عرض مشاركة واحدة
قديم 2012- 5- 20   #28
أرض و وطن
أكـاديـمـي فـعّـال
 
الصورة الرمزية أرض و وطن
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 45489
تاريخ التسجيل: Fri Jan 2010
المشاركات: 212
الـجنــس : أنـثـى
عدد الـنقـاط : 133
مؤشر المستوى: 68
أرض و وطن will become famous soon enoughأرض و وطن will become famous soon enough
بيانات الطالب:
الكلية: كلية الآداب بالدمام
الدراسة: خريج جامعي
التخصص: لغة عربية
المستوى: المستوى الثامن
 الأوسمة و جوائز  بيانات الاتصال بالعضو  اخر مواضيع العضو
أرض و وطن غير متواجد حالياً
رد: تواصل بنات الإنتساب مستوى 8 مع النثر العربي الحديث لـ د. منى الغامدي

مقالة ولدي رجاء
يا قارئي أنت صديقي فدعني أُرِق علىيديك هذه العبرات الباقية،هذا ولدي كما ترى،رُزِقته على حال عابسة كاليأس،وكهولة بائسة كالهرم،وحياة باردة كالموت،فأشرق في نفسي إشراق الأمل،وأورق في عودي إيراق الربيع،وولّد في حياتي العقيمة معاني الجدّة والإستمرار والخلود!

كنت في طريق الحياة كالشارد الهيمان،أنشد الراحة ولا أجد الظل،وأفُيض المحبة ولا أجد الحبيب،وألبس الناس ولا أجد ما ألبس،وأكسب المال ولا أجد السعادة وأعالج العيش ولا أدرك الغاية!!

كنت كالصوت الأصم لايرجِّعه صدى،والروح الحائر لايقره هدى،والمعنى المبهم لايحدده خاطر!! كنت كالآلة أنتجتها آلةٌ واستهلكها عمل،فهي تخدم غيرها بالتسخير،وتميت نفسها بالدءوب،ولا تحفظ نوعها بالولادة،فكان يصلني بالماضي أبي،ويمسكني بالحاضر أجلي،ثم لايربطني بالمستقبل رابط من أمل أو ولد،فلما جاء ((رجاء)) وجدُتني أُولد فيه من جديد،فأنا أنظر إلى الدنيا بعين الخيال،وأبسم إلى الوجود بثغر الأطفال،وأضطرب في الحياة اضطراب الحي الكامل يدفعه من ورائه طمع،ويجذبه من أمامه طموح!

شعرت بالدم الحار يتدفق نشيطاً في جسمي،وبالأمل القوي ينبعث جديدا في نفسي،وبالمرح الفتي يضج لاهياً في حياتي،وبالعيش الكئيب تتراقص على حواشيه الخضر عرائس المنى! فأنا ألعب مع رجاء فأدخل معه دخول البراءة في كل ملهى،وأطير به طيران الفراشة في كل روض،ثم لم يعد العمل الذي أعمله جديرا بعزمي،ولا الجهد الذي أبذله كفاءً لغايتي،فضاعفت السعي،وتجاهلت النصب،وتناسيت المرض،وطلبت النجاح في كل وجه!

ذلك لأن الصبي الذكي الجميل أطال حياتي بحياته،ووسّع وجودي بوجوده،فكان عمري يغوص في طوايا العدم قليلاً قليلا ليمد عمره بالبقاء،كما يغوص أصل الشجرة في الأرض ليمد فروعها بالغذاء.

شغل رجاء فراغي كله، وملأ وجودي كله،حتى أصبح شغلي ووجودي،فهو صغيراً أنا،وأنا كبيراً هو،يأكل فأشبع،ويشرب فأرتوي،وينام فأستريح،ويحلم فتسبح روحي وروحه في إشراق سماوي من الغبطة لايوصف ولا يحد!!

ماهذا الضياء الذي يشع في نظراتي؟ ماهذا الرجاء الذي يشيع في بسماتي؟ماهذا الرضا الذي يغمر نفسي؟ماهذا النعيم الذي يملأ شعوري؟ ذلك كله انعكاس حياة على حياة،وتدفق روح على روح،وتأثير ولد في والد!؟

ثم انقضت تلك السنون الأربع! فَطوِّحت الواحة وأوحش الفقر، وأنطفأت الومضة وأغطش الليل،وتبدد الحلم وتجهم الواقع،وأخفق الطب ومــــــــــــــــــــــــــــات رجاء!!

ياجبار السموات والأرض رُحماك!! أفي مثل خفقة الوسنان تبدّل الدنيا غير الدنيا،فيعود النعيم شقاء،والملاء خلاء،والأمل ذكرى؟!

أفي مثل تحية العَجِلانِ يصمت الروض الغَرِد،ويسكن البيت اللاعب،ويقبح الوجود الجميل؟! حنانيك يالطيف!!ماهذا اللهيب الغريب الذي يهب على غشاء الصدر ومراق البطن فيرمض الحشا ويذيب لفائف القلب؟

إن قلبي ينزف من عيني عبرات بعضها صامت وبعضها مُعول! فهل لبيان الدمع ترجمان،ولعويل الثاكل ألحان؟ إن اللغة كون محدود فهل تترجم اللانهاية؟ وإن الآلة عصب مكدود فهل تعزف الضرم الواري؟ إن من يعرف حالي قبل رجاء وحالي معه يعرف حالي بعده! أشهد لقد جزعت عليه جزعاً لم يغن فيه عزاء ولا عظة! كنت أنفر ممن يعزيني عنه لأنه يهينه،وأسكن إلى من يباكيني عليه لأنه يُكبِره،وأستريح إلى النادبات يندبن الكبد الذي مات والأمل الذي فات والملك الذي رُفع!!

لم يكن رجاء طفلاً عادياً حتى أملك الصبر عنه وأطيع السلوان فيه،إنما كان صورة الخيال الشاعر ورغبة القلب المشوق! كان وهو في سِنِّهِ التي تراها يعرف أوضاع الأدب،ويدرك أسرار الجمال،ويفهم شؤون الأسرة،ويؤلف لي (الحواديت) كلما ضمني وإياه مجلس السمر! كان يجعل نفسه دائما بطل (الحدوته) فهو يصرع الأسود التي هاجمت الناس من حديقة الحيوان،ويدفع (العساكر) عن التلاميذ في أيام المظاهرات،ويجمع مساكين الحي في فناء الدار ليوزع عليهم ماصاده ببندقيته الصغيرة من مختلف الطير!!

والهف نفسي عليه يوم تسلل إليه الحِمام الراصد في وعكة قال الطبيب إنها (البرد) ثم أعلن بعد ثلاثة أيام أنها (الدفتريا)! لقد عبث الداء الوبيل بجسمه النضر كما تعبث الريح السموم بالزهرة الغضة! ولكن ذكاؤه وجماله ولطفه مابرحت قوية ناصعة،تصارع العدم بحيوية الطفولة!!

والهف نفسي عليه ساعة أخذته غصة الموت،وأدركته شهقة الروح،فصاح بملء فمه الجميل : ((بابا!! بابا!!)) كأنما ظن اباه يدفع عنه مالايدفع عن نفسه!!

لنا الله من قبلك ومن بعدك يارجاء،وللذين تطولوا بالمواساة فيك السلامة والبقاء.!!
  رد مع اقتباس