الموضوع: اللغة العربية محاضرات الادب الاندلسي
عرض مشاركة واحدة
قديم 2012- 5- 2   #15
بنوته11
أكـاديـمـي فـعّـال
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 41584
تاريخ التسجيل: Wed Dec 2009
المشاركات: 380
الـجنــس : أنـثـى
عدد الـنقـاط : 247
مؤشر المستوى: 69
بنوته11 has a spectacular aura aboutبنوته11 has a spectacular aura aboutبنوته11 has a spectacular aura about
بيانات الطالب:
الكلية: كلية الاداب بالدمام
الدراسة: انتظام
التخصص: اللغة العربيه
المستوى: المستوى السابع
 الأوسمة و جوائز  بيانات الاتصال بالعضو  اخر مواضيع العضو
بنوته11 غير متواجد حالياً
رد: محاضرات الادب الاندلسي

النثر الأندلسي
أغراضه وفنونه وسماته:
تأثر النثر في الأندلس بالنثر في المشرق العربي، ولذلك يلاحظ الباحث أن أي تطور في النثر المشرقي أو تجديد فيه لا بد أن تنعكس آثاره على أهل الأندلس، فإذا كنا قد تعرفنا عند دراستنا للنثر العباسي على طريقة الجاحظ وابن العميد وبديع الزمان، فإننا سنجد أصداء ذلك في الأندلس.
وقد امتاز كثير من كتاب الأندلس بجمعهم بين الشعر والنثر كابن زيدون وابن شهيد وابن برد ولسان الدين بن الخطيب، فكان لهذا الجمع بين الفنين أثره في صبغ النثر بالصبغة الشعرية، مما أعطاه جمالاً ورقة وحسن اختيار للألفاظ والأساليب.
أهم فنون النثر الأندلسي:
الخطابة:
عندما دخل العرب الأندلس فاتحين كانوا بطبيعتهم ميالين إلى الخطابة، ثم إن عصر الولاة كان عصر اضطراب وحروب وصراع بين العصبيات العربية، فكان ذلك داعياً إلى ازدهار الخطابة في الأندلس في ذلك العصر، فكانت الوسيلة الفعالة في إشعال الحروب وتأييد العصبية القبلية عندما تكون الحروب والنزاعات بين العرب العدنانيين والقحطانيين، وكانت الوسيلة فعالة في الحث على الجهاد وقتال الكفار عندما تكون الحروب ضد نصارى الأندلس.
وكانت الخطابة في تلك الفترة تتميز بالسهولة والوضوح والإِيجاز والبعد عن التكلف؛ لأن الخطباء من الولاة والأمراء والقادة كانوا عرباً مطبوعين على الخطابة والارتجال.
ولكن عندما استقرت الأمور ومال الناس إلى الدعة ضعفت الخطابة الأندلسية، وتفوق الشعر والنثر الفني عليها، وإن كانت الخطابة الدينية قد ازدهرت بفضل بعض العلماء الذين كانوا يجيدون الخطابة كالقاضي منذر بن سعيد البلوطي.
وعندما عادت الأندلس إلى عصر الاضطراب والحروب في عهد ملوك الطوائف والمرابطين والموحدين كانت الملكة والسليقة العربية قد ضعفت، فلم تزدهر الخطابة من جديد مع وجود دواعي الازدهار، بل دخلها كثير من الصنعة اللفظية، وامتلأت بالسجع المتكلف فضعفت، ولم يعد لها تأثير يذكر.
وأشهر خطباء الأندلس: طارق بن زياد فاتح الأندلس، والأمير عبد الرحمن الداخل مؤسس الحكم الأموي في الأندلس، ومنذر بن سعيد البلوطي، والقاضي عياض، ولسان الدين بن الخطيب.


نماذج للخطابـة:
خطبة طارق بن زياد فاتح الأندلس:[1] "أيها الناس، أين المفر، البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأقواته موفورة وأنتم لا وزر[2] لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات لكم إلا ما تستخلصونه من أيدي أعدائكم. وإن امتدت لكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمراً، ذهبت[3] ريحكم، وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة[4] هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة. وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت، وإني لم أحذركم أمراً أنا عنه بنجوة[5]، ولا حملتكم على خطة أرخص فيها متاع النفوس إلا وأنا أبدأ بنفسي. واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلا استمتعتم بالأرفه الألذ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفى من حظي. وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان من بنات اليونان الرافلات في الدر والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقيان[6]، والمقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان. وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عزبانا[7]، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارا[8] وأختانا[9]... ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمها خالصا لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم، والله تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكرا في الدارين. واعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم لذريق فقاتله إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي، فان هلكت بعده فقد كفيتكم أمره، ولم يعوزكم بطل عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا الهمَّ من فتح هذه الجزيرة بقتله، فإنهم بعده يُخْذلون".
1. نفح الطيب للمقري ج1 ص225.
2. وزر: حمل تحملونه.
3. ذهبت ريحكم: ذهبت قوتكم.
4. المناجزة. سرعة المقاتلة والا شتباك.
5. نجوه: منجاة. أي إنني معكم في هدأ الأمر الخطير.
6. العقيان: الذهب.
7. عزبان: جمع أعزب وعازب أي الذي لم يتزوج.
8. أصهار: جمع صهر، القريب وزوج بنت الرجل أو أخته.
9. أختان: جمع ختن، وهو أبو امرأتك أو أخوها. فالأحماء من قبل الزوج، والأختان من قبل الزوجة، والأصهار تجمعهما.



http://www.alsamrun.jeeran.com/mh20.htm

مميزات النثر الأندلسي:
الشعر في الأندلس امتداد للشعر العربي في المشرق؛ فقد كان الأندلسيون متعلقين بالمشرق، ومتأثرين بكل جديد فيه عن طريق الكتب التي تصل إليهم منه, أو العلماء الذين يرحلون من الشرق أو الأندلسيين الذين يفدون إلى الشرق للحج أو لطلب العمل, فكانت حبال الود ووشائج القربى قوية بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه.
وكان الأندلسيون ينظرون إلى الشرق وما يأتي منه نظرة إعجاب وتقدير؛ فكانوا في غالب أمرهم مقلدين للمشارقة, ويبدو ذلك واضحا في ألقاب الشعراء وفي معارضاتهم لشعراء المشرق.
ولكن هذا التقليد لم يمنعهم من الإبداع والابتكار, والتميز بميزات تخصهم نتيجة لعوامل كثيرة, أهمها البيئة الأندلسية الجديدة الجميلة التي طبعت الأدب الأندلسي بطابع خاص.
ويمتاز الشعر الأندلسي في ألفاظه ومعانيه وأخيلته بسمات تبدو واضحة في مجمله, ومنها:
1. وضوح المعنى, والبعد عن التعقيد الفلسفي أو الغوص على المعاني وتشقيقها.
2. سهولة الألفاظ وسلاستها, والبعد عن التعقيد والغموض, وذلك ناتج عن بساطة الأندلسيين وبعدهم عن التعقيد في كل شيء. ويستثنى من ذلك شعر ابن هانيء وابن دراج, فهما يقربان من شعر المشارقة من حيث الجزالة والقوة.
3. قلة الدخيل والألفاظ الأعجمية؛ فقد لاحظ الدارسون أن الأندلسيين أكثر تمسكا بالعربية الفصحى من غيرهم.
4. التجديد في بعض أغراض الشعر والتفوق فيها, ويبدو ذلك واضحا في رثاء الممالك الزائلة, وفي وصف الطبيعة.
5. الخيال المجنح, وبراعة التصوير, والاندماج في الطبيعة, ووصف مناظرها الخلابة, وذلك أثر من آثار جمال الطبيعة الأندلسية, وتعلق الأندلسيين بطبيعة بلادهم, وانعكاس ذلك على شعرهم سواء من ناحية الألفاظ المنتقاة أو الخيال أو التصوير والتشخيص.
6. التجديد في الأوزان, وذلك باختراع الموشحات، وسوف نتحدث عن الموشحات حديثا مفصلا.
7. البعد عن المحسنات اللفظية المتكلفة والمبالغة, وبروز التشبيهات الجميلة والاستعارات الدقيقة وحسن التعليل.
والخلاصة أن الأندلسيين قد قلدوا المشارقة, ولكن هذا لم يمنعهم من الابتكار والتفوق في مجالات عديدة ورد ذكرها فيما سبق.


http://64.233.183.104/search?q=cache...B3%D9%8A&hl=ar

قصيدة النثر واستدعاء النموذج الأندلسي:
تعرّف قصيدة النثر بأنها قصيدة تتميز بواحدة أو أكثر من خصائص الشعر الغنائي، غير أنها تعرض في المطبوعات على هيئة النثر وهي تختلف عن الشعر النثري Poetic prose بقصرها وبما فيها من تركيز. وتختلف عن الشعر الحر Free Verse بأنها لا تهتم بنظام المتواليات البيتية. وعن فقرة النثر بأنها ذات إيقاع ومؤثرات صوتية أوضح مما يظهر في النثر مصادفة واتفاقاً من غير غرض. وهي أغنى بالصور وأكثر عناية بجمالية العبارة، وقد تكون القصيدة من حيث الطول مساوية للقصيدة الغنائية لكنها على الأرجح لا تتجاوز ذلك وإلا احتسبت في النثر الشعري(1).
وقد عمد بعض روّاد حركة الحداثة في الشعر العربي إلى تنظير سوزان برنار لهذه القصيدة فاقتبس أنسي الحاج وأدونيس(2) كلاهما التعريف الذي يقوم على بيان طبيعة هذا اللون الأدبي بالإشارة إلى ما فيه من وَحْدة وإيجاز تركيز ومجانية، أي: خلوها من الغرض التعليمي أو التثقيفي الذي يمكن أن يهدف إليه النثر(3). وهذا التعريف ـ في الواقع ـ لا يتمتّع بأي تحديد منطقي للمعرف. فالقصيدة الغنائية هي الأخرى تتميز بالوحدة، والتركيز، والبعد عن أن يكون لها مقابل نثري.
وتبدو المشكلة نابعة من مغالطة المصطلح نفسه: "قصيدة النثر" فهذه التسمية التي أجْمع عليها بعض الشعراء تنسب القصيدة إلى النثر وليس إلى الشعر. ونسبة الشيء إلى شيء آخر تجعله جزءاً منه، وصفاته الفنية والجمالية كصفاته. فنسبة القصيدة إلى النثر توجب أن نتوقع خصائص النثر فيها لا خصائص الشعر. والحيرة في تسمية هذا الذي هو قريب إلى الشعر وبعيد عن النثر حيرة ليست جديدة.
فقد أطلق أمين الريحاني على ما كتبه من قصائد تخلو من الأوزان والقوافي شعراً حراً قرنه بشعر والت وايتمان(4). وسماه ميخائيل نعيمة بالشعر المُنْسَرِح. وسمّاه رئيف خوري سجْعاً نتيجة التزامه بالقوافي(5). واستخدم استخداماً مقروناً بالتحفّظ تعبير الشعر المرسل Blank Verse للدلالة على هذا النوع من الشعر. واستخدمت جماعة الديوان هذا المصطلح فيما استخدمت جماعة أبولو مصطلح الشعر الحر Free Verse في وصف ما يكتبونه من شعر تمتزج فيه البحور والأوزان. وذلك ما أوضحه أحمد زكي أبو شادي في غيْر موْضع(6). وقد ظهرت هذه المصطلحات جميعاً ولم يبرز في سياق التداول الاصطلاحي تعبير "قصيدة النثر" إلا بعد ظهور مجلّة شعر وتقديم سعيد عقل لديوان المجدلية وعرضه لديوان توفيق صايغ ثلاثون قصيدة(7). واختُلف فيمن كتب "قصيدة النثر" أولاً. فمنهم من ينسب فضل الرّيادة فيها للريحاني(8). ومنهم من ينسبها إلى توفيق صايغ، ومنهم من يرى في جبرا إبراهيم جبرا رائداً لهذا النوع من الشعر(9).
وليس المهم من هو أول من كتب قصيدة النثر. ولكن الأكثر أهميّة هو أنّ هذه القصيدة فرضت نفسها على القارئ. فبعد أن انحسرت موجة مجلة شعر التي برزت فيها المعايير النقدية لتيار الحداثة الذي أسهم فيه يوسف الخال وأنسي الحاج وأدونيس وجبرا وشوقي أبو شقرا ومحمد الماغوط وآخرون عادت هذه القصيدة لتتصدّر دائرة السؤال حول الحداثة ونقيضها فأثير حولها جَدلٌ واسع في المجلاّت. وتُعنى بها الآن دور النشر. ولا تخلو منها بعض المهْرجانات التي تنظّم في البلاد العربية من حين إلى آخر على الرّغم من أنّ هذه القصيدة تُقْرأ ولا تلقى(10). ويقال إن عِراراً- مصطفى وهبي التل- كتب في سنة 1926 نصّاً بعنوان زيزاء وصفه بأنه شعر منثور. ونشره محقق عشيات وادي اليابس(11). والمتأمل في النص يجده قريباً ممّا يعرف بقصيدة النثر من حيث الخصائص الجمالية للشكل النثري. فهو شديد العناية بالصورة. والإيقاعات الموسيقية لديه بائنة الوضوح: "في كلّ مقاس شِبْر من ثراك مَجَرُّ أذيالِ صبابات صافية الذيول، ومناخ عواطف ريّانة الإحساس والشّعور، وما زالت أجواؤك خافقةً بحفيف أجنحة التواجد والشوق، وفضاؤك مفعم بَرجْع أصداء وجيف القلوب العانية. فإنّ اتسامك باليباب، ووَسْمَكِ بالعفاء، سيظلّ وهماً كاسياً رداءَ الحقيقة. وجزافاً متزّملاً وشاح الصحيح"(12). ولا يخفى أنّ لِعرار محاولات في تجديد الشعر اصطبغت بالتخلّي عن البحر واللجوء إلى التفعيلة في قصيدتين على الأقل من قصائده(13).
أما أمجد ناصر وهو موضع اهتمامنا في هذا البحْث فقد استهل تجربته بقصائد من الشعر الذي عُرف في الأدبيّات المعاصرة باسم الشعر الحر، فصدرت له مجموعة مديح لمقهى آخر" 1979 ومنذ جلعاد كان يصعد الجبل 1981 وفي هذا الديوان مزج بين قصيدة النثر والقصيدة الغنائية التي تقوم على استخدام التفعيلة الواحدة. وتتابعت دواوينه النثرية فظهر رعاة العزلة 1986 ووصول الغرباء 1990 وسُرّ من رآك 1994. وظهرت له مجموعتان من المختارات الأولى: أثر عابر 1995م والثانية: مختارات شعرية 1999 وقبل هذا الكتاب الأخير صدرت له قصيدة نثرية مطولة بعنوان مرتقى الأنفاس 1997 تقع في كتاب كامل وهي مَوْضع حديثنا في هذا البحث.
وسأكتفي من الحديث عن مجموعاته الشعرية التي سبقت النص الأخير "مرتقى الأنفاس"، بتذكير القارئ المتتّبع لأشعار أمجد ناصر المُبكّرة والمتأخّرة بما كنت قد ذكرته في دراستي لأعماله 1979- 1995(14) من حيث أنّ الشاعر المتمرّس بالقصيدة الغنائية ذات الإيقاع الخارجي الموزون أقدر من غيره على كتابة قصيدة النثر، إذ إنّ تخلي الشاعر عن الوزن يحتاج إلى بديل يعوّض النقص الذي اختلّت به القصيدة نتيجة التخلّي عن الموسيقى(15).
والتجأ الشاعر إلى بدائل منها عناصر صوتية إيقاعية مثل توازن الألفاظ وتكرار الحروف ومراعاة التوقّع لدى المتلقي إما بتقديم ما يُلائم هذا التوقع أو بتجاوزه وتقديم ما يعدّ انكساراً لأفق التوقع يُحْدِث الدّهشة التي تفاجئ القارئ:
ستمضي إذاً أيها الوطن المختوم.
بالشمع الأحمر.
والمسجّى
بين أزهار الدفلى
إلى مثواك الأخير
رايةً ممزقة
ورؤوساً منكس.
بلا حماسة.
أو حزن.
ستمشي الجنازة
وطبلٌ واحد،
يقرع قلبي.(16)
وعلاوةً على ذلك استخدم الشاعر الثنائيات الصوتية كالإيقاع الصاعد مقابل الإيقاع الهابط الذي توضحه كلمتا (دفلى) و(مختوم) مثلاً. والتوازن في الأبنية الصَّرْفية المتجاورة الذي توضحه كلمتا "ممزقة" و"منكّسة" مستغلاً ما في هذه الأبنية الصرفية من مقاطع صوتية منبورة Stress Sellable والإفادة من تجاور مخارج الحروف الذي يتضح في كلمتي "ممزّق" و"منكس" و"يقرع" و"قلب" مع ما في اختلاف موقِعَيْ الحرف نفسه من تأثير على الصّدى الصوتي للملفوظ الشعري(17). يضاف إلى ذلك الإفادة من التكرار الصوتي الذي يشمل الحرف والكلمة والتركيب الجملي. وشعرية الوحدة اللفظية الدالة متّبعاً الانحراف عن المعيار المعجمي. وقد يتجاوز هذا الانحراف بُعْده الدلالي إلى التركيب البنيوي الذي يخلخل النسق النحوي بتعبير ياكبسون فيلجأ إلى بنية التقديم أو التأخير مستبعداً قواعد الاطّراد والتسلسل المعروفة في النثر(18).
وتختلف قصيدة مرتقى الأنفاس عن غيرها من أشعاره، فبالنظر إلى طول القصيدة نجد الشاعر يخالف أحَدَ الأشراط التي قام عليها تعريف موسوعة برِنْستون لقصيدة النثر.
فلابدّ في هذه القصيدة من أن تكون قصيدة وأنْ لا يزيد طولها في مطلق الأحوال عن ثلاث أو أربع صفحات فهي من حيث الطول تماثل القصيدة الغنائية وإذا تجاوزت ذلك فقدت توازنها وتأثيرها وتصْبح أقرب إلى النثر منها إلى الشعر(19) ونحن في مرتقى الأنفاس(20) أمام قصيدة تتألف من ثلاثة فصول كلّ فصل منها يتألف من أناشيد أو مقاطع أو نصوص بعضها يميزها الشاعر بعنوانات فرعية وبعْضها ميّزه بأرقام متسلسلة لاتينية تعلن عن انتقاله من جزء إلى آخر. إلى جانب البياض الذي يفْصِلُ عادة بين نصّ وآخر أو فِصْلة وأخرى. هذا علاوة على )مقدّمة نثرية) يستهل بها كل فصل من الفصول الثلاثة إذا جاز التعبير. وقبل المضيّ في تحليل هذه القصيدة للكشف عن بنيتها الشعرية في مستوياتها، النصّية المختلفة صوتياً ودلالياً وتركيبياً نودّ أنْ نُلْمِح إلى شيءٍ مهم وهو أنّ القصيدة تقوم على استخدام تقنية القناع وهي تقنية استخدمها شعراء كثيرون لأن التحدّث من وراء القناع في العادة أبلغ تعبيراً وأقوى تأثيراً وأغزَرُ تخييلاً وأوفْر تصويراً(21) واتخاذ أبي عبد الله الصغير آخر سلاطين الأندلس قناعاً للشاعر في هذه القصيدة يضعنا وجهاً لوجه أمام حقيقة بارزة. وهي أنّ الشاعر أمجد ناصر يواصل ما بدأه آخرون من حيث استدعاء النموذج الأندلسي في الشعر الحديث للتعبير عن تفاعل الحاضر بالماضي وتذكير المعاصرين ممن يقرؤون النصّ بأنهم يعيشون حاضرهم بوصفه تاريخاً سبق إنجازه. وقد يفسّر هذا لجوء أمير الشعراء أحمد شوقي إلى اتخاذ صقر قريش موضوعاً لقصيدة من عيون شعره(22). وإلى الإنحاء باللائمة على أبي عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس في التفريط بها والتخلّي عنها من غيرْ دفاع(23). ومثلما التفت شوقي إلى الأندلس التفت الجواهري والتفت المحدثون كالبياتي وسعدي يوسف وأحمد عبد المعطي حجازي وأدونيس فيتحول الصقر (وملوك الطوائف) ومحمد عفيفي مطر في بوابة طليطلة وخالد أبو خالد في قصيدة صقر قريش ومحمود درويش الذي استخدم شخصية أبي عبد الله الصغير في بناء شعري لجأ فيه إلى القناع(في قصيدة أحد عشر كوكباً على المشهد الأندلسي) (24).
وأمجد ناصر في (مرتقى الأنفاس) يقسّم قصيدته إلى ثلاثة أقسام يبدو من عنواناتها أنّ فيها حركة وانتقالاً من الاستهلال إلى الوسط ثم الخاتمة. ففي القسم الأول توديع غرناطة. وفي الثاني مشيئة الأفول وفي الثالث تنحدر القصيدة باتجاه النهاية مرتقى الأنفاس.
ولقد استهل كل قسم منها بمقدمة مقتبسة من كتابات نثرية معروفة حول سقوط غرناطة. وهذه الاقتباسات التي أحال في بعضها إلى مجنون إلزا لأراغون الشاعر الفرنسي، وفي بعضها للكاتب القصصي الأمريكي واشنطن أرفنج وكتابه قصص الحمراء(25) وأحال آخرها إلى شاتو بريان صاحب رواية آخر بني سراج(26) هذه المواد المقتبسة تشير في الحقيقة إلى اللحظات الأخيرة من حياة أبي عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس. وقد يكون من المُسْتحسن أنْ نعرّف بهذا السلطان ونَذْكُر طرفاً من سيرته وأخباره لما له من صلة متينة وقوية بهذه القصيدة، فلا يمكن للقارئ أن يقف على دلالاتِ النص ورموزه دون معرفة بتلك السّيرة.
أبو عبد الله الصغير:
والمعروف أن اسمه محمد بن علي. وكان أبوه قد تزوج من إسبانية (ايزابيل) التي اعتنقت الإسلام وعرفت باسم الثريا وأنجبت لأبيه أبناء ينافسونه على عرش غرناطة، الأمر الذي أوغر صدر أمه عائشة فحرّضته على أبيه الذي لم يبْخل عليه بولاية العهد. وفي سنة 1483 انقلب على أبيه مستغلاّ خروجه في الغزو واستولى بمعونة حميّهِ علي العطار على "الحمراء" ونصب نفسه أميراً للأندلس بعد أن لقي تأييداً في ربض (البيّازين) أكبر أحياء غرناطة في ذلك الحين. ونصحته أمه أن يحقق انتصاراً على الأسبان يكتسب به محبة شعبه فوجّه حملة إلى اليسانة Lucena فقد فيها قائد جنده علي العطار ووقع كثير من جيشه في الأسر. وكان هو نفسه من بين الأسرى. وخشي الأسبان إنْ هُم احتفظوا به أسيراً أن يرجع المُلْك لأبيه الذي كان حتى ذلك الحين يخوض غمار الحرب لاستعادة العرش. أو أنْ يتحالف الأب مع أبي الحسن الزَّغل وفي ذلك ما فيه من خطورة فأطلقوا سراحه بعد أن أجبر على توقيع معاهدة يعترف فيها بطاعته للملكين فردناندو وإيزابيلا وأنْ يدفع جزية سنوية كبيرة، وإطلاق سراح 400 أسير إسباني كانوا في حوزة الأندلسيين وأن يقدّم ولده الأكبر وأبناء بعْض أمرائه وقوّاده رهائن لضمان تنفيذ الاتفاق(27).
وهذا الاتفاق عمّق الفُرْقة والخلاف في صفوف الأندلسيين فقد اتهم الزغل أبا عبد الله بالجبن وأنه باع غرناطة لقاء تحريره من الأسر. ثم تتابعت بعد ذلك اتفاقيات الملك الصغير مع ملكي قشتالة وأراغون. ومنها اتفاقية لوشة التي تعهّد بموجبها بمحاربة عمه الزغل وأن يكتفي بلقب دون ويتخلّى عن لقب المَلِك. وهذا الاتفاق أججّ الحروب الأهلية في غرناطة مما عجّل في السقوط الذي اتضحت بوادره في ضياع مالقة والمريّة ووادي آش. ولم يتبق في أيدي المسلمين سوى غرناطة التي حوصرت حصاراً شديداً أجبر أهلها ولا سيما الأعيان على الرضوخ في الثاني من كانون الثاني من العام 1492 وسلّم أبو عبد الله بنفسه مفاتيح الحمراء للملكين الكاثوليكيين وسُمِحَ له بالبقاء مدّة في برشانة Purchena وضيّق عليه الإسبان تضييقاً شديداً إلى أن غادر برشانة إلى البشرات ثم إلى المغرب في سنة 1493 عبر ميناء عذرة Adra حيث الرَّبوة التي ماتزال قائمة إلى الآن، وفيها ذرف الرجل دموعه على ملكه الضائع، ولذا يسمّيها الإسبان زفرات العربي الأخيرة El Suspiro del Moro(28).
ونحن نذكّر بهذه المعلومات عن أبي عبد الله الصغير لأنّ الشاعر استخدم غير مرة الإشارة إلى الرابية و"الزفرة الأخيرة" ولحظة الخروج إما في نص القصيدة وإما من خلال العبارات المقتبسة من واشنطن آرفنج أو شاتوبريان(29).
وفي الجزء الموسوم بالرابية نسمع أشخاصاً يتحدثون. والصَّوْت في أكثر المقاطع التي يتألف منها صوت جماعي يناسب ما ورد في الإشارات المقتبسة من لويس أراغون. فالمتنازلون الراغبون في توديع غرناطة لا يدرون كم قضوا في تلك البلاد وكم دارت بهم الأرض قبل أن تهبَّ الريحُ من جهات سبْع فتدفع بهم خارج الظلال، وكأنّ ما كان لا يعدو أن يكون حلماً يراه الإنسان فيما يرى النائم. فكل ذلك الذي تكوّن ببطء في ثمانية قرون يختفي في لحظة واحدة:

لم يعد للنخيل ما يفعله هنا.
ولا للأغاني ما تزوّد به سَفَرَ الغرباء
على دراهِمنا أثرٌ من النوم
وفي أصواتنا رنَّة تمتصّ الريح(30).
وفي لحظة الوداع لا يفتأ الصوت الجماعي يشيد بالأمير التعس الخفيف الذي يقاوم العاصفة بساقين واهيين من قصب. هكذا يبدو لنا الأمير المهزوم وقد رفعه أنصاره ليذرف الدمعة الأخيرة:
رفعناه قليلاً..
لتكون الرابية
التي غَذَذْنا إليها مبكّرين
حسْرته الأخيرة ..
ليبكيَ على حَجَرِ الألى
داراً وأتراباً..
ونائماتٍ ببكورتهن
بيضاواتٍ في خَدَرِ الضحى.(31).
وتكبرُ في هذا الجزء صورة الأمير بانتقال الصوت الجماعي إلى الماضي أي إلى الوقت الذي سبق لحظة التوديع. حيث الأنفاس تكاد تتقّطع في الاجتماع الذي تقرر فيه الإذعان وحيث القوة القاهرة تكتسح بالأقدام بهو السفراء ويجتاح قاعة العرش. وحيث المكان يتحول إلى رمز مزْدَوج المعنى، فهو إشارة إلى ذلك الماضي العريق وهو إشارة أيضاً إلى زوال ذلك الماضي بصورة مجازية تشبه انطفاء شُعْلةٍ أو آثاراً تغشاها الأمطارُ وتمحوها الريح.
كذلك تكفّلت الريح بالشُّعلة.
والأمْطارُ بآثار الراحلين(32).
وبنسقٍ سردي ينتقل بنا الصوت الجماعي نفسه في الجزء الموسوم بميلان النهار وهو أيضاً تعبير مجازي عن بوادر السقوط والخروج. وهنا يطغى على الصوت الجماعي صوت منفْرد هو صوت أبي عبد الله الصغير الذي يدرك مثلما أدرك المنادون بالتسليم ميلان النهار فهو يلتمس ذلك الاتجاه للسقوط منذ حادثة الأختين، وهي إشارة إلى الدسائس والمؤامرات التي كانت لا تفتأ تتكرَّرُ في قاعات الحمراء ومقاصيره:
الضَّغائن التي تُطْعِمُ الليل ثديها
خارت قواها
وَهَنَ العَظْمُ
وانقَطَع المِداد(33).
وفي الجزءِ الثاني الموْسوم بعنوان الأمير نجد المتكلّم وحده هو الذي يبوح بالأسرار الخفيّة عن أبي عبد الله الصغير؛ ويتبوأ القناع- من حيث هو نموذج يستعيره الشاعر ليقول من خلاله ما يريد- مكانه في النص. باعتباره البؤرة التي تتجمّع فيها خيوط العمل الأدبي وتلتقي أبعاده في مِحْور مركزيّ.
أنا أبو عبد الله الصَّغير
بِكْرُ أمي..
وُلِدْتُ تحْت لُبْدة الأسد
رايتي حَمْراء..
ودليلي نهارٌ يميل
سلَكْتُ طرقاً مشاها أسْلافٌ خَطِرون
بهمّةِ دَمٍ يَطْرُدُ دماً..
ووَصَلْتُ إلى ما دالَ للقادمين(34).
فهو يتجاوز التوديع إلى محاكمة ذاتية لنفسه، فمنذ تسلّمه (الراية الحمراء) ودليله نهار مائل إلى أنّ السقوط آخذٌ بالظهور والطرق التي سلكها لم تقده إلا إلى خضوع مملكته للقوة الصاعدة ومصيره قد تهيأ من قبل أن يتسلم الملك. والاحتفاء به لم يكن إلا الرقصة التي تسبق الموت:
لم أكُنْ مَنْ نودي به،
كُنْتُ شقيق المَساء
استدْرِجُ طفولتي
مِنْ مَتاع القوّة
إلى مُعْجزةٍ تَتَمرْأى في الظلال.(35).
أما شعلة الحمراء فكأنّ الريح تلطف بها منتظرة اللحظة المواتية لكي تهب عليها فتخمد نارها إلى الأبد. والانتظار طويل ومؤلم لاسيما إذا كان السقوط أمراً مؤكداً. فما أصْعب اللحظة التي تسبق الطَّعْنة النَّجلاء القاتلة. وما أصْعَبَ أنْ يكون المرء بطلاً تراجيدياً محكوماً عليه بالموت، ومع ذلك يطلُبُ منه أنْ ينتظر انتظاراً أطْوَلَ ليكون العذابُ أكثر قسوة:
ما أطْوَل انتظارَ الطَّعْنة
لا سَيفي،
ولا لِدَاتي
ولا مؤوّلو الأحاديث
سَيَرُدّونَ المكتوبَ إلى حِبْره.. وَيْرجِعُون بالنبأ إلى الطّيْر رَمانا بهِ وتناهى.(36).
ما الذي يريد الشاعر أن يقوله من خلال هذا النموذج التاريخي الذي أضفى عليه ملامح إنسان يختلف عن ذلك الذي صوّرته الوثائق وكتب التاريخ والمذكرات؛ أيريد أن يقول لنا إن أبا عبد الله الصغير ملِكٌ تسلّم غرناطة وقد تقرر سقوطها من قبلُ وبات الأفول أمراً حتمياً وغروب الأندلس حقيقة واقعة لا يستطيع دَفْعها بما لديه من وسائل المقاوَمَةِ والصّمود؟
هذا ما يقوله أبو عبد الله نفسه في الجزء الموْسوم بمشيئة الأفول:
اللاحقون ما التمسوا لمحنتي سبباً
أوّلوا الحادثاتِ
ما طابَ لهم
وجَعلوا المغْفِرَة
حِكْراً على النّسيان
عرفتُ أنّ ذلك حَدَث غداً
لكنّ رسائلي
لم تْترك أثراً
فثمّة مَنْ دأب
على تحريرها
ومضى الوقتُ
لِكَسْب وداد الغزاة(37).
فالصّورَة التي رسمت له هي صورة المستسلم الذي اشترى حريته بأوطان الآباء والأجداد، وأنه نموذج للخائن الجبان الذي يوقّع بنفسه وثيقة الإذعان في وقت كان فيه الآخرون مازالوا يرفعون السلاح. أمّا هو فيرى أنّ استسلام الأندلس شيءٌ قررّته الأقدار وفرضته الظروف. وقد شاءت أن تختاره هو ليسلّم بيده مفاتيح الوطن وليَظْفَر مِنْ بَعْدُ بلعنة التاريخ:
وبَيدِ مَنْ سلَّمتا السّيف والمفتاح
أمْسَكْتَ ناياً، ورُحْتَ تجْرَحُ أشباحاً
تتكاثَرُ في النعاس(38).
فلو لَم يقُمْ هو بتسليم المفاتيح لكان الذي سلّمها شخصاً آخر. وعلى ما يبدو من مصيره التراجيدي هذا فقد تبّرأ منه ومن نفسه وتمنّى لو أنه كان نسياً منسياً. تبرأ على الرابية من حسْرته الأخيرة، من يوم مولده، من مهاراته في القتال بين الأقران، مؤكداً أن حياته لم تكُنْ إلا قسمةً عادِلَةً بين السّمّ والترياق:
على رابيةِ الحَسْرة
تبرّأتُ من النّجم الذي لِمَوْلدي
ومِنْ مهارَتي بيْن الأقْران
وَسْط العابرين بأكتافٍ كبيرة(30).
وهو في المقاطع الأخيرة من مرتقى الأنفاس يكاد يبوح بهوائية العرش الذي آل إليه. وأنّ مُلْكه لم يكنْ في الواقع غيرَ سراب. بلْ هو نفسه كان كالريشة في مهب الأعاصير. لم يفعل شيئاً يستحق عليه الثّواب أو العقاب. لقد صاغت الأقدار كينونته ومصيره.
أخفُّ مِنْ أملٍ على جَبلِ القنوط.
الرِّيشَةُ التي تحرَّرْت مِنْ ورْطةِ الجناح
أثقلُ منّي في كفّةِ الريح،
فيا لَنَفسْي،
أمّارَةٌ بالألم
ويا لَفمَي عطشْانُ على حافَّةِ النّبْع،
ويا لَيدَيّ
ادّعتا وَصْلاً
وَعادتا خاوِيَتَيْن.(40).
وهذا الاستدعاء الغنيّ لشخصيّة أبي عبد الله الصغير يشبه توظيف محمود درويش له في قصيدة أحد عشر كوكباً على المشهد الأندلسي. فهو يدين نفسْه ويتبرأ من خطأ أجبر على ارتكابه ولم تكن له يد في نهاية السقوط. فلو لم يقبْل هو نفسه معاهدة الصلح فسيتقبلها آخرون. وقبوله للتسليم كانَ على مَضَضٍ وهو لذلك يستحق لَعنْة التاريخ ويستحقّ العقاب الذي أنزله به الآخرون.
مثلما قلْتُ للأصدقاءِ القُدامى
ولا حبَّ يشفَعُ لي
قَبِلْتُ معاهدة الصُّلْح، لم يَبْقَ لي حاضِرٌ
كيْ أمرَّ غداً قُرْب أمسي،
ستَرْفع قشتالةٌ تاجها فوْق مئذنة الله
أسْمع خَشْخَشَةً للمفاتيحِ في باب
تاريخنا الذَّهبي،
وداعاً لتاريخِنا
هلْ أنا من سيُغلْق بابَ السَّماءِ الأخير
أنا زَفْرَةُ العربيِّ الأخيرة.(41).
وقد يجيءُ الاختلاف من كوْن محمود درويش في استخدامه للقناع يريد أن يعبّر عن الحاضر الذي انتهى بقضية فلسطين إلى اتفاق أوسلو 1993) عاقداً نوعاً من التشبيه الدائري بين اتفاق الاستسلام الذي وقعه الصغير واتفاق الإذعان الأخير:
إنّ هذا السّلامَ سيَتْرُكنا حِفْنَةً من غُبار
فَلِماذا تطيلُ التفاوُضَ يامَلِكَ الاحْتِضار(42).
وهذا ما لَمْ يتضح أثره في قصيدة أمجد ناصر "مرتقى الأنفاس". وقد يشجعنا هذا لعقد موازنة بين استخدام المنظور الشعري في تشكيل القناع الواحد بِصُوَرٍ شتّى تخْدم أفكاراً عِدّة.
ولكنّ هذا لا ينفي الإيماءات المشتركة التي يتلقاها القارئ من القصيدتين. ففي مرتقى الأنفاس يبدو لنا الصغير المظلوم المتبرئ من نفسه مرآة تتراءى فيها صُوَرُ المهْزومين الحالمين بهواءِ العروش:
متوّج بخفتّي
عرْشي على الهَواء
مسنوداً بُحرْقة الأنفاس(43).
وتبعاً لذلك فإنّ استخدام أمْجد ناصر ومحمود درويش للقناع ذاته والنموذج التاريخي نفسه من منظورين مختلفين قاد إلى صورتين متباينتين وإنْ تجلّت فيهما ملامح مشتركة تشهد على الصلة القائمة بين التجربتين المتزامنتين.(44).
ومتجاوزاً الشّروط الضيّقة التي وضعت لقصيدة النثر يُركّب أمجد ناصر قصيدة مرتقى الأنفاس من عناصر عدة. في أولها تعدد الأصوات، واعتماد الصوت الجماعي، والمنولوج الداخلي Internal Monologue الذي يجعل من النموذج التاريخي أبي عبد الله الصغير شاعراً ضمنياً في النصّ يبوح من خلاله المتكلّم بما يريد قوله الشّاعر بأسلوب غير مباشر.
ويصاحِبُ ذلك تعدّد النقلات في القصيدة من التوديع إلى الأفول فمرتقى الأنفاس في بناء تصاعدي يُشْبه بناءَ الكاتب للقصّة، وحَبْكِه لأحداثها حَبْكاً ينتهي إلى خاتمة متوقعة، أو غيرْ مُتوقّعة. وهذا النموّ الهَرَميّ للنصّ يخالف فيه الشاعر بناء القصيدة النثرية القصيرة التي تتألف عادة من وميضٍ عاطفيّ أوْ وجداني يجري تسليط انتباه القارئ إليه في حركة سريعة لا تمتد كثيراً بين الاستهلال والانتهاء. وذلك قد يُشْعِرُنا بتركيز القصيدة النثرية الغنائيّة أكثر مما تشعرنا به قصيدة مرتقى الأنفاس. ولكنّ هذه الأخيرة تشعرنا بالانتقال من البناء الكثيف المبسّط إلى البناء العميق المركّب.
وتحتاج هذه البنية المركبّة التي تعتمد القناع إلى بدائل اختيارية يلجأ إليها الشاعر وقد اطّرح بعض خواصّ الشّعر الغنائي مثل القافية، والوزْن العروضي، والتفعيلة الواحدة. والتصوير الكثيف فضلاً عن الرّموز والمجازات والنهج الاستعاري الذي يميز لغة الشعر عن غيْرِه. لأنّ مثل هذه البدائل هي التي تضمّن للنصّ شعريّته أكثر مما تكفلها له تقنية القناع التي يُمكن أنْ تكون تقنية سرْدية، وأكثر مما تكفلها له البنية المركّبة للقصيدة التي يمكن أن تكون في الوقْت نفسه بِنْيَةً غِنائيّة ومَلْحَميّة ودراميّة.
يتوجّه الشاعر في هذه القصيدة إلى بنية البيت Verse باعتباره وَحْدة صغرى مندمجة في وحدة أكبر يمكن أن نسمّيها مقطعاً Stanza والمقاطع تندمج في بنية أكبر هي القصيدة أو لنقل بكلمة أكثر شمولاً هي النص Text والأبيات تُنظِّمُ للقارئ الوَقَفات إلى جانب البياض الذي يتقاطع في الوقت نفسه مع الملفوظ الشعري المطبوع. وهذا التنظيم يقرّب قصيدته من حيث المظهر الصوتي الخارجي على الأقل القصيدة الغنائية. فيحسّ القارئ لأول وهلة بأنه من الناحية النظرية أمام قصيدة. وأنه من حيث قراءة الملفوظ المدوّن يزاول العادة نفسها التي يزاولها حين يقرأ القصيدة الغنائية ذات القوافي والأوزان.
نتنَّفسُ مَعَك
وأنْتَ دليلُ السّدى
هواءُ الأسلحة يهبّ من لَيْلِ الغَلَبة
العاصِفَةُ
لا الحِكْمَةُ
تزورُ النّوايا
وتقيمُ وَزْناً للأبْراج
القوّةُ مطمئنّةٌ لأثقالها
تتمطّى في الهَباءِ الساقط
من مَراصِدَ شاخِصَةٍ إلى النّجوم
تشْغَلُ ما شَغَلتْ مِنَ المرافق
تمْحو
وتكْتُب
وترِثُ
الأختام(45).
فهذا المثال يوضّح لنا أنّ اللجوء إلى تفتيت القصيدة لبنيات صغرى تتفاعل في إطار بنية أكبر منها، يذكّر القارئ ببنية قصيدة التفعيلة التي تقوم هي الأخرى على أساس مشابه. فيجدُ القارئ في تتابع الأبيات نسقاً مشابهاً لنسق القصيدة الغنائية مفارقاً لتتابع الجُمل في الفقْرة من النثر السّردي مثلاً أو المقالي. فالوقفات تتناسب طردياً مع تتابع التراكيب. ويستطيع القارئُ تلمّس الفرْق لو أنه عمد إلى دمج الأبيات كلّها في فقرة واحدة مستعيضاً عن البياض بفواصل ترْبط بين البيت والآخر، فعندئذ يتلمّس الطبيعة الإطرادية للنثر. واعتماد الشاعر على البياض والتشكيل البَصَريّ المتنوع للمقاطع أضفى عليها قرباً أكثر من الشعر الغنائي، وابتعد بها شأواً طويلاً عن النثر:
تطامن الأقواس والقُبَب
إذ يستحثُّ الجَمالُ أيدي الصّانعين
المهارَةُ
مخفورةٌ
فوْقَ
كلِّ
ذي
يَدٍ
وكلّ جبل
قمّة وسفح(46).
والتلوين البصري الذي اعتمده الشاعر يسْترعي الانتباه من حيْث ما فيه من الشُّمول والتّكْرار، إذْ يَظْهر في أكثْر مقاطع القصيدة بفصولها الثلاثة ويتنوّع بحيث يشْمَل تقطيعَ البيت الواحد إلى شظايا متوالية أو متدرّجة أو متمّوجة:
هكذا
أسْلم
الكَمالُ
خفيضاً
وصامتاً
نفْسَه
لمشيئةِ
الأصيل.(47).
وإضافة إلى هذا التدريج في توزيع أجزاء المقطع نجدُ الشاعر يلجأ إلى وَضْع مقلوبٍ بحيث تأتي الأبيات ممتدّة رأسياً ولكنْ على يسار الصفحة لا على اليمين مثلما هي العادة. وقد يتقابل مثلُ هذا الامتداد الرأسي في صفْحتين فيتشكّلُ منهما توزيعْ متناظر لافتٌ للبصر.(48) ولا ريب في أنّ مثل هذه التشكيلات البصرية -من الوجهة السيميائية- ذات وظائف متعددة يلتقي فيها البعدان الصوتي والإيحائي، وتذوبُ الفروق بيْن فضاء النص ومستواه الدلالي.
يضاف إلى ذلك اللجوء إلى الفراغات لتشكل نقيضاً للملفوظ فالمحكي يصاحبه المسكوت عنه في إشارة واضحة ودالة على ثنائية الحَذْف والذكر(49). وهذا بطبيعة الحال يؤدي إلى وَقفةٍ طويلة على إثْرِ أبياتٍ متدفّقة يسْترْسِل بَعْدها في أبياتٍ أخرى:
والكَنْزُ المَرْصودُ بسَبْعة أطْيافٍ يتكشّف للأبعدين
...............
...............
وعلى كَتِف المَساء الحرّ كانَ الأملُ العليل لمأمورِك
يستعيدُ قواه(50).
وتجسيداً للنّغم النفسي الداخلي يلجأ الشاعر إلى تقطيع الكلمات أو الجمل إلى حروف. فيحْسب القارئ بأن توزيع أجزاء الجملة أو الكلمة ذو تأثير حتمي في الموسيقى الداخلية التي هي اتحاد مباشر بين الصَّوْت والمعنى، أي أنّ تقطيع الأصوات يحاكي محاكاةً مُباشِرَةً تقطّع الأنفاس:
لَيْس السَّيْفُ
ولا حَجَرُ الماس
بلْ
الأنفاس
بلْ
ما
هُو
أدْهى
اسْتَرَقنَي مِنْ عُلُوِّ يقْظتي.(51).
وترابطُ الصوت والإيحاء في هذه القصيدة غيْرُ كافٍ للتفريق بين نسيجها اللغوي والنسيج المألوف للنثر العادي المفارق للقصيدة. ونستطيع هنا أنْ نحيل القارئ لما قيل حول البدائل الشعرية التي يعتمدها أمجد ناصر في أعماله الأخرى(52). فهو في بنياته اللغوية كثير التعويل على العلاقات الدلالية الجديدة التي يعقدها بين الألفاظ. فالعراء في أحد المقاطع ممغنط والروح تتصنم في الهبوب الكبير. وينتصب-فجأة- في مثل هذه الصورة اثنا عشر أسداً في إشارة إلى قاعة السباع في قصر الحمراء والقنوط هو المَظْهَر الكامِنُ والجِهاتُ والأعْشاب والغزاة والطَّعَنات كلّ ذلك يتفاعل في صورةٍ أساسُها ائتلافُ ألفاظ لا تأتلف:
يا للعراء المُمَغْنط!
الرّوح تتصنّمُ في الهبوب الكبير، وتضاهي
اثني
عَشَر
أسَداً
في
تمامِ القنوط،
ويا للجهات التي ترْسِلُ إليك أبطالها الخائرين.
ليتشبثوا بالغروب
أرْخبيلات سَرَطان
أعْشاب تَهْلُكة
كأنّ الغزاة ابتدَروا حياتك
بِطَعنَاتٍ لا تَشْفى.(53).
والنَّظْرة السّريعة في الشاهد السابق تثبت للقارئ أن اعتماد الشاعر على شعريّة اللفظة وإيمائها الناتج عن اقترانها بألفاظ أخرى واضح بل لافت للنظر، لاسيما إذا وازن بين عدد الألفاظ التي استخدمت بدلالالتها الأصيلة والأخرى التي انحرفت بمعناها عن المعيار المعجمي. وفي مقْطع آخر يتألّف من أبياتٍ خمْسة نجده يستعمل: التراب الصابر، أمير الانتظار، طعنة الألماس، أسير الزَّغَب كان يطلق على أبي عبد الله اسم (الزِّغبْي) و"ذو الزفرة التي ذهبت مثلاً"(54) وثمّة مقطع كامل في مشيئة الأفول يتألّف من كلمتين اثنتين:
طنين
يُعَرّش.(55).
فهذا المقطع-مثلما هو واضح- يستخدم اللفظة لتكون صورةً قد تبدو لأول نظرة معزولة عن السِّياق ولكنها إذا أحيلت إلى الكلام السابق لوحظ أنها صورة لفظية تتفاعل فيها أصواتٌ وأمكنة تعبّر عن الصَّخَبِ والضّجيج الذي يتفجّر داخل المتكلم وهو الذي يقول من قبل:
الهواءُ فاترٌ
والمَصَائِرُ
تفوّض أمْرَها
لِمَشيئةِ الأفُول.(56)
وبما أنّ هذه القصيدة المركبة تنتفع في بنيتها من المتواليات السردية، والبوح الداخلي الذي يضع المتكلم في بؤرة النص، فإن في مستواها التركيبي أو النحوي ما يشي بالاطراد قليلاً. وهو اطراد نجده في المقطع الواحد لكننا إذا فارقناه إلى مقطع آخر نجد اطراداً من نوْع آخر، متفاعلاً في سياق ثانٍ. وهذا واضح في الجزء الأخير من النص وهو "مشيئة الأفول". ولا سيما عندما يلجأ الشاعر إلى أسلوب التشخيص Characterization القائم على استعمال ضمير المخاطب Second Person والاطراد-مثلما نعرف- شيء واضح في النثر العادي-غير الشعري- الذي يلجأ إلى التسلسل في عرض الفكرة والتفصيل في توضيح المعنى. وقصيدة النثر تنأى بنفسها عن الاطراد بهذا المفهوم ولكنْ بما أنّ الشاعر هنا لجأ إلى القصيدة الطويلة المركّبة فقد استوعب فيها أشكالاً وضروباً من التعبير الغنائي والنثري. ففي المقطع الثالث من مشيئة الأفول مثلاً نجده يصوّر مشهداً تطّرد وتتسلسل فيه أجزاؤه، ولكنه يستمد شعريته من تشكيلاته اللفظية ومن تركيباته القائمة على التقطيع واستبعاد الروابط النحوية:
سيّد هذا الغروب النشوري،
رأيتُ في النجمة التي كلأت خطاك
طيفَك يَكْدَحُ في الغناء:
يجفّف الدَّمَ في صالة الشقيقتين
ينظّف مقابض الأبواب
يمْسح الغبار عن المدائح المطمْئِنة على الجدْران
يشمِّسُ الملاءات
يبخِّر سريرَ ليلْة العَذْراء
يهيِّئ المائدة
ويتواصى بخطىً تتنزّه تيّاهةً على مَرْمَرِ الذاكرة(57).
فالقارئ البصير بلغة الشعر، الذي يفرّق بينها وبين لغة القصة، يتنبه إلى ما في هذا المقطع من تركيبات شعرية: الغروب النشوري، النجمة كلأت، طيفٌ يكدْح، المدائح المطمئنة على الجدران، خطى تتنزه، مرْمَرُ الذاكرة. ويتنبه كذلك إلى الاسترسال في سرْد المشهد مستبعداً حروف العطف، مُكرّراً الصِّيغ الفعلية في أوائل الأبيات: يجفّف، ينظّف، يمْسَح، يشمّس، يجزّ، يهيِّئ، يتواصى. بيْنما ينشأ الترابط بين هذه الشظايا من السياق الزمني الذي يستوعب هذا المقطع السَّردي، ويشدّ بعْضه إلى بعض، ومثل هذا في القصيدة كثير.
وخلاصة القول: أن قصيدة مرتقى الأنفاس بالرّغم من أنها قصيدة طويلة تفارق في طولها هذا شرطاً من الشروط التي تتّصف بها قصيدة النثر إلا أنّ بناءها القائم على تجزئة النصّ لمراحل أو نصوص جزئية متساندة والانتظام في حبكة درامية تنتقل فيها صورة القناع من حركة إلى حركة أخْرى تصاعدية باتجاه الخاتمة. واعتماد "بنية القناع" القائمة على استدْعاء نموذج تاريخي أضْفى عليه الشاعر لوناً جديداً من التعبير، يميّزه عن توظيفه في الأدب السَّرْدي كالمخطوط القرمزي(58) مثلاً، أو الشعري في أحد عشر كوكباً على المشهد الأندلسي، فَضْلاً عن تكثيف البدائل الصَّوْتية والبصَرَيْة والدلالية المتمثلة في تركيب الألفاظ والجمل تركيباً يقترح نوعاً جديداً من الائتلاف اللفظي والتفاعل الدلالي، فضلاً عن خَلخَلةِ التركيب النثري القائم على الاطراد التقليديّ، كلّ ذلك وغيْرهُ مما يمنعنا عن الخوض فيه الرغبة في الإيجاز والاختصار، يؤكّد شعريّة النصّ ويجعل القَوْل بضرورةِ الترّكْيز والتكثيف والتقصير في قصيدة النثر قولاً غيْرَ ذي معنى، ولا يَلْزَمُ منه أن نستبْعِدَ القصائد النثرية المطوّلة من هذا الشعر.
الهوامش:
(1) رشيد يحياوي: قصيدة النثر ومغالطات التعريف، علامات، م8، حـ32، أيار 1999، ص56.
(2) أدونيس، في قصيدة النثر، مجلة شعر ع14 سنة 1960، ص81.
(3) أنسي الحاج، مقدمة ديوانه "لن" ط3، دار الجديد، لبنان، 1994، ص18.
(4) عبد الحميد زراقط، الحداثة في النقد الأدبي المعاصر، دار الحرف العربي، بيروت، 1991، ص231.
(5) رئيف خوري الدراسة الأدبية، دار المكشوف، ط4، بيروت، 1969، ص112 و 113.
(6) شموئيل موريه، حركات التجديد في موسيقى الشعر العربي الحديث، ترجمة سعد مصلوح، دار النشر العربي، ط2، ص140- 141.
(7) سعيد عقل، المجدلية، المكتب التجاري، بيروت، ط2، 1960، ص7-22
(8) بول شاؤول مقدمة في قصيدة النثر العربية، فصول، م15، ع3، خريف 1996، ص153.
(9) عز الدين المناصرة، قصيدة النثر، منشورات بيت الشعر، رام الله، ط1، 1998، ص
(10) انظر: إبراهيم خليل، قصيدة النثر في الأردن، المجلة الثقافية، العدد 42، تشرين الثاني، 1997، ص156.
(11) على هامش العشيات، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1999، ص ص261- 263 نقلاً عن عرار شاعر الأردن للبدوي الملثم، ص ص322- 324 وانظر زياد الزعبي، محقق عشيات وادي اليابس) دائرة الثقافة والفنون، عمان، 1982، ص145.
(12) على هامش العشيات، ص261.
(13) عرار، عشيات وادي اليابس، تحقيق زياد الزعبي، ص 465 وانظر أيضاً ص464- 473.
(14) المجلة الثقافية، مرجع سابق، ص ص 149- 158.
(15) المرجع السابق، ص153.
(16) أمجد ناصر، أثر عابر، دار شرقيات، القاهرة، 1995، ص51.
(17) المجلة الثقافية، مرجع سابق، ص154.
(18) السابق نفسه، ص155.
(19) محمد ديب، الجنس الأدبي بين الموهبة الفردية والرافد الغربي، علامات في النقد، م3، جـ12، حزيران يونيو) 1994، ص147. وانظر رشيد يحياوي، المرجع السابق، ص56.
(20) أمجد ناصر، مرتقى الأنفاس، دار النهار للنشر، بيروت، ط1، 1997.
(21) للمزيد حول استخدام القناع في الشعر الحديث، انظر علي جعفر العلاق، الشعر والتلقي، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 1997، ص103- 127. وانظر أيضاً: أقنعة الشعر المعاصر لجابر عصفور، مجلة فصول، العدد 4، 1981، ص123، وانظر فاضل ثامر، القناع الدرامي والشعر، الأقلام، بغداد، ع 10/11 سنة 1981 ص74. وانظر The Artistic Problems in Abd Al-Bayatis poetry, A comparative Critical Study, Doctorate thesis, Univ. of Exeter, October, 1983, Unpublished).
(22) أحمد شوقي، الشوقيات، دار الكتاب العربي، مج1، ج2، ص171.
(23) السابق، مجلد1، جـ1، ص51.
(24) لمزيد من البحث في هذا الموضوع انظر: الرموز الإسبانية والأندلسية في شعر محمود درويش لكاتب هذا البحث، مجلة كلية الآداب، جامعة القاهرة، آذار مارس) 1998 عدد خاص بأعمال المؤتمر الدولي الرابع للحضارة الأندلسية ص 51-73.
(25) ترجم هذا الكتاب إلى العربية غير واحد. إبراهيم الأبياري وصدرت الطبعة الأولى منه عام 1957 ثم أعيدت ترجمته ونُشِر في حلب على يدي عبد الكريم ناصيف وهاني نصر، مركز الإنماء الحضاري، 1996.
(26) ترجم هذه القصّة إلى العربية أمير البيان شكيب أرسلان وطبعت في مصر سنة 1897 ثم أعيدت طباعتها سنة 1924. وقد أحال الشاعر إلى طبعة أخرى من ترجمة هنري زغيب.
(27) محمد عبده حتاملة، محنة مسلمي الأندلس، مطبعة دار الشعب، عمان، 1977 ص27-32.
(28) المرجع السابق، ص62.
(29) أمجد ناصر، مرتقى الأنفاس، ص61 وقبل ذلك ص9.
(30) المصدر السابق، ص15
(31) المصدر السابق، ص17
(32) المصدر السابق، ص29
(33) المصدر السابق، ص39
(34) المصدر السابق، ص45
(35) المصدر السابق، ص46
(36) المصدر السابق، ص58
(37) المصدر السابق، ص63
(38) المصدر السابق، ص81
(39) المصدر السابق، ص89
(40) المصدر السابق، ص97
(41) محمود درويش، أحد عشر كوكباً على المشهد الأندلسي، دار الجديد، بيروت، ط1، 1992، ص15-16 وانظر إبراهيم خليل، الرموز الإسبانية، ص64.
(42) المصدر السابق، ص19- 20 والملاحظ أن الشاعر أضاف تعديلاً للنص في إحدى طبعات الديوان فأصبح البيت الأول من الشاهد: "إن هذا الرحيل سيتركنا حفنة من غبار "بدلاً من "إن هذا السلام"، أنظر مجلة البيادر ع11-12 سنة 1993 ص19-20 وانظر إشارة أحمد دحبور في المرجع نفسه ص11. وانظر طبعة الديوان، دار الأسوار، عكا، 1993، ص17-18 وقارن بما ورد في ظواهر سلبية في شعر محمود درويش، الدار الوطنية، نابلس، فلسطين، 1996) ص10-11.
(43) أمجد ناصر، مرتقى الأنفاس، ص98.
(44) المعروف أن قصيدة درويش كتبت عام 1991. وظهرت منشورة في سنة 1992. وقد أشار أمجد ناصر في مرتقى الأنفاس إلى زمن كتابة قصيدته الذي يمتد بين العام 1990 و 1995 وإلى نشر أجزاء منها قبل ظهورها في كتاب في ملحق النهار وفراديس وإسراف ونِزْوى ومشارف. وأنه كتب هذه القصيدة إثر زيارته إلى غرناطة، وقصر الحمراء والبيازين، سنة 1991.
(45) أمجد ناصر، مرتقى الأنفاس، ص22.
(46) المصدر السابق، ص26.
(47) المصدر السابق، ص27 وانظر ص18.
(48) انظر على سبيل المثال ص86 و 87 وانظر ص24 و 25 وانظر ص18 و19 حيْثُ المزْج بين التدرّج والامتداد الرأسي في صفحتين متقابلتين.
(49) للمزيد حوْل صلة التشكيل البصري بالمعنى انظر: سامح رواشدة، تقنيات التشكيل البصري في الشعر المعاصر، مجلة مؤتة للدراسات، جامعة مؤتة، ع1، مج1، 1997) ص501 وانظر: رضا بن حميد، الخطاب الشعري الحديث من اللغوي إلى التشكيل البصري، فصول، مج15، ع2، صيف 1996، وانظر أيضاً: محمد الماكري، الشكل والخطاب، المركز الثقافي العربي ـ بيروت، ط1 1991)، ص 176.
(50) - أمجد ناصر، المصدر السابق، ص 91.
(51) - المصدر السابق، ص 86.
(52) - ينظر: إبراهيم خليل، أمجد ناصر، وقصيدة النثر، مجلة نزوى، عُمان، ع17يناير، 1999، ص 231.
(53) - أمجد ناصر، المصدر السابق، ص 68.
(54) - المصدر السابق، ص70.
(55) - المصدر السابق، ص 73.
(56) - المصدر السابق، ص72.
(57) - المصدر السابق، ص76.
(58) - أنطونيو غالا، المخطوط القرمزي، ترجمة: رفعت عطفة، دمشق، 1998، وانظر ما كتبناه حول هذه الرواية في: الرأي الثقافي، صحيفة الرأي، عمان، العدد السابق، بتاريخ 16/4/1999، وراجع ما كتبناه عنها في الفصل السادس من هذا الكتاب. د. إبراهيم الخليل - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000



















تأثير المتنبي في الأدب الأندلسي.. دراسة للدكتور : أيمن محمد ميدان
المتنبي وأغراض النثر الأندلسي :سُئِلَ القاضي الفاضل عن كنه اهتمام المصريين بشعر أبي الطيب المتنبي بعد وفاته بقرنين من الزمان، فجاءت مقولته : "إنما ينطق عن خواطر الناس" (1) تجسيداً عبقرياً لوعيه بجانب هام من جوانب خلود المتنبي إنساناً ومبدعاً، ومدخلاً طبيعياً لرصد هيمنة شعر المتنبي على صندوق أصباغ مترسلي الأندلس في القرن الخامس الهجري، حيث راحوا يتوسلون بشعره - حلاٍّ وتضميناً - فما خذلهم مرة، ارتدوا إليه مهمومين ومسرورين، مهزومين ومنصورين، أحراراً ومقهورين... فوجدوا فيه ضالتهم، وما يهدهد مشاعرهم، ويجسّد مواطن القوة لديهم، ويلمس جوانب الضعف فيهم، وما يواسي في هزيمة، ويخفف من حدة إحساسهم بفقد أو فجيعة.
أتي الإخوانيات في صدارة فنون النثر الأندلسي احتفاءً بشعر المتنبي، إذ وجدوا فيه ما يعبّر عنهم استدعاءً لصديق (2)، أو ضجراً من ريب زمان وتنكّر رفاق (3)، أو عتاباً رقيقاً يحفظ للمودة ديمومتها ودفئها (4)، أو اعتذاراً عن سلوك ارتكب أو شعور بدر(5).
من بين هؤلاء أبو عامر التاكرني الذي خاطب أبا جعفر بن عباس برسالة يشكو فيها تنكر الرفاق وتبدل أحوالهم، فقال : "كتبت عن نَفْسٍ تفيضُ بمائها، وتجيشُ بدمائها وتشكو إلى اللهِ عظيم أدوائها، غيظاً على تقلبِ الزمان، وعجباً من تنكّرِ الإخوان..." ثم ينتقل لرصد موقفه حيال رفاق الأمس فيأتي متعقلاً، لا يقابلهم صدّاً بصدّ، أو إرخاء حبل ودٍّ بقطع فيقول : "وإنك لتعلمُ علمَ يقين، وأنك فيَّ على سنن مستبين، أني ما عوَّدْتُ قط لساني سبّ مَنْ نافرني وعاداني... وما انطويتُ عمري قط على حقد، ولا رضيت بنقض عهد، ولا خِسْتُ في حلّ ولا عقد" (6)، ثم يتخذ من شعر المتنبي دليلاً على صدق موقفه وتدعيماً له، فقال : (الخفيف).
ومرادُ النفوسِ أصغرُ من أن نتعادى فيـه وأن نتفانـى (7).
ومثل ذلك أيضاً قول ابن الدباغ يشكو جبروت الأيام، وتنكر الرفاق، راصداً - في الوقت ذاته - صلابة عزيمته، فيتكئ على حل معقود بيتين للمتنبي يقول فيهما : (الوافر)
رمـاني الـدهـرُ بالأرزاء حتى فـؤادي في غِِشـاءٍ من نـبالِ
فكنتُ إذا أصابـتنـي سهـــامٌ تكسرتِ النصالُ على النصال (8)
فقال في فصل من رسالة له : "وكتابي هذا وأنا كما تدريه غرضٌ للأيام ترميه، ولكني غير شاكٍ من آلامها؛ لأن قلبي في أغشية من سهامها، فالنصل على مثله يقع، والتألم مع هذه الحالِ يرتفـع، وكذلك التقريـع إذا تتابـع هان، والخطب إذا أفرط في الشدة لان"(9).
وأبو عبد الرحمن بن طاهر - في ردّه على رسالة أبي مروان بن رزيق التي يخطب فيها ودّه، ويستميل فؤاده، مخففاً من حدّة إحساسه بجور الزمان - يحذو حذو ابن الدباغ صلادةَ موقفٍ واتكاء على شعر المتنبي ؛ فقال : "وأما ما وصف به - أيده اللهُ - الأيام في ذميم أوصافها، وتقلبها واعتسافها، فما جهلته، ولقد بلوتها خُبْراً، ولقد رددتها على أعقابها نُكْراً، فلم أخضع لجفوتها، ولم أتضعضع لنبوتها، وعلمت أنها الدنيا قليلٌ بقاؤها، وشيكٌ فناؤها، وفي ذلك أنشدوا : (المتقارب):
تفانى الرجالُ على حُبّـهـا وما يحصلونَ على طائـلِ (10).
وامتد أثر المتنبي ليشمل رسائل الرثاء والعزاء، فابن طاهر في تضاعيف رسالة بعث بها إلى الوزير الفقيه ابن جحاف يعزيه بابن عم له، وفي معرض رصد فداحة ما نال الناس من حزن ووله استعان ببيت شعري للمتنبي حالاً معقوده، مضمناً إياه نسيج رسالته تلك يقول فيه : (الوافر)
كأنَّ الصبحَ يطردُها فتجري مدامِعُهـا بأربعـةٍ سِجـامِ (11).
وأبو القاسم محمد بن عبدالله بن الجد - يختم رسالة عزاء لصديق - لم يشأ ابن بسام أن نعرفه - ينعي فيها زوجه، فيتخذ من شعر المتنبي وسيلة لتخفيف حدَّة إحساسه بوفاة من كان يأنس بحياتها، ويتمنى على القرب والبعد بِيُمْنِ صِلاتها وصَلاتها، فقال : "واحتسب فقيدتك - قدّس الله روحها، وأنّس ضريحها - حديقة أنسٍ، نُقِلَتْ إلى جنة قدس، وذخيرة إيمان، ضُمِّنَتْ أكرم صِوان، ولا تذهب نفسك حسرات، ولا يتدارك نفسك زفرات : (الطويل)
فقد فارقَ الناسُ الأحبةَ قبلنا واعيا دواءُ الموتِ كُلَّ طبيبِ (12).
ورسائل المفاضلة بين الأزهار التي شاعت في ذاك الزمان احتفت أيضاً بشعر المتنبي، فقد كتب الوزير الكاتب ابن حسداي رسالة بعث بها إلى المقتدر بن هود معارضاً ابن بُرْد الأصغر بتقديمه النرجس على ما عداه من أزاهر ونواوير، متبعاً أسلوب بناء مغايراً، إذ لم يُجْرِ الحوار بين الأزهار مثلما فعل ابن برد الأصغر وابن الباجي، بل راح يجري الحوار بين النرجس وظريف من خواص الأمير، مسلطاً الضوء على جانب من جوانب المناخ السائد في بلاط أمراء الطوائف بين الكتّاب والشعراء من كثرة التنافس والتحاسد، داعياً أميره منحه ما يستحق من صدارة مجلس وقرب مقام، ونزع لجذور الحقد من نفوس شانئيه، فقال على لسان النرجس - الذي يرمز إليه - : "فليت الرياضَ تعلم بمكاني فتذبل كمداً، وتذوي حسداً، وتراني وقد أنرتُ في أفقك البهيج، وزهرتُ في روضك الأريج، فكم تمنى الأزهارُ أن تُضامَ لديك مطالبي وتكدر في ذراك مشاربي، فأزل عني حسدهم بكبتهم، فقد شجاهم تقدمي قبل وقتهم، وأكمل مسرتي وتمم أنسي، بلقاء شقيقة نفسي" (13).
فقول ابن حسداي :
"فأزل عني حسدهم بكبتهم..." حَلٌّ لمعقود قول المتنبي: (الطويل)
أزل حسدَ الحُسـّادِ عني بكبتهـم فأنت الذي صيَّرتهم لي حُسّدا (14).
واستدعاء للمناخ السائد بين مرتادي بلاط سيف الدولة الحمداني من تحاسد وتنافس أودى بالمتنبي إنساناً، فرحل إلى مصر غاضباً وطامحاً أيضاً، ولكن (النفيس غريب حيثما كانا) على حد تعبير المتنبي ذاته.
وإذا كانت "الرسائل ذات الاتجاه السياسي... والاتجاه الاجتماعي ورسائل الجهاد والصراع مع الصليبيين.. تخلو من ظاهرة التنويع بين الشعر والنثر، وكذلك الحال في الرسائل الدينية..." (15) فإن شعر المتنبي لم يخضع لتلك القاعدة، إذ راح يفرض وجوده على صحائف النثر الديواني (16)، ورسائل الصراع الديني والجهاد (17)، بل إنه تطرق ليأخذ مكانة ضمن رسائلهم الهزلية (18).
فقد خاطب أبو الحسن يوسف بن محمد بن الجد عمّه أبا القاسم محمد بن عبدالله بن الجد من ميورقة عندما تناثر عقد رؤساء الجزيرة، راصداً عنف المآل وفداحة التداعيات، فصدّر رسالته ببيتين للمتنبي، يقول فيهما : (البسيط)
طوى الجزيـرةَ حتى جاءني خبـرٌ فزعتُ فيــه بآمالـي إلى الكـذبِ
حتى إذا لـم يـدع لي صدقُه أمـلاً شرقتُ بالدمع حتى كاد يشرق بي
وإن عيناً لم تصب بدم بعد دمٍ لبخيلةٌ، وإن نفساً لم تَذُبْ على تلك النازلة العظمى لجَلْدة حمولةٌ... وأنا حين خططت هذه الأحرف على جمر الأسى متقلب، وبارتقاب ما خصكم - لازال خيراً - مُعذّب..." ثم ختم رسالته بأبيات من نظمه تدور حول ما اعتراه من حزن، وما حل بالأندلس من نكبات، فقال : (الطوي)
كتبت وقد غالت عزائي أشجان وقــد شَرِقَتْ بالدمعِ والدمِ أجفـانُ
عـزاء وأنَّى بالعـزاءِ وقد هَوَتْ كما قـد ذوتْ فيكـمْ نجـومٌ وأغـصانُ
وغاضتْ بحــورٌ للندى وتقلصت ظـلالُ العُلا وانهدَّ للمجدِ بنيانُ (19)
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تخطاه ليشمل رسائل غير حفية باحتضان الشعر، مثال ذلك ما قام به ابن أبي الخصال من حل معقود بيت شعر للمتنبي يقول فيه : (الكامل)
لا يسلمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى حتى يـراقَ على جـوانبـه الــدّمُ
مستعيناً به في تضاعيف نسخة إجازة مقرئ أتقن علم القراءة وحَذِقُه على الشيوخ المعتبرين (20)
من خلال النماذج السابقة - وغيرها كثيُر طُرِحَ لضيق المقام - تجلّى أثر المتنبي على مترسلي الأندلس، فتسرب شعره في تضاعيف فنونهم النثرية تسرباً لا يحده حدّ، ولا يعوقه عائق ؛ فالمتنبي ذاتٌ طاغية مهيمنة، وملكة شعرية جاذبة، تتبدى تجلياتها في كل الآفاق، وتثمر في تربة غير مؤهلة للغرس ومن ثَمَّ الإثمار... فأي مقام من مقامات النثر الأندلسي لم يفتح المتنبي لشعره كوة يُطِلُّ منها، أو يشق لنفسه مجرى يتدفق من خلاله؟.
  رد مع اقتباس