يقول خليل جبران
وعظتني نفسي فعلمتني حب ما يمقته الناس ومصافاة من يضاغنونه وأبانت لي أن الحب ليس بميزة في المحب بل في المحبوب॥
وقبل أن تعظني نفسي كان الحب بي خيطا دقيقا مشدودا بين وتدين متقاربين أما الآن فقد تحول إلى هالة أولها آخرها وآخرها أولها تحيط بكل كائن وتتوسع ببطء لتضم كل ما سيكون ।
وعظتني نفسي فعلمتني أن أرى الجمال المحجوب بالشكل واللون والبشرة، وأن أحدق متبصرا بما يعده الناس شناعة حى يبدو لي حسنا..
وقبل أن تعظني نفسي كنت أرى الجمال شعلات مرتعشة بين أعمدة من الدخان واضمحل فلم أعد أرى سوى مايشتعل .
وعظتني نفسي فعلمتني الإصغاء إلى الأصوات التي لا تولدها الألسنة ولا تضج بها الحناجر.وقبل أن تعظني نفسي كنت كليل المسامع مريضها ، لا أعي سوى الجلبة والصياح ، أما الآن فقد صرت أتوجس بالسكينة فأسمع أجواقها منشدة أغاني الدهور ، مرتلة تسابيح الفضاء ، معلنة أسرار الغيبوعظتني نفسي فعلمتني لمس ما لم يتجسد ولم يتبلور ، وأفهمتني أن المحسوس نصف المعقول .
وان ما نقبض عليه بعض ما نرغب فيه. .
وقبل أن تعظني نفسي كنت أكتفي بالحار إن كنت باردا .
والبارد إن كنت حارا.
وبأحدهما إن كنت فاترا .
أما الآن فقد انتثرت ملامسي المنكمشة و انقلبت ضبابا دقيقا يخترق كل ما ظهر من الوجود ليمتزج بما خفي منه .
وعظتني نفي فعلمتني أن أقول "لبيك" عندما يناديني المجهول والخطر . .
وقبل أن تعظني نفسي كنت لا أنهض إلا لصوت مناد عرفته .
ولا أسير إلا على سبل خبرتها فاستهونتها.
أما الآن فقد أصبح المعلوم مطية أركبها نحو المجهول ، والسهل سلما أتسلق درجاته لأبلغ الخطر