|
رد: شخصيــــــــات رائعه مرت في حياتنـــــا وحياة آباءنا وأجدادنــــا ,,
هـ– من المجتمع البدوي إلى المجتمع المدني، نقلة نوعية:
الظاهرة المهمة التي شغلت الحكم، في عهد الملك عبدالعزيز، هي ظاهرة الرفض، ونعني بذلك:
1- رفض المجتمع البدوي للمجتمع المدني (أو الحضري).
2- رفض المجتمع الديني للتطور العلمي.
وقد عالج الملك هاتين الظاهرتين بأسلوب حكيم وشجاع وحازم.
1– معالجة رفض المجتمع البدوي للمجتمع المدني:
يصف المفكر العربي "أحمد أمين" حال "جزيرة العرب" قبل عهد الملك عبدالعزيز، بأنهــا : " أشبه بشيءٍ بحالتهــا في الجاهلية، كل قبيلة تسكن موضعاً يرأسها أمير منها، هذا أمير في الأحساء، وهذا أمير في عسير وهؤلاء أمراء في نجد الخ... ولا علاقة بين الأمير والأمير إلا علاقة الخصومة غالباً، ثم تتوزعها – أيضاً– الخصومة بين البدو والحـــضر"(49).
وبالفعل، ما أن تسلم ابن سعود زمام الملك في السعودية حتى بادر إلى معالجة هذا الوضع، وكان البدو – وهم المجتمع الأكثر عدداً في المملكة – يرفضون – في غالبيتهم – الانتقال إلى الحضر، ذلك انهم "لا يثبتون، ولا يطيعون، ولا يخلصون" لأنهم "لا يملكون شيئاً من الأرض، ولا يسكنون بيوتا ثابتة"، فعمد إلى تشجيعهم على الانتقال "من البادية إلى المدينة" وذلك عن طريق تمليكهم أرضاً ومساعدتهم في إقامة المنازل(50)، وهو ما سمي "بالهُجَر"* (جمع هجرة، أي الرحيل من موضع للاستقرار في موضع آخــــر، وفي الــــحال الذي نحن بصدده "كل مدينة أو قرية جديدة في نجد بناها البدو الذين تدّينوا وتحضّروا فهجروا إليها من الجهالة إلى الدين ومن البداوة إلى الحضر هي هجـــرة")(51).
ويحدد الريحاني أسباب "الهُجَر" بثلاثة : "تعليم البدو الدين، ونفعهم بأرض يحرثونها، والاستيلاء عليها"(52) مما يدفعهم إلى التشبث بها والدفاع عنها، ولكننا نميل إلى تعريف "الهجرة" في هذه الحال بأنها انتقال البدوي من حال البداوة وعدم الاستقرار إلى حال الحَضَر والاستقرار في مدن وقرى، وأن أهدافها تنحصر في تمليك البدوي الأرض لكي يعتاد الزراعة والصناعة الحرفية فيستقر، ثم يتعلم أصول دينه، ليكون أكثر تمسكاً بأرضه ومعتقداته، واكثر استعدادا للدفاع عنها.
كان البدو يعانون من الجفاف – حيث لا ينبت الكلأ – مما يضطرهم للترحال الدائم سعياً وراء الخصب والمرعى لإشباع ماشيتهم وأسَرهم، فعمد الملك عبدالعزيز إلى منحهم "النقود والحبوب والأدوات الزراعية ومواد بناء المساجد والمدارس ، كما بعث المطاوعة لتعليمهم"، ثم "زود المحاربين بالسلاح والذخيرة للدفاع عن الدين"(53). وكان أهم شروطه "للانتماء إلى الهجرة" هو "التخلي عن عادات والتزامات نمط الحياة العشائرية"(54) ، ولكن البدوي لم يكن يتقيد بهذا الشرط، إذ كانت الهجرة – بعكس ذلك – تتم "على أساس قبلي" ، حيـــث كانت كل قبيلة تهاجر إلى موقع وتستقـــر فيـــه – بكاملها – مع زعمائها وشيوخها، مما أدى إلى احتفاظ هذه القبائل بالهيكلية التنظيمية والتراتبية التي كانت تتبعها في بداوتها، وهو ما لم يكن الملك ليبتغيه (55)، لذا، حاول أن يقسّم كل قبيلة إلى عدد من "الهجرات" حسب حجمها، فقرر – مثــــلاً – تقسيم قبيلة "العجمان" إلى "زهاء عشرين هجرة صغيرة مبعثرة في المناطق الداخليــة من نجد" إلا أن هذه القبيلة رفضت ذلك، وأصرت على أن تقيم مجتمعة في الأحســـاء(56).
وكانت الضرورات الاقتصادية هي التي تسّهل – في غالب الأحيان – انتقال البدو إلى الحضر عن طريق استقرارهم في "هُجَر" معينة، وكان البدو الذين ينتقلون إلى "الهُجَر" وإن حافظوا على الهيكلية التراتبية لقبائلهم، يهتمون بأمور ثلاثة: الزراعة، وتعلّم الدين، والتدرّب على السلاح لضرورات الدفاع، وكان هؤلاء يؤدون الخدمة العسكرية في ثلاث فئات:
- فئة المجاهدين الذين يظلون في حالة تأهب واستعداد للقتال في سبيل الله، وهؤلاء مسلحون دائما، ولديهم مطاياهم وذخيرتهم.
- فئة الاحتياطيين والرديف، وهم الذين يظلون على أهبة الاستعداد للدخول في الحرب عند الضرورة، وهم يلون المجاهدين في الترتيب، إلا انهم يعتبرون "جهاداً مثنى" لأنهم "يلبون الدعوة الثانية" للجهاد، حيث يأتي كل واحد منهم "بمجاهد آخر يردفه ذلوله".
- وفئة القاعدين الذين "يظلون في القرى، عندما تنشب الحرب" لكي يقوموا بأعمال الزراعة والتجارة ، إلا أنه يمكن تجنيدهم، عندما تدعو الحاجة، بقرار من الإمام، باعتبار أن الإمام – وحده – له الحق بالدعوة إلى "الجهاد والجهاد مثنى"(57).
إلا أن الريحاني يصف البدو بأنهم "سيف في يد الأمير اليوم، وخنجر في ظهره غداً، مجاهدون إذا ما قيل غنائم، متمارضون إذا ما قيل الجهاد"(58). وهذا ما سعى الملك عبدالعزيز إلى تغييره، في نفسية البدوي وتقاليده، وقد نجح في ذلك أيما نجاح، إذ انتقل البدوي من مغامر يسعى لتحقيق مصالحه الذاتية، إلى مواطن يدافع عن دينه ، ويؤمن بأن له وطناً، وان عليه أن يعززه ويحميه ويدافع عنه، وربما يموت في سبيله.
وقد استخدم ابن سعود، لكي يحقق هذا التغيير لدى البدوي، الأسلوب التالي:
- اعتمد "المطاوعة" لكي يعلموا البدو أصول الدين الحنيف مع ما يوجبه من فرائض وواجبات، كالصلاة والصوم والحج والزكاة ، وكان البدو يقومون بتعلّم دينهم وتأدية فريضة الصلاة في مساجد قراهم.
- من خلال ذلك، تعلم البدو "الشريعة والنظام، وطاعة الحكم، واحترام حياة الأنام"، وهو ما لم يكونوا يقيمون له وزناً قبل ذلك.
كان الملك يختار، لإقامة "الهُجَر" ، مكاناً يتوافر الماء فيه، فتقوم القبيلة، أو فخذ من القبيلة، بحفر البئر وبناء المسجد (الذي هو جامع القرية ومدرستها) ، ثم تبنى المساكن بسرعة، ويساعد الملك – مالياً – في التكاليف، وكان "الجمل" أحد أهم أسباب عدم استقرار البدوي في موقع محدد، فهو يمتطيه ويجوب الأرض بواسطته طلباً للرزق "حلالاً أو غزواً" ،لذا، أجبر البدو – في الهُجر – على بيع إبلهم. وربما كان بيع الإبل سبباً في اندفاع البدو إلى إتباع طريقة الإخوان (وهم فئة شديدة التدين سيأتي الحديث عنها لاحقاً) ، حيث يلزمون منازلهم ومساجدهم يتعبدون الله، "فغدت بيوتهم مناسك، وقد نزلوها ابتغاء لوجه الله، وهجروا البادية حقيقة إلى الله والتوحيد، فاصبحوا عالة على صاحب البلاد"(59). ولم يكن ذلك ليرضي الملك، إلا انه لم يلبث أن وجد الوسيلة الناجعة لتلافي تلك الآفة، وذلك بواسطة "العلماء" أنفسهم، الذين لقنوا "هؤلاء" تاريخ أسلافهم العرب والمسلمين وسيرهم في الفتوح والجهاد، وقاموا بالمهمة خير قيام، إذ عمدوا إلى محاربة البطالة التي تفشت في "الهُجَر" بحثّ سكانها على الاقتداء بالسلف الصالح "وأن الزراعة والتجارة والصناعة لا تنافي الدين، وأن المؤمن الغني خير من المؤمن الفقير"(60). وهكذا استطاع العلماء أن يحبّبوا "العمل والمال"إلى أولئك الذين تشبّهوا بالإخوان وقلدوهم، فصاروا مثلهم "إخواناً، يتعصبون بالعصابة البيضاء التي تميزهم عن الناس"، وبدأ هؤلاء يتخلون عن كسلهم وبلادتهم وخمولهم، ويحرثون الأرض ويزرعونها، ويتاجرون، فانتعشت القرى، ونشطت فيها الزراعة والتجارة ، وبدأ البدوي يتحول، في "هُجَره"، إلى مواطن صالح يعمل لكسب عيشه وتربية عياله، ويسهر على راحة أهله وأبناء بلده ووطنه، ويحمل السلاح ذوداً عن هؤلاء جميعاً(61). وهكذا أضعفت الهجرة غريزة "الغزو" عند العرب حتى أزالتها نهائياً، وأحلت محلها الكسب الحلال من تجارة أو زراعة، وبدأت المملكة تجد – بذلك – طريقها الصحيح نحو التوحد القائم على المواطنة وليس على القبلية.
إلى هنا، وتظل الهجرة محصورة في الاستقرار بالقرى (الهُجَر) وفي الزراعة والتجارة، وتعلّم الدين وتأدية الفرائض الإسلامية، والاستعداد للدفاع عن الأرض والأسرة والوطن، ويحدثنا الريحاني انه قال – مرة – للملك عبدالعزيز : " ستكون الهجرة الثانية من الجهل إلى العلم إن شاء الله، فتؤسس المدارس ويتعلم الإخوان شيئا من العلوم التي من شأنها أن تحسّن الصناعة والتجارة والزراعة في البلاد" فأجابه الملك: "كل شيءٍ يجيء في وقته"(62).
ويتحدث الملك – في أحد مجالسه – عن هؤلاء البدو الذين تحضروا في "الهُجَر" فيقول: "يجيئوننا في السلم فنعطيهم كل ما يحتاجون إليه من كسوة ورزق ومال. ولكنهم في أيام الحرب لا يطلبون منا شيئاً، في أيام الحرب، يتمنطق الواحد منهم ببيت الخرطوش، ويبادر إلى البندقية، ثم يركب الذلول إلى الحرب ومعه شيء من المال والتمر القليل عندنا يقوم مقام الكثير عند غيرنا... كنا نمشي ثلاثة أيام بدون طعام، يأخذ الواحد منا تمرةً، من حين إلى حين، يرطّب بها فمه... نعم، كانت الحاضرة أثبت قدماً وأشد بأساً من البادية، أما الآن، فالبادية المتحضرون، أهل الهُجَر هم في القتال أثبت من الحاضرة وأسبـــق إلى الاستشهـــاد" (63). ويحصي الريحاني، في الملحق الذي أثبته بآخر كتابـــه" نجد وملحقاته" عدد "الهُجِر" عام 1344هـ /1926م، 72 هجرة موزعة على 12 قبيلة فيها 76500 مجاهد(64).
|