المبحث الخامس: التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء
عند الحديث عن مواجهة الإسلام الفقر لعلاجه باستخدام أسلوب التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء، فإنه قد يفهم أنه الأسلوب الوحيد، ولكن هذا الفهم يجب أن يصحح.. إنه أحد الأساليب، بل إن استيعاب المنهج الإسلامي على النحو الذي عرض في هذا البحث يجعلنا نستنتج أنه الأسلوب الأخير في خطة الإسلام للقضاء على الفقر.
إن اعتبار التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء الأسلوب الأخير في خطة الإسلام للقضاء على الفقر يفهم في الإطار الآتي:
اعتبار التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء الأسلوب الأخير لعلاج الفقر، يعني أن الإسلام يبدأ أولاً بحل مشكلة الفقر من خلال النشاط الإنتاجي، ومن خلال إدارة الاقتصاد، ومن خلال دور الدولة. والإسلام بهذا يحقق الأهداف الآتية، ويتميز بها:
(أ ) علاج الفقر من خلال الآلية التي يعمل بها الاقتصاد.
(ب ) علاج الفقر في إطار النشاط الإنتاجي; أي العملية الإنتاجية.
(ج ) جعل الدولة شريكاً فى المسؤولية عن علاج الفقر.
(و ) علاج الفقر من خلال تخصيص الموارد الاقتصادية ومن خلال نظام الأولويات الاقتصــادية يتضمن رقياً في التعــامل مع الفقير، فلا يحقد ولا يحس بالدونية والهوان، وهذا يعالج نفسية الفقير.
(هـ ) علاج الفقر بوسائل غير التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء يجعل الأغنياء لا يشعرون أنهم يتحملون عبء الفقراء ويضحون من أجلهم، وهذا يعالج نفسية الغني.
والعنصران المذكوران في (د ) و (هـ ) يترتب عليهما عدم وجود صراع في المجتمع، وذلك لانتفاء أسبابه المتعلقة بالفقر.
كما أن اعتبار التـحــويـلات من الأغنــياء إلى الفــقــراء الأسـلــوب الأخير في المنهج الإسلامى لعلاج الفقر، لا يتضمن حكماً بالدونية على هذا الأسلوب. إن هذا الحكم الكيفي غير وارد، وإنما الوارد هو الترتيب الكمي; أي العددي.
في التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء تجيء الزكاة، وهي أحد أركان الإسلام، ولا يقبل بأي حال من الأحوال أن يحكم على أسلوب فيه الزكاة بالدونية الكيفية، لكن يقبل أن يكون الأخير في الترتيب العددي.
وترجمة المنهج الإسلامى لعلاج الفقر بأساليبه الخمسة إلى سياسات اقتصادية واعتبار التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء هي السياسة الأخيرة، يجعل العبء الواقع على هذه السياسة محدوداً بدرجة كافية، وهذا أمر له أهميته الاقتصادية، لأنه يجعل كل ادخارات المجتمع (تقريبا ً) توجه إلى الاستثمار، ولا يقتطع منها للإعانات الاجتماعية إلا في أضيق نطاق ممكن.
وتتكون التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء من سلة بها عدد من الأدوات، منها: النفقة الواجبة (نفقة الأقارب )، الزكاة، الصدقة التطوعية، الضرائب، وعارية الماعون. هذه الأدوات المكونة لسلة التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء تتسع، وتتنوع التحليلات المتعلقة بها. من هذه التحليلات:
- تشتمل هذه السلة على أدوات إلزامية، ومنها النفقة الواجبة والزكاة والضرائب، وأدوات اختيارية ومنها الصدقة التطوعية وعارية الماعون وهكذا. وتنوع الأدوات ما بين إلزامية واختيارية يجعل هذه السلة تشبع شرط الكفاءة الاقتصادية الذي يتحقق من تنوع الأدوات، ومن انخفاض المعدل الذي تفرض به، ومن تنوع الوعاء.
- تأخذ التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء، على نحو تفصيلي، المراحل التالية:
المرحلة الأولى: الإلزام:
تتضمن هذه المرحلة مجموعة من الأدوات: النفقة الواجبة والزكاة. واستكمال القضاء على الفقر بتحويلات من الأغنياء إلى الفقراء بأدوات إلزامية يعطي للمنهج الإسلامي تميزًا. والإسلام بهذه المرحلة يضمن عن طريق الإلزام مواجهة مشكلة الفقر. وهناك مظهر آخر من مظاهر تميز المنهج، وهو أن النفقة الواجبة تعمل على مستوى الأسرة، أما الزكاة فتعمل على مستوى المجتمع. على هذا النحو من التفوق يعمل الإسلام على استكمال القضاء على الفقر بالتحويلات من الأغنياء إلى الفقراء.
المرحلة الثانية: الاختيار:
حث الإسلام على الصدقة التطوعية. لكن يجب أن تفهم الصدقة التطوعية في الإسلام بالطبيعة الصحيحة لها. إنها مرحلة تكميلية. ويعني هذا أن الإسلام لا يعمل على القضاء على مشكلة الفقر بالصدقة التطوعية وحدها كما قد يتصور بعض المشتغلين في هذا المجال.
ويحقق وجود مرحلة للعمل الاختياري التطوعي في القضاء على مشكلة الفقر، للمجتمع الإسلامي رابطة اجتماعية إيجابية. إن هذا التطوع يولد عند الغني الإحساس بالمجتمع، ويولد عند الفقير الإحساس بأن أغنياء المجتمع يشاركونه مشكلته.
المرحلة الثالثة: الإلزام:
قد يعاني المجتمع من مشكلة الفقر بعد تطبيق أدوات المرحلتين السابقتين. هنا يعود الإسلام إلى التشريع الإلزامي فيواجه المشكلة بالتوظيف/الضرائب. والإلزام هنا لا مفر منه، حيث يمثل المواجهة الأخيرة لمشكلة الفقر.
وهناك عناصر تفوُّق في المنهج الإسلامي في القضاء على الفقر بالتحويلات من الأغنياء إلى الفقراء، ومن هذه العناصر:
اتجاهات رائدة فيمن يشملهم الضمان الاجتماعي في الإسلام:
إن أهم الاتجاهات الرائدة لتشريعات الضمان الاجتماعي في الإسلام، أنه يمده بحيث يشمل فئات ليس المعهود -في النظم الوضعية- تغطية احتياجاتها، ومنها:
( أ) المدين:
الإسلام يمد الضمان الاجتماعي ليشمل المدينين الذين استدانوا لمصلحة عامة، كالصلح بين المؤمنين، أو لمصلحة خاصة مشروعة مع العجز عن سداد الدين. والإسلام يهدف بهذا إلى أمور محددة:
- أن ينمي رابطة التعاون بين أفراد الجماعة الإسلامية، وألا يخاف أحدهم من مد يد المعونة بإقراضه، فالمجتمع ممثلاً في الزكاة أو الصدقات التطوعية ضامن أخير عند العجز.
- أن ينقذ من يهدد بالعجز عن ممارسة دوره الإنتاجي بسبب مديونيته (المشروعة ).
- تشجيع المسلمين أن يسعى كل منهم للقضاء على الخصومات بين المتنازعين، وأن يسعى كل منهم في أعمال الخير، وهو أهم الاتجاهات، حتى ولو أدى ذلك أن يغرم، فالمجتمع سيعوضه عن غرمه، ولو كان غير محتاج.
( ب) ابن السبيل:
وهو المسافر الذي نفدت أمواله -والسفر المشروع له صور كثيرة- فيعطى بمقدار ما يسد حاجته، والتشريع الإسلامي بهذا الاتجاه يستهدف تحقيق قيم سلوكية راقية داخل الجماعة الإسلامية.
اتجاهات رائدة في موارد الضمان الاجتماعي في الإسلام:
ضمن موارد الضمان الاجتماعي: الكفارات، ويعني ذلك أن الإسلام يجعل الخطأ يكفر عنه عمل خير موجه للمجتمع، ويتمثل هذا العمل الخير في تغطية بعض حاجات الضمان الاجتماعي، وذلك بإخراج كفارات مالية عــن هـذا الخطــأ. وهذا منحى متمــيز وممـــتاز، وأهميته لا تتمثل في مقدار ما يوفر من موارد للضمان الاجتماعي، وإنما تكمن أهميته الحقيقية فى المعنى الذي يهدف إليه، والقيم التي يغرسها ويربيها في نفس المؤمن من حيث دوره في الجماعة الإسلامية، ومسؤوليته عن توفير احتياجاتها.
اتجاهات رائدة في المجال النفسي في تشريعات التكافل الاجتماعي:
ضمن مراحل التكافل الاجتماعي مرحلة سميت بالمرحلة الاختيارية، وهي التي تظهر فيها صدقة التطوع لمواجهة الضمان الاجتماعي، وكان ضمن التفسيرات التي قدمت لتوضيح هذا الاتجاه الفكري هو أن هذه المرحلة مقصود بها مواجهة ظروف استثنائية، أو ظروف تكميلية عند عجز الموارد السابقة عن تغطية الضمان الاجتماعي، فجعل الإسلام التشريع هنا يختبر ذاتية المؤمن، ومدى تقديره لمسؤوليته الجماعية.
بجانب ذلك، فإن هذا الاتجاه الفكري يشير إلى اتجاهات في النفس الإنسانية من حيث حبها أن تعطي، حتى يتحقق الإشباع لهذا الجانب النفسي في الإنسان. وأيضاً إن جعل هذه المرحلة اختيارية يتوافق مع ضجر النفس الإنسانية من الإلزام، حتى ولو كان في الخير.. ولم يكن مستساغاً أن يترك الأمر كلية للنفس الإنسانية بحيث تعطى إشباعها في هذا المجال، ولكن في الوقت نفسه لم يكن يحتمل أن تحرم كلية من هذا الاختيار، فأعطى الإسلام لها القدر الممكن واللازم لإشباع هذا الجانب في النفس الإنسانية