المحاضره التاسعه: المنطوق والمفهوم:
المنطوق:
هو مادل عليه اللفظ في محل النطق أو دلالة اللفظ على حكم نطق به مطابقة أو تضامنا أو التزاما .
وينقسم المنطوق إلى قسمين :
الأول : منطوق صريح
الثاني: منطوق غير صريح
الأول : منطوق صريح:ويراد به دلالة اللفظ على الحكم مطابقة أو تضمنا وقيل هو ماوضع له اللفظ وهو ثلاثة أنواع:
أولاً: النص
وهو ما أفاد بنفسه معنى صريح لا يحتمل غيره وقيل : (مالايحتمل التأويل ) وقيل : ماأفاد معنى لا يحتمل غيره , ومثاله قوله تعالى : (فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُم تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) فإن قوله ( عشرة) دفع توهم دخول الثلاثة في السبعة , وقوله : (كامله) تأكيد لهذا المعنى ودفع لأي احتمال آخر غير العشرة .
ثانياً:الظاهر
وهو ماأفاد بنفسه معنى صريحا واحتمل غيره احتمالا مرجوحا.
ومثاله قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهَرْن ) فإنه يقال لانقطاع الدم : طهر, وللاغتسال منه : طهر ,والثاني أظهر , وهو الراجح .
ثالثا: المؤوَّل
وهو ماحمل لفظه على المعنى المرجوح لدليل.
ومثاله قوله تعالى: ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)
فالظاهر من كلمة جناح هو جناح الريش ويستحيل حمله على الظاهر لاستحاله أن يكون للانسان أجنحة فيحمل على الخضوع وحسن الخلق وبهذا صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل وهو هنا الاستحالة.
الثاني: منطوق غير صريح:
ويراد به دلالة اللفظ على الحكم التزاما , وهو نوعان :
الأول: دلالة الاقتضاء .
الثاني:دلالة الإشارة .
الأول : دلالة الاقتضاء
وهو ما توقفت دلالة اللفظ فيه على إضمار.
ومثاله قوله تعالى: ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَّرِيضاً أَو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَر) فإن دلالة اللفظ على المعنى تلزم إضمار كلمة (فأفطر) والمعنى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر , لأن قضاء الصوم إنما يجب اذا افطر وليس لمجرد السفر أو المرض .
وهذا النوع من باب إيجاز القصر في علوم البلاغة .وسمي دلالة اقتضاء لاقتضاء الكلام لفظا زائدا على المنطوق .
الثاني: دلالة الإشارة
وهو : مادل لفظه على مالم يقصد به قصدا أوليا بل من لازمه.
ومثاله قوله تعالى :{ أُحِلَّ لَكُم لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُم .....} الآيه, فإنه يلزم من جواز الأكل والشرب والجماع حتى الفجر بحيث لايتسع الوقت للغسل من الجنابه أن يصبح الصائم على جنابة , فتكون دلالة اللفظ أشارت إلى جواز إصباح الصائم على جنابة , وهو معنى لم يقصد باللفظ قصدا أوليا بل من لوازمه .
المفهوم:
هو مادل عليه اللفظ لا في محل النطق .
ينقسم إلى قسمين:
مفهوم موافقة.
مفهوم مخالفة .
أولا: مفهوم الموافقة:
هو ماوافق حكمه حكم المنطوق .
وهو نوعان :
النوع الأول : فحوى الخطاب
وهو ماكان المفهوم فيه أولى بالحكم من المنطوق كقوله تعالى :{فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍ } فإن تحريم التأفيف منطوق ,والمفهموم تحريم الضرب وهو أولى بالحكم , فالضرب أشد حرمه من التأفيف مع أن تحريم التأفيف منطوق وتحريم الضرب مفهوم, وهو تنبيه بالأدنى على الأعلى .
النوع الثاني :لحن الخطاب .
وهو ماكان المفهوم فيه مساويا لحكم المنطوق كقوله تعالى:{ إِنَّ الذِّينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَـٰمَى ظُلْمَاً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارَاً وَسَيُصْلَونَ سَعِيرَاً }فالمنطوق تحريم أكل مال اليتيم ظلما , والمفهموم تحريم إحراقه أو أي إستهلاك له بغير حق , لأن ذلك مساوٍ للأكل في الإتلاف .
ثانيا: مفهوم المخالفة:
وهو ما خالف حكمه حكم المنطوق .
وعلى هذا فمفهوم المخالفه أنواع منها:
- مفهوم الصفه . - مفهوم غاية
- مفهوم حصر . - مفهوم شرط
• مفهوم الصفه :
والمراد بها الصفه المعنويه , وذلك بأن يكون في المنطوق صفه لا توجد في المفهوم فيختلف الحكم , سواء كانت هذه الصفه :
نعتا : كقوله تعالى :( إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَاءٍ فَتَبَيَّنُوا )
فالمنطوق أن شهاده الفاسق لا تقبل , والمفهوم أن شهاده العدل تقبل , فيجب قبول خبر الواحد الثقه .
حالاً : كقوله تعالى {يَـٰأَيُّها الذِّينَ ءَامَنُوا لَاتَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَتَل مِنَ النِّعَم }
فالمنطوق أن الجزاء يجب على من كان متعمدا, والمفهموم أن غير المتعمد لا يجب عليه شي .
ظرفاً : زمنيا كقوله تعالى ( الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَـٰتٌ) ومفهومه أن الحج في غير هذه الأشهر لا يصح. أوظرفا مكانيا كقوله سبحانه :{فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ } ومفهومه أن ذكر الله عند غير المشعر الحرام لا يدخل في هذه الآية.
عدداً : كقوله تعالى :{ فَاْجْلِدُهُم ثَمَـٰنِينَ جَلْدَةً } فالمنطوق ثمانين جلدة والمفهوم أن لا يجلدوا أقل من الثمانين ولا أكثر منها .
• مفهوم شرط:
وذلك بأن يكون في المنطوق شرط , لا يوجد في المفهوم فيختلف الحكم كقوله تعالى: ( وَإِن كُنَّ أُوْلَـٰتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعنَ حَمْلَهُونَّ ) والمفهموم أن غير الحامل لا تجب لها النفقة لعدم وجود الشرط وهو الحمل
• مفهوم غاية :
وهو ان يكون الحكم في المنطوق مقيدا بغاية والمفهوم ان الحكم يزول بعدها كقوله تعالى: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسوَدِ مِنَ الفَجْرِ) فالمنطوق اباحه الأكل والشرب حتى طلوع الفجر والمفهموم تحريم الأكل والشرب بعد طلوع الفجر .
• مفهوم حصر :
وهو أن يكون الحكم محصورا في صورة المنطوق .
والمفهوم أن لا يتحقق الحكم في غير هذه الصورة كقوله تعالى :
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) فالمنطوق أن العبادة لله والاستعانه بالله , والمفهوم أن لا يعبد غير الله ولا يستعان بغيره .
حكم الاحتجاج بالمفهوم :
أما مفهوم الموافقه فاحتج به الجمهور ولم يخالف في الاحتجاج به إلا الظاهرية ولا يلتفت إلى خلافهم
وأما مفهوم المخالفة فاحتج به الجمهور وخالفهم في ذلك الحنفية والظاهرية
شروط الاحتجاج بمفهوم المخالفه :
وقد اشترط العلماء للاحتجاج بمفهوم المخالفة شروطا منها:
أولاً: أن لا يدل على المسكوت عنه دليل خاص يعارض مفهوم المخالفة ومثاله قوله تعالى: ( فَلَيْسَ عَلَيْكُم جُنَاحُ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَـﯜةِ إِنْ خِفْتُمْ ) فمفهوم المخالفة ( مفهوم الشرط ) يدل على عدم جواز القصر حالة الأمن، ولكن ورد دليل خاص يجوز صلاة القصر في الخوف والأمن على السواء ، وهو قوله " صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ " رواه مسلم ، فيقدم النص على مفهوم المخالفة، لأن المنطوق مقدم على المفهوم..
ثانياً : ألا يكون القيد خرج مخرج الغالب .
وذلك كالقيد بالحجور في قوله تعالى : ( وَرَبَـٰئِبُكُمُ الّـٰتِي فِي حُجُورِكُم ) فالربيبة وهي بنت الزوجة تحرم على زوج الأم , ومفهوم المخالفة أنها إذا لم تكن في حجر الزوج لا تحرم عليه , والصحيح أنها تحرم سواء كانت في حجره أو لم تكن , وانما ذكر القيد لأن الغالب أن بنت الزوجه تعيش عند أمها مع الزوج الجديد , ولا أثر لذلك في الحكم .
ثالثاً: أن لايكون القيد المذكور لبيان فائدة أخرى غير تقييد الحكم .
كالترغيب أو الإمتنان أو التنفير أو التفخيم أو لبيان الواقع فإن كان القيد لفائدة أخرى غير تقييد الحكم لم يكن له أثر في تقييد الحكم .
فقوله تعالى :{يَـٰأَيُّها الذِّينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَو͂اْ أَضْعَـٰفَاً مُّضَـٰعَفَةً }
لا يدل على أن الربا لا يحرم إلا إذا كان أضعافا مضاعفة , فهو يحرم ولو كان قليلاً , وإنِّمَا وصف بالأضعاف المضاعفة للتنفير مما كانوا عليه في الجاهلية من الظلم .