2012- 10- 3
|
#1140
|
|
أكـاديـمـي مـشـارك
|
رد: , [ مُتنفسَآت آُلُمدوُنآت ]
غيابها لا يؤثّر فيك أبدًا ،
حتى و إنْ كنتَ تمضي من حجرةٍ إلى أخرى دون أن تدري سببًا لذلك ، أو تشرب شايًا أكثر من المعتاد ، حتى و إنْ كانت سجائرك تنفد أسرع مما اعتدتَ أن تفعل ، فذلك لا يعني أن غيابَ امرأةٍ قد أثّرَ فيك ، أو خرج بالأمور عن طبيعتها .
غيابها ليس أكثر من بقائك وحيدًا ،
ليس أكثر من مكوث قدح الشاي في يدك طويلا ، إصغاؤك لقطرة الماء التي تسقط ، قفز خطوط السجاد إلى عينيك كما لو أن يدًا خطّتْها للتوّ ؛ فبدتْ أكثر بياضًا ، ذهابك في التفاتةٍ طويلة تَنْتَبِهُ إلى مبالغتك بها متأخرًا مما يجعلك تدير وجهك إلى جهةٍ معاكسة ـ فقط ـ لتكون عادلا .
أنت لا تفكر فيها على الإطلاق ..
بل على العكس من ذلك تمامًا ، فالفراغ الذي أحدثَهُ يقينُ عدم وجودها ، كان كافيًا لأخذ انتباهك من يدِّ كلِّ ما سواه ، كافيًا لأن تفكّر فقط أن الهواء الذي يمرّ لا يحمل رائحتها ، أن عينك ترى كل شيءٍ فيما عداها ، أنّ عينك تسقط على قاع الشيء و تجده خاليًا منها .
ليس في وسعك القول أن غيابَها يشغلك ،
أو أنك تكترث لهذا الغياب . صحيحٌ إنك ترغب لو أنها قريبة منك ، و تودّ لو تتحدّثان في أمورٍ و إن كانت تافهة ، أو يَعْمُقُ صمتُكما حتى لتسمعَ صوتَ تنفّسِها .
غيابها لا يشغلك ..
و لا يمكن أن يكون كذلك ، كل ما في الأمر أنك لا تسمع صوتها ، أنّ وجهها لم يعد مرئيا ، أن يدك التي تمدّها لا تلمس غير غيابِها ، و أنك تدرك عمق العبث بفكرة الشروع بمناداتها . تدرك أن غياب امرأةٍ لا يُعَدّ شاغلا للذي يؤمن مثلك أن غيابَها يسيرٌ جدًّا ، و أنه ليس أكثر من أن امرأةً غابتْ ولم تنسَ أن تأخذ معها صوتَها و صمتَها ، رائحتها ، ضحكتها ، اضطرابَها و أشياءَ أخرى ؛ تركتْ المكانَ عاريا و لم تدع لك حتى مجرّدَ قدرتك على التفكير فيها ، لم تدع لك إمكانية أن تنشغلَ بها أو تكترث .
غيابها لن يكون أكثر من تفاقم وحدتك ،
تتأمل مكانا خاليا لا تدري ما تفعل به .
غيابها ، أو سعيُكَ في المكان ؛ تحسب ، أو تملأ نفسك ذاتها بوهم الالتفاف حول ظرفِ غيبتها ، تروح تفتح النوافذ استجلابا للهواء بعد أن اقتحمتْ مياهُ غيبتها رئتيك ، فلا أحد يتحدث إليك و لا تتحدّث إلى أحد ، و لا ترغب ، لا تريد ، أو لا تحسن التصرّفَ في المساء الخالي الذي يملأ يديك .
كلّ ما هناك أن الوقت يمرّ تحت عينيك ، كما كان قبلَ غيابها ، و أن ذلك الغياب لا يُعدّ عقبة تعترض طريقَه ، و أن بشرتها ليستْ في مَطَال اليد ، أن صوتها لا يقرع أذنك و أنك قلِقٌ قليلا حيال أمور غامضة لا تتعلّق بغيبتها التي تزعم فصلها عن جسدك ، تفعل ذلك كأمرٍ بسيطٍ وغير مُقْلِقٍ ، كأنك تنضو ثيابك التي تعلّقها فتتأرجح قليلا ـ فيما تبتعد أنت ـ ثم تهجع .
كلّ ما هناك أنّ وقتا قد مرَّ ـ يمكن أن يُعدّ طويلا ـ دون أن تقع عليها العين ، أنها لفّتْكَ في خرقةِ صمتِك ، ومضتْ .
تريد النهوضَ و لا تقوى عليه ،
لأنّ غيابا كاملا يضغط على كل جسدك ، يهدم كل رغبة في الحركة لديك ، يقطع طريق النهوض .
تنامُ وليس هناك ما يؤرقك أو تفكّر فيه . . كل ما هناك أنك نمتَ في مكانٍ هي في مكانٍ غيره ، تتوسّد يقينَ أن عينها لن تسقط عليك طوال هذا النوم و لو بشكلٍ عابر ، تتمسّك بالحياة وتستيقظ فتعرف أنك نمتَ في مكان هي في مكانٍ غيره وأنّ عينها لم تسقط عليك ، وأذنها لم تأخذ غطيطَك .
كل ما هناك أنك بين غرفٍ خالية لستَ معنيا بها و لا بالضوء إذْ ينهلّ من النوافذ ويتهالك منتظرا في الممرات ، يذبله عجزُه عن العثور عليها ؛ فيهوي بعمقٍ في غيابِها ..
ابراهيم الحسين - مِن غيابها
|
|
التعديل الأخير تم بواسطة أهَـذْريـبـكـْ ; 2012- 10- 3 الساعة 05:59 PM
|
|
|
|