|
رد: شخصيــــــــات رائعه مرت في حياتنـــــا وحياة آباءنا وأجدادنــــا ,,
ب التنمية الاقتصادية: وتبرز في حقول المال والزراعة والنفط.
- ففي حقل المال، وضعت أول ميزانية للدولة عام 1353هـ(1934م)، حيث أوردت أبواباً خاصة بالواردات والنفقات، وقد كلفت كل إدارة من إدارات المملكة وضع الميزانية الخاصة بها للعام القادم، بحيث اشتملت "الميزانية العامة للمملكة" على الميزانيات الخاصة بالإدارات الرسمية كافة، وتحال "الميزانية العامة"، بعد وضعها من قبل "وزارة المالية"، إلى "مجلس الشورى" الذي يصادق عليها، بعد التدقيق بأرقامها، ويحيلها – بدوره– إلى "مجلس الوكلاء" (أو إلى مجلس الوزراء بعد إنشائه)، الذي يحيلها ، بدوره، بعد المصادقة عليها، إلى الديوان الملكي لتصديقها وصدور مرسوم ملكي بها.
ومن دلائل تطور الأوضاع المالية في المملكة نحو الأفضل أن ميزانية المملكة لعام 1367هـ/1948م، قد تضاعفت نحو خمس عشرة مرة بالنسبة إلى ميزانيتها لعام 1353هـ/1934م، مما يدل على أن المملكة كانت تسير، في طريق التطور التنموي، بخطوات واسعة وسريعة(111). هذا وقد أنشئت"وكالة نقدية" في إطار النقطة الرابعة، حاولت، بدورها، أن تبرمج الواردات والنفقات بصورة علمية، وظل من الصعب التمييز بين "القطــاع العام" وملكية الأســـرة المالكة ، إلى أن اصــــدر أول قانون للجمارك عـام 1372هـ/1953م، ونشرت أول موازنة للدولة في العام التالي1373هـ/1954م (112).
- وفي حقل الزراعة: كان من الصعب على المملكة أن تتقدم بسرعة، في هذا الحقل، وذلك بسبب حاجتها الماسة إلى المياه، خصوصاً أن معظم أراضيها ليست خصبة ولا يمكن أن تكون مروية بسهولة. وكان لا بد للملك من أن يبتكر وسائل لتحسين الحالة الزراعية في البلاد، فاستقدم مهندسين زراعيين من الخارج، من مصر وسوريا والعراق، ومن الولايات المتحدة الأميركية، وقد استطاعت هذه "البعثات" الزراعية إيجاد الوسائل الناجعة لتحسين الأحوال الزراعية في المملكة، وذلك بعد استغلال مناطق القطيف والهفوف وواحات يبرين (في الأحساء) ومزارع الخرج (في نجد)، وواديي نجران وطَريب (في عسير)، ومناطق أخرى في عسير وتهامـــة وعلى طول حدود اليمن، وقد ازدهــرت – في هذه المناطق – أنواع مختلفة من المزروعات، مثل :النخيل والحبوب والخضار والفواكه على أنواعها.
وفي عام 1367هـ /1948م، أنشئت "مديرية" خاصة بالزراعة، وقد قامت هذه المديرية بأعمال مهمة في المجال الزراعي (توفير آلات للري وحفارات ارتوازية وجرارات للحراثة وتوفير أشجار مثمرة مختلفة الأنواع، وقروض للمزارعين)، وكانت ميزانيتها عام 1369هـ/1950م ، اكثر من 30 مليون ريال سعودي أعطت منها قروضاً للمزارعين نحو مليون و 116 ألف ريال.
وبعد نحو شهر من وفاة الملك عبد العزيز عام 1373هـ/ 1953م، أنشئت "وزارة الزراعة" في المملكة، وكانت نواتها "مصلحة الزراعة" التي تحدثنا عنها(113).
- وفي حقل النفط، لعب النفط دوراً مهماً ورئيسياً في مختلف أوجه الحياة في المملكة العربية السعودية وخصوصاً بعد عام 1365هـ /1945م، حيث أصبح يستخرج بكميات صناعية كبيرة، بل يمكن القول إن النهضة التي شهدتها المملكة، في عهد الملك عبدالعزيز وبعده لم تكن ممكنة لولا عاملين هامين: العقل الحاكم في المملكة أولاً، مصحوباً بمادة "الإرادة" الصلبة التي انتهجها الحكم السعودي منذ تأسيس المملكة ، وقدم الملك عبد العزيز نموذجاً رائعاً لها، وتوافر مادة "النفط" في المملكة ثانيا، وليس العكس، إذ انه، لولا العقل السعودي والإرادة السعودية لما وفّر البترول ما توافر للمملكة من نهضة وتطور وتقدم.
وإذا كان القدر لم يتح للملك عبدالعزيز أن يشهد تدفق النفط من بلاده إلى العالم بشكل وافر، وبالتالي تدفق ثروة العالم إلى بلاده، فإنه هو من شق طريق هذه الثروة لكي تصل – عبره – إلى كل مواطن في المملكة ، بل إلى كل بلدٍ عربي في الوطن العربي الكبير، والى كل بلد مسلم في العالم الإسلامي المترامي الأطراف. فقد دعا إحدى الشركات الأجنبية للتنقيب عن النفط في بلاده عام 1354هـ /1935م، واستطاعت هذه الشركة أن تحقق أمل الملك وحلمه الطموح في البدء بإنتاج النفط في المملكة، في عهده، بعد ثلاث سنوات فقط 1357هـ/1938م، واستمر النفط– وكذلك الغاز– في التدفق بعد ذلك، موفراً للمملكة مداخيل لا بأس بها، ساعدت الملك على تحقيق أحلامه الطموحة في التنمية، ولكن طموح الملك لم يتوقف عند هذا الحد، بل إنه سعى لكشف النفط في أعماق البحار في المياه الإقليمية للمملكة، واستعان – لذلك – بشركة تنقيب أخرى استطاعت أن تكتشف مخزوناً هائلاً من النفط تحت الماء في البحر بين الكويت والمملكة، ولكن القدر لم يمهل الملك عبد العزيز لكي يرى هذه الثروة تتدفق، ويرى الأنابيب تحملها إلى مختلف أنحاء العالم لكي تزيد ثروة المملكة أضعافاً (114).
جـ– التنمية العمرانية: ليس صعباً على أي باحث أن يتحدث – لساعات طويلة – عن التنمية العمرانية التي عرفتها المملكة في عهد الملك عبدالعزيز، فقد عرفت المملكة في عهـده، الطائرات (الحربية والتجاريــــة) والمطارات ، بدءاً من عام 1348هـ /1929م، واهتم الملك بإيفاد البعثات العديدة من شباب المملكة لتعلم الطيران في بلدان مختلفة، كما أنشئت شركة الخطوط الجوية السعودية التي أمنت خطوطاً لها إلى مختلف بلدان العالم،(115). ويمكن القول – مثل ذلك – عن امتلاك المملكة للسيارة والهاتف السلكي واللاسلكي ، وغير ذلك من الآلات العصرية الحديثة، رغم المعارضة الشديدة التي لقيها الملك عبد العزيز من بعض العلماء لرغبته في تعميم هذه الآلات، ويمكن القول إن الملك قد خاض معركة ضارية مع هؤلاء حتى تمكن من نشرها في المملكة(116).
ورغم أن عهد الملك عبد العزيز لم يكن يتمتع بالثروة المالية التي تتمتع بها المملكة اليوم، فهو قد استطاع – بحق – أن يقوم بإنشاءات وإصلاحات وأعمال عمرانية مهمة لا تزال آثارها بارزة إلى يومنا هذا، وساعد على ذلك اضطرار الشركة الأجنبية المكلفة استخراج النفط (أرامكو) إلى أن "تبني المستشفيات والمدارس، وتشق الطرقات، وتقيم مراكز التدريب والتنقيب عن المياه، والشروع بأبحاث زراعية"(117) ، ففي عهده أنشئ الخط الحديدي بين الدمام والرياض عام 1369هـ/ 1950م، ورصفت الطريق بين مكة وجدة، ثم بين مكة وعرفات، ثم أصلح سور جدة وأقيم فيها ميناء لخفر السواحل، وأصلح مرفأها ، وقد ساعد كل ذلك على قيام نهضة عمرانية في المدينة. وفي عهده عام 1367هـ/ 1948م زُوّدت العاصمة (الرياض) بالكهرباء، فكانت أول مدينة في المملكة تضاء بالكهرباء . وقد شجع كل ذلك أصحاب الاستثمارات على إنشاء المباني الكبرى في المدن الكبرى، وخصوصاً الرياض وجدة والطائف، والمدينة المنورة التي أنشأ الملك طريقاً معبدة بينها وبين جدة، ثم عمد إلى إصلاح المسجد النبوي فيها وتوسيعه، كما انه شيد مدناً حديثة كمدينة الظهران، ومدينة صناعية في ميناء "رأس تنورة" حيث أقيمت "محطة ضخمة لتكرير الزيت، ومحطة أخرى لتوليد الكهرباء" وأنشئ رصيف في ميناء المدينة لنقل الزيت إلى الخارج عام 1369هـ/1950م(118). ولكن لا بد من القول إن النهضة العمرانية، في المملكة، انطلقت في عصر متأخر عن عصر الملك عبد العزيز، إذ أن أجهزة الدولة لم تكن قد تمكنت – بعد – من أن تعدّ نفسها للدخول في هذا المضمار.
إلا أن ما لا يمكن إغفاله، في الحديث عن السياسة الداخلية للملك عبد العزيز، هو ما تميزت به هذه السياسة من عدلٍ وحزم وهيبة وحلم، وفيما يلي نماذج من ذلك:
- ففي مجال العدل، يروي "التويجري" إن "إبراهيم بن عرفج" أمير منطقة سدير، ومقر إقامته "المجمعة"، كان "رجلاً صلباً ومهيباً وصامتاً قليل الكلام، حاد الطبع، لايساوم على واجبه ولا يتساهل فيه"، وقد وصل إلى سمع الملك شكاوى عديدة بحقه، فقرر إرسال لجنة للتحقيق في هذه الشكاوى، ولكنه عدل عن قراره عندما سمع، من رجل يثق بصدقه ورأيه، أن ما قيل في ابن عرفج قليل من كثير، وانه لم يقبل نصح ذلك الرجل للعودة عن بطشه وغيه، فدعا الملك – عندها – أحد خاصته ويدعى "ماجد بن خثيله" وقال له: "توجه إلى المجمعة حالاً ومعك هؤلاء (جماعة من خاصة الملك)، وبعد صلاة الجمعة، ادخل به (بابن عرفج) إلى الأسواق، وناد عليه أهالي المجمعة: كل من له مظلمة عند هذا الرجل فليتقدم، واستمع منهم، وإذا ثبت عندك انه ظالم، كما قيل لي، فأبقه في الأسر، واضربه أمام الناس، ثم أرم به في السجن، وحكّم الشرع بينه وبين المظلومين... ثم أرسل أميراً بدله". وقام ابن خثيلة بالمهمة، كما أمره الملك، فتبين له أن ما قيل عن ابن عرفج باطل من أساسه "فعاد به إلى الرياض، وأدرك الملك عبد العزيز أن ما قيل غير صحيح، فعيّن ابن عرفج أميراً في الدوادمي رداً لكرامته"(120).
أفلا يذكرنا ذلك بما روي عن الخليفة عمر رضي الله عنه عندما نمي إليه أن خالد بن الوليد رضي الله عنه – وكان أميراً على جند قنسرين بالشام – قد أسرف في العطاء "للأشعث بن قيس" إذ أعطاه "عشرة آلاف درهم" ،كما أسرف في العطاء لآخرين في قنسرين "من ذوي الناس وذوي الشرف وذوي اللسان" ، فكبر ذلك عند الخليفة، وكتب إلى أبي عبيدة يأمره أن "أقم خالداً واعقله بعمامته، وانزع عنه قلنسوته، حتى يعلمكم من أين أجاز الأشعث ؟ هل من مال الله أم من ماله أم من إصابة أصابها؟". ونفذ أبو عبيدة (رضي الله عنه) أمر الخليفة، فجمع الناس ودعا خالداً إليه وقال له : "يا خالد، أمن مالك أجزت الأشعث أم من إصابة أصبتها؟" فلم يجبه خالد، وأبوعبيدة يعيد السؤال مرة بعد مرة، وخالد لا يجيب، فوثب بلال، مؤذن النبي e ، إلى خالد وقال له: "إن أمير المؤمنين أمر فيك كذا وكذا" ثم أخذ عمامته وفكها وعقله بها وخالد لا يمنعه، فلما انتهى سأله: "ما تقول؟ أمن مالك أم من إصابة؟" فقال خالد: "لا بل من مالي"، فأطلقه بلال وعمّمه بيده وقال: "نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخّم ونخدم موالينا"، ثم قوسم خالد على ماله، كما أمر الخليفة، حتى بقيت نعلاه(121).
وروى "العقاد" أن أحد المقاولين جاء يشكو إلى الملك ابناً له (للملك) أشاد عمارة على جزء من أرضٍ له بدون وجه حق، فما كان من الملك إلا أن أمر بما يلي: "يخيّر الشاكي بين هدم عمارة الأمير حتى يسترد أرضه من تحتها، أو ينال أربعة أمثال ثمن القطعة مع التعويض المناسب من مال ولدنا الذي اعتدى على أرضه"، ووافق الرجل على قبول الثمن والتعويض (122).
- وفي مجال الحزم، كتب "عبد الله بن فيصل الفرحان" (أمير مقاطعة القصيم في عهد الملك عبدالعزيز، وهو من الأسرة السعودية) إلى "الإخوان علي بن هديب ، وكافة الإخوان وأهل القوارة" (والقوارة هي بلد ابن هديب) ، إن الملك قد أمره بالتنبيه عليهم، بصدد "ذواهب المسلمين" (والذواهب: الإبل الضالة) ما يلي :
أولاً: الطرايح (أي بيع الإبل الضالة التي أضاعها أصحابها من أصحابها الذين أضاعوها بثمن)، ممنوعة، ومن أخذ ريالاً نكلناه عنه مائة ريال، مع التأديب الصارم.
ثانياً: الإنسان الذي يرى بعيراً يمشي بالخلاء ما له حق يعارضه، بل يتركه، فإذا ساقه أو مشى به فهو المسؤول عنه حتى يؤديه لأحد طوارف (مسؤولي) جلالة الملك.
ثالثاً: من وجد ضوايع مع أباعره يؤديها إلى أحد الطوارف ، ويأخذ ورقة عليها إن شاء الله.
رابعاً: الإنسان الذي يعارض إبلاً ويعرفها أنها لجماعته أو لأحد جيرانه من المسلمين ، ويريد أن يسوقها لهم، فهذا هو العمل الطيب، ونحن ممتنون له، ويُشِهد على تسليمها من في الخلاء أو مع دبشه.
خامساً: من أخذت معه الذاهبة (الضالة) ثلاثة أيام وهو ما نبه بها أو سلّمها لراعيها أو جاء بها لنا أو لأحد الطوارف، فهذا مستحق للتأديب. والذاهبة تلزمه، ولا أحد يحطّ الأمر هذا وراء ظهره.
سادساً: من ورد عليه هملٌ (دابة ضائعة) وطرده عن الماء ولا أسقاه وهلك بسببه، فنحن نؤدبه ونأخذ منه مقابله.
سابعاً: كل إنسان معروف إذا رأى أو سمع أن عند أحد من جيرانه وطورافه شيئا من الذهيب (الإبل الضالة) ولا أخذها منه، ولا جاء به لنا أو لأحد من الطوارف نؤدبه الأدب الصارم إن شاء الله يكون هذا معلوماً والسلام".
28 ربيع الثاني 1357 هـ /1938م
|