تابع التغير ((
المحاضره السادسه
- رحمته صلى الله عليه وسلم:
كانت رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم جامعة، تشمل عامة الناس؛ مسلمهم وكافرهم، مؤمنهم ومنافقهم، صالحهم ومسيئهم, فوجوده صلى الله عليه وسلم كان رحمة للجميع قال تعالى في شأنه: {وَمَا كان الله ليُعذِبَهم وأنت فيهم} (الأنفال:33), ورسالته كانت رحمة للجميع, قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الانبياء:107), ويقول هو صلى الله عليه وسلم عن نفسه: "إنما أنا رحمة مهداة". وفي القيامة هو رحمة للجميع, حيث يشفع لهم ليريحهم من هول الموقف.
وعندما طلب منه بعض أصحابه أن يدعو على المشركين أجابهم بقوله: "إني لم أبعث لعاناً”, ودعا لهم بالهداية قائلاً: ”اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون“, وبلغ من رحمته صلى الله عليه وسلم أن دعا الله بأن يجعل سَبَّهُ ولعنهُ لِمَنْ أغضبه رحمةً, فقال: "اللهم إنما أنا بشر، فأيُّ المسلمين سببته أو لعنته، فاجعلها له زكاة وأجراً”.
لقد ملأ الله قلبَ محمدٍ رحمة بالمؤمنين فقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ}(آل عمران159)
وبلغ من شفقته ورحمته بأمته أن دعا على ولاة الأمور الذين لا يرفقون برعاياهم فقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم من وليَ من أمرِ أمتي شيئاً، فشقَّ عليهم، فاشقُق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً، فرفق بهم، فارفق به". وقال صلى الله عليه وسلم في بيان فضل الرحمة والحث عليها: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”,
ومن مظاهر رحمته بالمؤمنين أنه أمر من أمَّهم في الصلاة بأن يخفف في صلاته...
ومما يدل على أن قلب النبي صلى الله عليه وسلم كان مفعماً بالرحمة والشفقة, بكاؤه على ولده إبراهيم في مجتمع يعيب مثل هذا الأمر, ويعتبره ضعفاً في الرجال, فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ، وَكَانَ ظِئْراً لإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا ...
4- صدقه صلى الله عليه وسلم:
اشتهر النبي صلى الله عليه وسلم بين قومه بالصادق الأمين حتى قبل إعلانه دعوته، وإعلامهم بأن الله قد أرسله إليهم, ولعل في الصورتين الآتيتين ما يؤكد هذا المعنى:
1- اعتراف أعدائه بصدقه حتى قبل إعلانه لدعوته: فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: لما نزلت الآية {وأنذر عشيرتك الأقربين}(الشعراء:214)، صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عدي"؛ لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً؛ لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش. فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، كنتم مصدقي؟" قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: "فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فنزلت: {تبت يدا أبي لهب وتب} الآية“.(المسد:1) وهذه غاية الفطنة منه صلى الله عليه وسلم, حيث انتزع منهم الاعتراف بصدقه, وجعلهم يقرون به على رؤوس الأشهاد, وأقام عليهم الحجة, ثم أخبرهم بأنه رسولٌ من الله إليهم, فأبهتهم.
.............