{45 - 48}
{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ*}
أمرهم الله أن يستعينوا في أمورهم كلها بالصبر بجميع أنواعه، وهو الصبر على طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها, والصبر على أقدار الله المؤلمة فﻼ يتسخطها، فبالصبر وحبس النفس على ما أمر الله بالصبر عليه معونة عظيمة على كل أمر من اﻷمور, ومن يتصبر يصبره الله، وكذلك الصﻼة التي هي ميزان اﻹيمان, وتنهى عن الفحشاء والمنكر, يستعان بها على كل أمر من اﻷمور {وَإِنَّهَا} أي: الصﻼة {لَكَبِيرَةٌ} أي: شاقة {إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ*} فإنها سهلة عليهم خفيفة؛ ﻷن الخشوع, وخشية الله, ورجاء ما عنده يوجب له فعلها, منشرحا صدره لترقبه للثواب, وخشيته من العقاب، بخﻼف من لم يكن كذلك, فإنه ﻻ داعي له يدعوه إليها, وإذا فعلها صارت من أثقل اﻷشياء عليه.والخشوع هو: خضوع القلب وطمأنينته, وسكونه لله تعالى, وانكساره بين يديه, ذﻻ وافتقارا, وإيمانا به وبلقائه.ولهذا قال: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ} أي: يستيقنون {أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} فيجازيهم بأعمالهم {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ*} فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في المصيبات, ونفس عنهم الكربات, وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤﻻء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه, كانت الصﻼة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه.ثم كرر على بني إسرائيل التذكير بنعمته, وعظا لهم, وتحذيرا وحثا.وخوفهم بيوم القيامة الذي {لَا تَجْزِي} فيه، أي: ﻻ تغني {نَفْسٌ} ولو كانت من اﻷنفس الكريمة كاﻷنبياء والصالحين {عَنْ نَفْسٍ} ولو كانت من العشيرة اﻷقربين {شَيْئًا} ﻻ كبيرا وﻻ صغيرا وإنما ينفع اﻹنسان عمله الذي قدمه.{وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا} أي: النفس, شفاعة ﻷحد بدون إذن الله ورضاه عن المشفوع له, وﻻ يرضى من العمل إﻻ ما أريد به وجهه، وكان على السبيل والسنة، {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي: فداء {ولو أن للذين ظلموا ما في اﻷرض جميعا ومثله معه ﻻفتدوا به من سوء العذاب} وﻻ يقبل منهم ذلك {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ*} أي: يدفع عنهم المكروه، فنفى اﻻنتفاع من الخلق بوجه من الوجوه، فقوله: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} هذا في تحصيل المنافع، {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ*} هذا في دفع المضار, فهذا النفي لﻸمر المستقل به النافع.{وﻻ يقبل منها شفاعة وﻻ يؤخذ منها عدل} هذا نفي للنفع الذي يطلب ممن يملكه بعوض, كالعدل, أو بغيره, كالشفاعة، فهذا يوجب للعبد أن ينقطع قلبه من التعلق بالمخلوقين, لعلمه أنهم ﻻ يملكون له مثقال ذرة من النفع, وأن يعلقه بالله الذي يجلب المنافع, ويدفع المضار, فيعبده وحده ﻻ شريك له ويستعينه على عبادته.