قال الألباني في " السلسلة الضعيفة و الموضوعة"10/451:
باطل.
أخرجهابن سعد في "الطبقات" (1/ 196) : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني إبراهيمبن محمد بن أبي موسى عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف عن ابن عباس :
أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لما نزل عليه ...
قلت : وهذا إسناد موضوع ؛ آفته : إما محمد بن عمر - وهو الواقدي - ؛ فإنه متهم بالوضع . وقال الحافظ في "التقريب" :
"متروك مع سعة علمه" . وقد تقدمت كلمات الأئمة فيه أكثر من مرة .
وإماإبراهيم بن محمد بن أبي موسى - وهو ابن أبي يحيى ، واسمه سمعان الأسلميمولاهم أبو إسحاق المدني - ، وهو متروك أيضا مثل الواقدي أو أشد؛ قال فيهالحافظ أيضا:"متروك".وحكى في "التهذيب" أقوال الأئمة الطاعنين فيه ، وهي تكاد تكون مجمعة على تكذيبه ، ومنها قول الحربي :
"رغب المحدثون عن حديثه ، روى عنه الواقدي ما يشبه الوضع ، ولكن الواقدي تالف" .
وقوله في الإسناد : "ابن أبي موسى" أظنه محرفا من "ابن أبي يحيى" .
ويحتمل أنه من تدليس الواقدي نفسه ؛ فقد دلس بغير ذلك ، قال عبدالغني ابن سعيد المصري :
"هوإبراهيم بن محمد بن أبي عطاء الذي حدث عنه ابن جريج ، وهو عبدالوهاب الذييحدث عنه مروان بن معاوية ، وهو أبو الذئب الذي يحدث عنه ابن جريج" .
واعلمأن هذه القصة الباطلة قد وقعت في حديث عائشة في حكايتها رضي الله عنها قصةبدء نزول الوحي على النبي صلي الله عليه وسلم ، مدرجة فيه عند بعض مخرجيه، ووقعت في "صحيح البخاري" عن الزهري بلاغا ؛ فقد أخرجه (13/ 297-303) منطريق عقيل ومعمر عن ابن شهاب الزهري عن عروة عنها ؛ وجاء في آخر الحديث :
"وفترالوحي فترة ؛ حتى حزن النبي صلي الله عليه وسلم - فيما بلغنا - حزنا غدامنه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ..." الحديث نحو رواية الواقدي .
وظاهرسياق الحديث في "البخاري" أن هذه الزيادة من رواية عقيل ومعمر كليهما! لكن حقق الحافظ أنها خاصة برواية معمر ؛ بدليل أن البخاري قد ساق في أول "الصحيح" رواية عقيل ، وليس فيها هذه الزيادة .
وأقوى منه : أن طريقعقيل أخرجها أبو نعيم في "مستخرجه" من طريق يحيى بن بكير - شيخ البخاري فيأول الكتاب - بدونها ، وأخرجه مقرونا - كما هنا - برواية معمر ، وبين أناللفظ لمعمر .
وكذلك صرح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر .
وأخرجه أحمد ، ومسلم ، والإسماعيلي ، وأبو نعيم من طريق جمع من أصحاب الليث بدونها . قال الحافظ :
"ثمإن القائل : "فيما بلغنا" هو الزهري ، ومعنى الكلام : أن في جملة ما وصلإلينا من خبر رسول الله صلي الله عليه وسلم في هذه القصة ، وهو من بلاغاتالزهري ، وليس موصولا . ووقع عند ابن مردويه في "التفسير" من طريق محمد بنكثير عن معمر بإسقاط قوله : "فيما بلغنا" ، ولفظه : "فترة حزن النبي صليالله عليه وسلم منها حزنا غدا منه ..." إلى آخره ، فصار كله مدرجا علىرواية الزهري عن عروة عن عائشة . والأول هو المعتمد" .
قلت : يعني : أنه ليس بموصول ، ويؤيده أمران :
الأول : أن محمد بن كثير هذا ضعيف ؛ لسوء حفظه - وهو الصنعاني المصيصي - ؛ قال الحافظ :
"صدوق كثير الغلط" .
وليس هو محمد بن كثير العبدي البصري ؛ فإنه ثقة .
والآخر : أنه مخالف لرواية عبدالرزاق : حدثنا معمر ... التي ميزت آخر الحديث عن أوله ، فجعلته من بلاغات الزهري .
كذلك رواه البخاري من طريق عبدالله بن محمد : حدثنا عبدالرزاق ...
وكذلك رواه الإمام أحمد (6/ 232-233) : حدثنا عبدالرزاق به .
ورواهمسلم في "صحيحه" (1/ 98) عقب رواية يونس عن ابن شهاب به دون البلاغ ، ثمقال : وحدثني محمد بن رافع : حدثنا عبدالرزاق ... وساق الحديث بمثل حديثيونس ، مع بيان بعض الفوارق اليسيرة بين حديث يونس ومعمر ، ولم يسقالزيادة . ولولا أنها معلولة عنده بالانقطاع ؛ لما استجاز السكوت عنهاوعدم ذكرها ؛ تفريقا بين الروايتين أو الحديثين ، مع أنه قد بين منالفوارق بينهما ما هو أيسر من ذلك بكثير ! فدل هذا كله على وهم محمد بنكثير الصنعاني في وصله لهذه الزيادة ، وثبت ضعفها .وممايؤكد ذلك : أن عبدالرزاق قد توبع على إسناده مرسلا ، فقال ابن جرير في "تاريخه" (2/ 305 - دار المعارف) : حدثنا محمد بن عبدالأعلى قال : حدثناابن ثور عن معمر عن الزهري قال :
فتر الوحي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فترة ، فحزن حزنا شديدا ، جعل يغدو إلى رؤوس شواهق الجبال ليتردى منها ... الحديث .
وابن ثور : اسمه محمد أبو عبدالله العابد ، وهو ثقة .
فثبت بذلك يقينا وهم محمد بن كثير الصنعاني في وصله إياها .
فإن قيل : فقد تابعه النعمان بن راشد فقال : عن الزهري عن عروة عن عائشة به نحوه . أخرجه الطبري (2/ 298-299) ؟!
فأقول : إن حال النعمان هذا مثل حال الصنعاني في الضعف وسوء الحفظ ؛ فقال البخاري :
"في حديثه وهم كثير" . وفي "التقريب" :
"صدوق سيىء الحفظ" .
قلت : وفي حديثه هذا نفسه ما يدل على سوء حفظه ؛ ففيه ما نصه :
"ثمدخلت على خديجة فقلت : زملوني زملوني . حتى ذهب عني الروع ، ثم أتاني فقال : يا محمد ! أنت رسول الله - قال : - فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق منجبل ، فتبدى لي حين هممت بذلك ، فقال : يا محمد ! أنا جبريل وأنت رسولالله . ثم قال : اقرأ . قلت : ما أقرأ ؟ قال : فأخذني فغتني ثلاث مرات ؛حتى بلغ مني الجهد ، ثم قال : (اقرأ باسم ربك الذي خلق) فقرأت ..." الحديث !!
قلت : فجعل النعمان هذا الأمر بالقراءة بعد قصة الهم المذكور ، وهذامنكر مخالف لجميع الرواة الذين رووا الأمر دونها ، فذكروه في أول حديث بدءالوحي ، والذين رووها معه مرسلة أو موصولة ؛ فذكروها بعده .
ومن ذلك : ما أخرجه ابن جرير أيضا (2/ 300-301) قال : حدثنا ابن حميد قال : حدثناسلمة عن محمد بن إسحاق قال : حدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال :
سمعتعبدالله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي : حدثنا ياعبيد ! كيف كان بدء ما ابتدىء به رسول الله صلي الله عليه وسلم من النبوةحين جاء جبريل عليه السلام ؟
قلت ... فذكر الحديث ، وفيه - بعد الأمر المشار إليه - :
قال : "فقرأته . قال : ثم انتهى ، ثم انصرف عني ، وهببت من نومي ، وكأنما كتبفي قلبي كتابا . [قال : ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلي من شاعر أومجنون ، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما ! قال : قلت : إن الأبعد - يعني : نفسه - لشاعر أو مجنون ؟! لا تحدث بها عني قريش أبدا ، لأعمدن إلى حالق منالجبل فلأطرحن نفسي منه ، فلأقتلنها فلأستريحن] . قال : فخرجت أريد ذلك ،حتى إذا كنت في وسط الجبل ؛ سمعت صوتا من السماء ..." الحديث .
ولكن هذا الإسناد مما لا يفرح به ، لا سيما مع مخالفته لما تقدم من روايات الثقات ؛ وفيه علل :
الأولى : الإرسال ؛ فإن عبيد بن عمير ليس صحابيا ، وإنما هو من كبار التابعين ، ولد في عهد النبي صلي الله عليه وسلم .
الثانية : سلمة - وهو ابن الفضل الأبرش - ؛ قال الحافظ :
"صدوق كثير الخطأ" .
قلت : ومع ذلك ؛ فقد خالفه زياد بن عبدالله البكائي ؛ وهو راوي كتاب "السيرة" عن ابن إسحاق ، ومن طريقه رواه ابن هشام ، وقال فيه الحافظ :
"صدوق ثبت في المغازي" .
وقدأخرج ابن هشام هذا الحديث في "السيرة" (1/ 252-253) عنه عن ابن إسحاق به ؛دون الزيادة التي وضعتها بين المعكوفتين [] ، وفيها قصة الهم المنكرة .
فمنالمحتمل أن يكون الأبرش تفرد بها دون البكائي ، فتكون منكرة من جهة أخرى ؛وهي مخالفته للبكائي ؛ فإنه دونه في ابن إسحاق ؛ كما يشير إلى ذلك قولالحافظ المتقدم فيهما .
ومن المحتمل أن يكون ابن هشام نفسه أسقطها منالكتاب ؛ لنكارة معناها ، ومنافاتها لعصمة النبي صلي الله عليه وسلم ؛ فقدأشار في مقدمة كتابه إلى أنه قد فعل شيئا من ذلك ، فقال (1/ 4) :
".. وتارك ذكر بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب ؛ مما ليس لرسول الله صليالله عليه وسلم فيه ذكر ... وأشياء بعضها يشنع الحديث به ..." .
وهذا كله يقال على احتمال سلامته من العلة التالية ؛ وهي :
الثالثة : ابن حميد - واسمه محمد الرازي - ؛ وهو ضعيف جدا ، كذبه جماعة من الأئمة ، منهم أبو زرعة الرازي .
وجملةالقول ؛ أن الحديث ضعيف إسنادا ، منكر متنا ، لا يطمئن القلب المؤمنلتصديق هؤلاء الضعفاء فيما نسبوا إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم منالهم بقتل نفسه بالتردي من الجبل ، وهو القائل - فيما صح عنه - :
"من تردى من جبل فقتل نفسه ؛ فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا" . متفق عليه : "الترغيب" (3/ 205) .
لا سيما وأولئك الضعفاء قد خالفوا الحفاظ الثقات الذين أرسلوه .وماأشبه هذا المرسل في النكارة بقصة الغرانيق التي رواها بعض الثقات أيضامرسلا ووصلها بعض الضعفاء ، كما بينته في رسالة لي مطبوعة بعنوان : "نصبالمجانيق لنسف قصة الغرانيق" ، فراجعها تجد فيها - كما في هذا الحديث - شاهدا قويا على ما ذهب إليه المحدثون : من أن الحديث المرسل من قسم الحديثالضعيف ؛ خلافا للحنفية ؛ لا سيما بعض المتأخرين منهم الذين ذهبوا إلىالاحتجاج بمرسل الثقة ولو كان المرسل من القرن الثالث !
بل غلا أحدهم من المعاصرين فقال : ولو من القرن الرابع ! وإذن ؛ فعلى جهود المحدثين وأسانيدهم السلام !
هذا؛ ولقد كان الباعث على كتابة هذا التخريج والتحقيق : أنني كنت علقت فيكتابي "مختصر صحيح البخاري" - يسر الله تمام طبعه - (1/ 5) على هذهالزيادة بكلمة وجيزة ؛ خلاصتها أنها ليست على شرط "الصحيح" ؛ لأنها منبلاغات الزهري . ثم حكيت ذلك في صدد بيان مزايا المختصر المذكور ؛ في بعضالمجالس العلمية في المدينة النبوية في طريقي إلى الحج أو العمرة سنة (1394) ، وفي عمرتي في منتصف محرم هذه السنة (1395) ، وفي مجلس من تلكالمجالس ذكرني أحد طلاب الجامعة الإسلامية الأذكياء المجتهدين - ممن أرجوله مستقبلا زاهرا في هذا العلم الشريف ؛ إذا تابع دراسته الخاصة ولم تشغلهعنها الصوارف الدنيوية - أن الحافظ ابن حجر ذكر في "الفتح" : أن ابنمردويه روى زيادة بلاغ الزهري موصولا ، وذكر له شاهدا من حديث ابن عباس منرواية ابن سعد ؟ فوعدته النظر في ذلك ؛ وها أنا قد فعلت ، وأرجو أن أكونقد وفقت للصواب بإذن الله تعالى .
وإن في ذلك لعبرة بالغة لكل باحثمحقق ؛ فإن من المشهور عند المتأخرين : أن الحديث إذا سكت عنه الحافظ في "الفتح" فهو في مرتبة الحسن على الأقل ، واغتر بذلك كثيرون ، وبعضهم جعلهقاعدة نبه عليها في مؤلف له ، بل وألحق به ما سكت عنه الحافظ في "التلخيص" أيضا !!
وكل ذلك توسع غير محمود ؛ فإن الواقع يشهد أن ذلك ليس مطردا في "الفتح" ؛ بله غيره ، فهذا هو المثال بين يديك ؛ فقد سكت فيه على هذاالحديث الباطل ، وفيه متهمان بالكذب عند أئمة الحديث ، متروكان عند الحافظنفسه ! وقد سبق له مثال آخر - وهو الحديث (3898) - ، وقد أشرت إليه فيالتعليق على "مختصر البخاري" (1/ 277) ؛ يسر الله تمام طبعه . آمين .و قد طبع و الحمد لله.