جاء في تفسير معنى خليفة: (الخليفة في الأصل الذي يخلف غيره أو يكون بدلاً عنه في عمل يعمله، والمراد من الخليفة هنا المعنى المجازي، وهو الذي يتولى عملاً يريده المستخلف مثل الوكيل والوصي، أي جاعل في الأرض مديراً يعمل ما نريده في الأرض... فالخليفة هنا هو الذي يخلف صاحب الشيء في التصرف في مملوكاته ) (1 ).
ويحدد مبدأ الاستخلاف طبيعة الملكية في الإسلام; سواء كانت ملكية خاصة أو عامة. إنه يجعل هذه الملكية تستمد مشروعيتها من تشريعات اللَّه سبحانه وتعالى. وغرس هذا المبدأ في نفس المالك، فرد أو دولة يجعله يتصرف على أنه وكيل على ما في يده، وبموجب هذه الوكالة فإنه يلتزم بالتشريعات المنظمة للملكية، من حيث الوسائل التي يكتسبها بها، ومن حيث الطرق التي يستثمرها بها، ومن حيث الالتزامات (الاجتماعية ) التي يكلف بها بسبب هذه الملكية، مثل الزكاة.
ولمبدأ الاستخلاف رباطه الوثيق مع موضوع مواجهة الفقر، لعلاجه والقضاء عليه. إنه يوجد البيئة العقيدية التي يقبل فيها من بيده الملكية أن يوظف هذه الملكية في معالجة مشكلات المجتمع. هذا الأمر عبر عنه الفقهاء بقولهم: للملكية وظيفة اجتماعية.
ولقد جاء الإسلام بتشريعات متنوعة يستهدف بها علاج الفقر والقضاء عليه. ومبدأ الاستخلاف يعطي الغطاء الرقابي لتنفيذ هذه التشريعات، وذلك لأن المخاطب بهذه التشريعات مستخلف على ما في يده، وهذا يوجد نوعاً من الرقابة، وهي رقابة ذاتية إيمانية، وهي أرقى أنواع الرقابة.
و قد يواجه المجتمع حالات استثنائية تخلق له مشكلات خاصة.. ومبدأ الاستخلاف يجعل المالك يشارك بإيجابية في متطلبات كل مرحلة.
استنتاج:
المناقشة السابقة عن مبدأ الاستخلاف يستنتج منها ما يلي:
(أ ) مواجهة الفقر لعلاجه والقضاء عليه تتطلب بيئة عقيدية صحيحة تحكم الملكية.. ومبدأ الاستخلاف يوفر هذه البيئة العقيدية.
(ب ) بناء على هذه النتيجة، تقبل نتيجة أخرى، هي أن مبدأ الاستخلاف يعتبر من أساليب القضاء على الفقر في الإسلام.. هذا المبدأ وإن لم يمكن ترجمته في أسلوب مادي إلا أنه يهيمن على كل الأساليب المادية التي تُواجه بها مشكلة الفقر.
(ج ) يعطي مبدأ الاستخلاف الأساليب الإسلامية لمواجهة الفقر صبغة تجعلها متميزة. هذا التميز يجيء من انطلاق هذه الأساليب من مبدأ مهيمن عقيدياً على من تقع عليه الالتزامات للمشاركة في مواجهة الفقر. ويمكن أن يوضح هذا المعنى بالآتي: إن المستخلِف يلزم المستخلَف بأن يجعل جزءاً مما استخلف فيه للقضاء على الفقر. هذا هو التميز الذى يتحقق في الأساليب الإسلامية للقضاء على الفقر.
المبحث الثاني: التخصيص الصحيح للموارد الاقتصادية
تبحث نظرية تخصيص الموارد الاقتصادية في كيفية توزيع الموارد الاقتصادية المتاحة على الأنشطة الاقتصادية. والنظام الرأسمالي -كما هو معروف- يجعل السوق هو الذي يقوم بهذا التخصيص.
أما في الاقتصاد الإسلامي، فإن تخصيص الموارد الاقتصادية يضمن ثلاثة أنواع من التخصيص، هي:
(أ ) التخصيص بين القطاع العام والقطاع الخاص.
(ب ) التخصيص بين الجيل الحالي والأجيال القادمة.
(ج ) التخصيص في داخل القطاع العام.