* الشعر المعاصر في اليمن
الرؤية والفن
د.عز الدين اسماعيل
رحلة الفن في الشعر اليمني :
الشعر اليمني المعاصر جزء من الشعر العربي , وإن كانت له رحلته الخاصة في عالم المعنى , فقد ارتبط الشعر اليمني المعاصر بهموم الإنسان اليمني الخاصة واتسعت دائرة الهموم لتستوعب هموم الآخرين أو تشارك فيها .
أما فيما يخص تطور الفن في اليمن فهو وإن اتفقت أبينته وأشكاله تتوافق مع كل الأبنية التي استخدمها الشعر العربي الحديث , كان له مسيرته الخاصة .
الخصائص الفنية للرؤية الفنية :
(أ) الرؤية الكلاسيكية للواقع .
(ب) الرؤية الرومانتيكية .
(ج) الرؤية الواقعية الفنية للواقع.
الخصائص الفنية للرؤية الفنية
(أ) الرؤية الكلاسيكية للواقع :
ونعني بها طريقة تعامل الفنان مع الواقع وتصوره للأشياء , فالشاعر يتفاعل مع الواقع فنيا ومن خلال صراعه مع موضوعه يولد العمل الفني , وبولادة العمل الفني يكون الفنان قد انتصر.
ومن خلال عملية الصراع تتكشف زوايا كل من الذات والموضوع وتتحدد أبعادهما ومن حصيلة هذه الأبعاد تتكون الرؤية الفنية .
لقد عكس قدرا من الشعر اليمني عن رؤية الشاعر الكلاسيكية للواقع . ونورد مثالا على ذلك مقطوعة للشاعر ”عبد الرحمن بن محمد قاضي ” بعنوان ” إلى أصحاب السواعد السمر ” تقول المقطوعة:
لقد عكس قدرا من الشعر اليمن رؤية الشاعر الكلاسيكية للواقع . ونورد مثالا على ذلك مقطوعة للشاعر ”عبد الرحمن بن محمد قاضي ” بعنوان ” إلى أصحاب السواعد السمر ” تقول المقطوعة :
أيها العاملون دمتم لشعبي ذخره في البناء والتعمير
بكمو سوف يرتقي قمة المجد ويجني ثمار عيش نضير
أنتمو- رغم ما به قد تقومون من الكدح والعناء المرير-
أنتمو- رغم ما تعانون من ويلات جهد مضن وعبء كبير-
فوق من يقع الحياة قريرا مطمئنا على الفراش الوثير
بوركت ثم بورطت من زنود , وجهود لكم غدت كالصخور
عيشكم منتجين عيش ذوي الإيسار من دونه , وعيش القصور
فماذا يرى الشاعر في هذه المقطوعة؟
يثمن الشاعر جهد العمال في البناء والتعمير , وأن الشعب سيبلغ قمة المجد عن طريق ما يقومون به من أعمال تسمو على مايقوم به أولئك الميسورين الفارغين.
إنها رؤية تقريرية لما هو كائن وهذه رؤية بسيطة سطحية لأن الشاعر لم يعرف هؤلاء المال , ولم يدخلهم في تجاربه الشخصية , بل كون لهم تصورا ذهنيا .
لذلك غابت هموم العمال , وتصور الشاعر لحياة أفضل .
ولكن ما لذي يخرج الشاعر من نطاق الرؤية الكلاسيكية الضيقة إلى إطار من الرؤية أوسع وأعمق؟
ليس الطريق الفلسفي , بل أن يعيش التجربة بكل أبعادها , وأن يتفاعل مع موضوعه تفاعلا حقيقيا .
وإذا انتقلنا إلى نموذج آخر للشاعر ” محمد سعيد جراءة ” عنوانها ” ليبيا في خطاب الرئيس خمال عبد الناصر ” يتحدث فيه الشاعر عن مؤتمر القمة الذي عقد سنة 1964 وعن قضية فلسطين , فماذا يقول؟
قادة العرب توافوا زمرا في سماء أشرقت بالشهب
دفنوا الأحقاد والأضغان في لحظة توجب موت الغضب
سمعوا صوت فلسطين التي جرحها الناغر لما يرأب
جرح إسرائيل هاتيك التي ولدت مسخا عديم النسب
غرز الغرب شبا خنجرها في حمى الله ومحراب النبي
ورعاها حاقدا أو واقعا تحت تأثير الطماع الأشعبي
كيف ننسى فلذة مبتورة من كيان الوطن المغتصب
نزح المليون من أبنائها ثاكل الأهل سليب النشب
إن كلام كلام الشاعر لا يخرج عن توصيف لحال وفود القادة العرب إلى لقاء القمة تلبية لصوت فلسطين الجريح , ذلك الجرح النازف أبدا الذي ينبغي ألا يهمل , ثم ذكر مآسي الفلسطينيين.
لقد افتقرت الأبيات إلى رؤية فنية , فسجل الشاعر تسجيلا صحفيا أخبارا عامة , لا تلامس المشكلة الحقيقية .
فالنص لا يجيب عن أي سؤال أو استفسار يدور في أذهاننا .
لذلك فالنص كما هو الأول لا يخرج عن الرؤية الكلاسيكية السطحية .