* البناء الفني
القصيدة والشعر الحر في الاتجاه الواقعي .
بدايات الشعر الحر:
ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية محاولات تجديد في بنية القصيدة في الشعر العربي , مهدت لها ترجمة علي أحمد باكثير لمسرحية شكسبير ” روميو وجولييت ” , التي كانت ذات أثر كبير في اتجاه بدر شاكر إلى هذا الشكل الجديد لأنه ذكرها في مجال حديثه عن نشأة هذا اللون . ثم ظهرت قصيدة لنازك الملائكة بعنوان ” هل كان حبا ” من ديوانها ” أزهار ذابلة ” .
التغيير السياسي والاقتصادي في المجتمعات العربية . ففي العراق عام 1950 – فترة ظهور الشعر الحر – حفلت الصحف بروح التذمر ثم التحول الفكري والوعي الجديد .
على أن الحرية المنشودة لا تعني الانفلات من كل قيد , فلا بد من شكل فني , أو هيكل عام , فقصيدة الشعر الحر تعتمد التفعيلة بدلا من البحر , وعلى التنغيم الداخلي بدلا من القافية , وامتدادها طولا بدلا من البناء العربي المعروف في شكل القصيدة مما يوحي بتفاعل الفنون وتأثرها .
فالقصيدة في هذا الشعر تأخذ شكلا معماريا في وحدتها وارتفاعها , من هنا تبدت العلاقة بين فن العمارة وفن الشعر,
وشغل بحرا الرجز أولا والمتدارك ثانيا شعراء الشعر الحر , فنظموا على تفعيلاتهما ليسايرا وقع العصر في الثاني , واتساع الأول للزحافات , ونغمته تعبيرية بدائية لاءمت الرغبة المعاصرة في العزوف عن تعقد المدينة .
إن مسألة الصلة بين فني العمارة والشعر توضح تحول القصيدة من كونها عقدا ينتظمه سلك يضم حبات لايشكل انفراطها مشكلة لأننا نستطيع إعادة تركيبها ونظمها كيفما اتفق , إلى قصيدة تتخذ بناء عمرانيا متماسكا إذا ما انتزعنا حجرا انهار البناء , وهذا ما نسميه الوحدة العضوية .
وفكرية الوحدة العضوية قديمة أشار إليها أرسطو في حديثه عن المسرحية , وتأثر بها النقاد بها . ورأى النقاد وجوب تطبيقها في العمل الأدبي , ومشاكلة بناء القصيدة على للبناء الروائي لايعني تقديم أقصوصة شعرية , بل استلهام البناء الروائي أو التصميم المعماري.
ونقرأ في المذكرة الثامنة ” من مذكرات بحار“ للشاعر محمد الفايز لنقف على مسألة البناء الفني للقصيدة في شعر الخليج :
ما زلت أذكر كل شيء من مدينتنا القديمة
ثم يسترسل في ذكراه متتبعا المقل الحزينة والغدران التي جفت , وتصوير العيون المترقبة لسفينة تأتي من البصرة , فإن لاحت يعني أن الله استجاب للدعوات , وهنا تتردد صور تعبق بأريج الإيمان , فالصارية كهلال المئذنة والصلاة لله القادر على إحلال الصبر في النفوس , وعلى الرغم من قسوة الحياة فقد كان الإيمان كافيا :
نحن العطاء إذا تعذرت الحياة على العطاء
وفي السماء
الجنة الخضراء والمطر الذي يروي الحقول
لقد استخدم الشاعر الذكرى لتكون مدخلا لبناء روائي , ولكنه أحيانا يتخذ ما يعرف بالبناء الدرامي .
البناء الدرامي :
اتبعه السياب في مطولاته ” المومس العمياء ” و“ الأسلحة والأطفال ” و “ حفار القبور ” وهو متأثر بالشاعر إليوت في مطولته ” الأرض الخراب ” أو الأرض اليباب .
ونجد في هذه المطولات الصراع والشخوص ولكنها لاتتطور , و المشاهد عوضا عن الأبيات , وعن طريق هذه المشاهد وهذا الصراع النفسي في أغلب الأحيان تنمو القصيدة الدرامية , ويتردد الحوار , كما تتردد الرموز والأساطير بين حين وحين .
وتربط هذه القصائد الدرامية الثلاث عند السياب بين المأساة الخاصة والمأساة العامة , فننتقل من مجرد حفار إلى موقف إنساني كامل من الموت والحياة.
يقول السياب :
ضوء الأصيل يغيم كالحلم الكئيب على القبور
واه , كما ابتسم اليتامى أو كما بهتت شموع
في غيهب الذكرى يهوم ظلهن على دموع
والمدرج النائي تهب عليه أسراب الطيور
كالعاصفات السود كالأشباح في بيت قديم
برزت لترعب ساكنيه
من غرفة ظلماء فيه
يبدو الإطار الرهيب حين يغيم ضوء الأصيل على رؤوس القبور فيشبه الحلم الكئيب المتلاشي كالشموع الباهتة في مأتم حزين إذ تتراقص ظلالهن على الدموع والآهات , وهنا يبرز الحفار فنتصوره بكفيه الجامدتين وبعينيه الخاليتين من بريق الحياة وبفمه الذي يشبه فتحة في جدار متهدم , فالمشهد تعدى الوصف إلى الإيحاء.
والحفار يعيش بالموت , يحث خطى ملك الموت , يوغل في تصوراته , فيتمنى الموت للجميع ليشبع نهمه إلى المحرمات , وهذا ماولد صراعا عنيفا بين تمنيه الحرب والثورة عليها , وإذا ما التفت إلى نفسه وشعر بوحشيته , اعتذر , فهو لايصنعها , هو جائع يقتات من الموت , هو أمي , وصانع الحرب متحضر , إنه كالمرأة التي تعيش صراعا بين المبدأ والحاجة .
وليس من العبث أن يربط الشاعر بين الشخصيتين في قصيدته , إن حفار القبور مخيف ذهب أبعد من مسألة التناقض بين المبدأ والحاجة , حين استرد ما عطاه لها حين يواريها التراب :
ماتت كمن ماتوا وواراها كما وارى سواها
واسترجعت كفاه من يدها المحطمة الدفينة
ما كان أعطاها
وتظل أنوار المدينة وهي تلمع من بعيد
ويظل حفار القبور , ينأى عن القبر الجديد
متعثر الخطوات يحلم باللقاء وبالخمور
تتبدى ملامح الأسطورة في القصيدة من العودة إلى رحم الأرض من جديد, وقد أثارها الشاعر ضد مشعلي الحروب الذين رمز إليهم بالحفار .