تطالب بعزل السلطان فأقدمت على الأمر بخلعه يوم عيد الأضحى 1372هـ، 20 أغسطس 1953م، ونقل إلى كورسيكا ثم إلى جزيرة مدغشقر، وتنصيب محمد بن عرفة سلطانًا على المغرب. وكان رد الشعب بدخول الكفاح المسلح، رغم أن معظم زعماء حزب الاستقلال كانوا إما رهن الاعتقال أو خارج البلاد. وتجلى ذلك في عمليات الاغتيال التي أخذت تتفشى في أواسط المتعاونين مع فرنسا والموالين لها منذ أواسط 1373هـ، أوائل 1954م، وجرت محاولة لاغتيال ابن عرفة نفسه، وكذلك إحراق مزارع المستوطنين. كما تمت مقاطعة البضائع الفرنسية بنجاح كبير وخاصة تجارة التبغ. وأصر حزب الاستقلال على رفض أي حل قبل عودة السلطان وإلغاء جميع المراسيم التي صدرت في عهد ابن عرفة، كما زحفت القبائل على المدن الصغيرة داخل الأطلس الأوسط بمناسبة الذكرى الثانية لخلع السلطان وأوقعت خسائر فادحة في الأرواح بين المستوطنين. فاضطرت فرنسا، تحت ضغط المقاومة المسلحة المغربية التي زادت عملياتها خلال الأشهرالأولى من 1375هـ، الأخيرة من 1955م، مما حول المغرب إلى ساحة حرب حقيقية، وتحت ضغط الثورة الجزائرية والرأي العام الدولي، إلى التراجع فنقلت محمد بن يوسف إلى فرنسا واستقبلته بباريس، وأصدرت معه تصريحًا مشتركًا في 21 ربيع الآخر 1375هـ، 6 نوفمبر 1955م، اعترفت فيه فرنسا بمبدأ استقلال المغرب وإقامة ملكية دستورية به. وعاد السلطان إلى عرشه باسم محمد الخامس ليواصل المفاوضات مع فرنسا، في حين تواصل الكفاح المسلح إلى أن تم توقيع اتفاقية 20 رجب 1375هـ، 2 مارس 1956م، التي أعلنت عن إلغاء الحماية والاعتراف باستقلال المغرب ووحدة أراضيه. وتلاها في 10 شوال، 20 مايو، بيان أسباني مغربي مماثل، كما ألغي النظام الدولي لطنجة في نهاية ذلك العام. لكن ظهرت مشكلة الجيوب الأسبانية (سبتة ومليلة) والمحميات الجنوبية (إفني والصحراء الغربية) التي تشبثت بها أسبانيا، ومشكلة موريتانيا التي كانت تحت الاستعمار الفرنسي وأسست فيها فرنسا دولة إفريقية تدرجت من الحكم المحلي إلى الاستقلال الذاتي في 1378هـ، 1958م، ثم إلى السيادة الكاملة ضمن العائلة الفرنسية في 8 جمادى الآخرة 1380هـ، 28 نوفمبر 1960م، حين أعلن قيام الجمهورية الإسلامية الموريتانية
استقلال المغرب
. شرع الملك محمد الخامس في تغيير أنظمة الحكم القديمة منذ توليه السلطة في 1375هـ، 1955م، لكنه لم يتخذ إجراءً حاسمًا لوضع دستور للبلاد
وإنما اكتفى بتعيين مجلس استشاري على أساس أن المغرب لم يتهيأ للنظام البرلماني ولا بد من المرور بمرحلة انتقالية، مما جعل من الدستور مطلبًا تناضل من أجله القوى السياسية. وقد تولى بنفسه رئاسة الحكومة عندما عجز عن التوفيق بين الأحزاب لإنشاء حكومة ائتلافية في ذي القعدة 1379هـ
مايو1960م، واستمر القصر يسيطرمباشرة على الجيش والشرطة فوق رؤوس الوزراء المختصين. كما سار ابنه الحسن الثاني، الذي تولى العرش في
10 رمضان 1380هـ 26 فبراير 1961م، على نفس السياسة فجدد الوعد بالدستور للسنة التالية، وسار المغرب في عهده خطوات واسعة في اتجاه
إرساء نظام ملكي دستوري. وتنشط على الساحة السياسية بالمملكة عدة أحزاب كان أشهرها وأكثرها تأثيرًا في بداية عهد الاستقلال حزب الاستقلال
بزعامة علال الفاسي وأحمد بلافريج وحزب الشورى والاستقلال بزعامة محمد حسن الوزاني، ثم ظهر حزب اتحاد القوى الشعبية في أواسط 1379
هـ، أواخر 1959م، بانفصال الجناح اليسارى من حزب الاستقلال وتكتله في حزب مستقل، الأمر الذي أدى إلى انقسام في الحركة النقابية المغربية
بدورها، نتيجة ميل غالبية أعضاء الاتحاد المغربي للشغل إلى الحزب الجديد. ومن أشهر زعماء ذلك الحزب الزعيم الراحل المهدي بن بركة والمحجوب
بن صديق، وقد ظهرت على مر السنين أحزاب جديدة، كما تغيرت أسماء بعض الأحزاب القديمة، فبرزت في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في ذي الحجة1443يونيو1993م على الساحة السياسية المغربية مجموعتان من الأحزاب هما ما يمكن أن نسميهما بأحزاب الأغلبية المعارضة. وتضم المجموعة الأولى كتلة الوفاق الوطني المؤلفة من الحزب الوطني الديمقراطي والاتحاد الدستوري والحركة الشعبية بالإضافة إلى الحركة الوطنية الشعبية وحزب التجمع الوطني للأحرار. بينما تضم المجموعة الثانية الكتلة الديمقراطية المؤلفة من حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي وحزب التقدم والاشتراكية بالإضافة إلى الكونفيدرالية الديمقراطية للشغل وحزب العمل وحزب الشورى والاستقلال
وتؤيد غالبية الأحزاب المغربية النظام الملكي مما يفسر اشتراك قادة معظم هذه التنظيمات في حكومات سابقة وتداولها بين السلطة والمعارضة بيد أن التفاف الأحزاب حول القصر على هذا النحو لا يعني عدم تعرض المغرب لبعض الهزات السياسية، فقد تعرض الملك الحسن الثاني لمحاولتي انقلاب سنتي 1392 1971 و1391هـ 1972م
تميز مطلع القرن الخامس عشر الهجري (الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن العشرين الميلادي) باستقرار أكثر، لكن مسألة البطالة ما زالت تمثل مشكلة كبيرة بالنسبة للمغرب، وخاصة بطالة الشبان الذين يشكلون أكثر من نصف سكان البلاد، نظرًا لارتفاع نسبة التزايد السكاني (أكثر من 27,9 في الألف). وتنعكس هذه الظاهرة في تواصل حركة النزوح وتوسع دوائر أحياء الصفيح حول المدن الكبرى، والساحلية منها خاصة، مثل الدار البيضاء والرباط وسلا والقنيطرة وطنجة وكذلك استمرار سيل هجرة الشباب المغربي إلى الخارج بحثًا عن العمل، وبالخصوص في فرنسا وأسبانيا ودول الاتحاد الأوروبي، ثم المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي. كما يدفع تفاقم التضخم المالي والعجز في الميزان التجاري النظام إلى مزيد من البحث عن صيغ جديدة للتعامل مع دول الاتحاد الأوروبي
ومن الجدير بالذكر أن المملكة المغربية تحظى بفلاحة غنية ومتنوعة نظرًا لتنوع المناخات، فتشغل غراسات الزيتون والحمضيات والكروم وزراعات
القطن واللفت السكري والأرز أخصب الأراضي، في حين تنتشر غراسات الفواكه المختلفة والخضراوات وزراعة الحبوب في مختلف المناطق، لكنها
تقوم بالأساس على الطرق الفلاحية التقليدية، كما تنتج الواحات أصنافًا متوسطة الجودة من التمور. ولا يساهم قطاع تربية الماشية في التصدير نظرًا لارتفاع معدل الاستهلاك المحلي، بخلاف قطاع الصيد البحري الذي يتميز بثرائه وازدهاره، وهو يزود مصانع تعليب السردين بآسفي والمحمدية بحاجاتها
وتحتل الثروات المنجمية مركزًا مرموقًا في الاقتصاد المغربي وخاصة الفوسفات (المرتبة الثالثة بين الدول المنتجة عالميًا)، وتقع أهم مناجمه في خْريبكة واليوسفية ومصقالة. ويليه في الأهمية الحديد والمنجنيز، في أميني، والرصاص والكوبالت والنيكل والزنك والقصدير والنحاس بكميات أقل. في حين لا تملك المملكة من مصادر الطاقة ما يفي بحاجتها، وتتمثل تلك المصادر في كميات قليلة من فحم الأنتراسيت في جرادة، وأخرى من النفط، مع مجموعة من السدود الكبرى لتوليد الطاقة الكهرومائية مثل سدود القنصرة وإمفوت وبين الويدان
وتقوم الصناعات في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط وآسفي وسلا وغيرها بتحويل المواد الأولية المحلية، فنجد مركب تكرير النفط بسيدي
قاسم ومعاصر الزيتون ومصانع الجلود والقطنيات والمصبرات الغذائية
. وقد حققت الصناعة الكيميائية تطورًا ملحوظًا وبالخصوص المتعلقة منها بصناعة الأسمدة. كما تتم معالجة الرصاص والقصدير في مواقع إنتاجها، وهي
تمثل مع الفوسفات والحمضيات أهم صادرات المغرب. وتتجه أكبر نسبة من المبادلات التجارية المغربية إلى فرنسا وتليها في الأهمية دول السوق
الأوروبية المشتركة الأخرى. كما تمثل السياحة ركيزة أساسية للاقتصاد المغربي نظرًا لتشجيع الحكومة لهذا القطاع، واستفادته من تنوع المناظر الطبيعية
والمناخات بالبلاد
أما على مستوى السياسة الخارجية، فقد أصبحت المملكة المغربية عضوًا في هيئة الأمم المتحدة سنة 1376هـ، 1956م، وفي جامعة الدول العربية
سنة 1378 1958 كما بدأت فرنسا تسحب قواتها منذ 1376هـ، 1957م، وقد استغل الملك محمد الخامس إجراء أول تجربة ذرية فرنسية في الصحراء الكبرى، لكي يلغي الاتفاقية الدبلوماسية المعقودة بين بلاده وفرنسا سنة 1375هـ1956م
وبدء محادثات لإجلاء قواتها، فأسفرت عن تحديد شهر شوال 1380هـ، مارس 1961م، آخر موعد للجلاء باستثناء بعض القواعد الجوية التي يقتصر تشغيلها على التدريب، وقد تم الجلاء عنها أيضًا في عهد الملك الحسن الثاني في جمادى الأولى 1381هـ، أكتوبر 1961م. أما القواعد العسكرية الأمريكية التي كانت تتمثل في أربع قواعد جوية حصلت عليها الولايات المتحدة بمقتضى معاهدات مع فرنسا في عهد الحماية، وقد جدد الملك محمد الخامس العمل بها عند حصول المغرب على استقلاله، وقاعدة بحرية على ساحل الأطلسي تعود إلى آخر عمليات الحرب العالمية الثانية، فقد تمت تصفيتها فيما بين 1383 و1391هـ، 1963 و1971م
وقد شهدت العلاقات التونسية المغربية أزمة بسبب اعتراف الحكومة التونسية بجمهورية موريتانيا الإسلامية سنة 1380هـ، 1960م، كما شهدت العلاقات المغربية بالجزائر المستقلة أزمتين حادتين أوصلتهما إلى الصدام المسلح، تعود الأولى إلى الخلاف على رسم الحدود سنة 1383هـ، 1963م. وتعود الثانية إلى مسألة الصحراء الغربية التي نشأت في صفر 1396هـ، فبراير 1976م، بسبب انسحاب أسبانيا من مستعمرتها الصحراوية واقتسامها بين المغرب وموريتانيا، ودعم الجزائر لجبهة البوليساريو، التي أعلنت قيام جمهورية الصحراء الديمقراطية. وبدأت مواجهة مسلحة ضد الدولتين المذكورتين، ولما تخلت موريتانيا عن نصيبها في رمضان 1399هـ، أغسطس 1979م، استرجعته المغربً
ومازالت هذه المسألة قائمة، لكن أحداثها قد خفت بعد جنوح جبهة البوليساريو إلى الحل السلمي على أساس تنفيذ قرارات منظمة الوحدة الإفريقية
وهيئة الأمم المتحدة القاضية بإجراء استفتاء بين سكان الصحراء حال استكمال قوائم الذين يحق لهم الاشتراك في هذا الاستفتاء ومازالت أسبانيا
متمسكة بجيبي سبتة ومليلة المغربيتين، وفشلت محاولات المغرب لاستمالتها للمفاوضة بشأنهما
وقد مهد الانفراج في العلاقات بين المغرب والجزائر إلى عقد القمة الخماسية المغاربية سنة 1408هـ، 1988م، بين الملك الحسن ورؤساء كل من تونس والجزائر وليبيا وموريتانيا، التي تمت فيها المصالحة بين قادة تلك الدول وخاصة بين الملك الحسن الثاني وكل من الرئيس الشاذلي بن جديد والعقيد معمر القذافي الذي راوحت علاقاته به بين القطيعة والتحالف إلى حد الاشتراك معًا في إقامة الاتحاد العربي الإفريقي في ذي القعدة 1404هـ، أغسطس 1984م. وقد تمخضت القمة المغاربية عن إعلان قيام اتحاد دول المغرب العربي
وعلى مستوى علاقات المملكة المغربية مع أقطار المشرق العربي ومشاركتها في حل مشاكل المنطقة، يسجل إسهام المملكة بإرسال فرقة عسكرية إلى
سوريا سنة 1392هـ، 1972م للمرابطة بجبهة الجولان دعمًا للمجهود السوري في حرب رمضان 1393هـ، أكتوبر 1973م ضد إسرائيل. كما ساهمت المملكة أيضًا بفرقة عسكرية في القوات الدولية إبان أزمة الخليج سنة 1411هـ، 1991 - 1992م إثر الاحتلال العراقي للكويت. كما تنسب الأوساط الإعلامية الغربية للملك الحسن الثاني دورًا في إعداد زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس المحتلة في ذي الحجة 1397هـ، نوفمبر1977
وهي الزيارة التي مهدت لاتفاق السلام بين مصر وإسرائيل. وكذلك دورًا في تقريب وجهات النظر بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى جانب الدور الذي قامت به كل من مصر وفنلندا في نفس الموضوع، مما مهد السبيل للقاء عرفات بيريز بواشنطن في ربيع الآخر 1414هـ سبتمبر1993 لتوقيع اتفاق المبادئ على الحكم الذاتي الفلسطيني في أريحا وغزة. علمًا بأن الملك الحسن الثاني كان يرأس لجنة القدس الشريف منذ انعقاد المؤتمر العاشر لوزراء خارجية دول منظمة المؤتمر الإسلامي بفاس في جمادى الآخرة 1399هـ، مارس 1979م إلى حين وفاته في عام 1999م، وتم اختيار الملك محمد السادس رئيساً للجنة. وفي عام 1992م، ترأس الملك الحسن اجتماعات قمة منظمة المؤتمر الإسلامي التي عقدت بالدار البيضاء، كما شارك في قمة (صانعي السلام) بشرم الشيخ بمصر
في 23 يوليو 1999م، توفي الملك الحسن الثاني بعد أن عمل على توحيد بلاده ودعم استقلالها، وبذل جهوداً كبيرة من أجل لم الشمل الإسلامي والعربي
والإفريقي. وفي اليوم نفسه تلقى الملك محمد بن الحسن البيعة في قاعة العرش بالقصر الملكي بالرباط