عرض مشاركة واحدة
قديم 2012- 10- 23   #28
ليثاوي الرياض
صديق الملتقى
 
الصورة الرمزية ليثاوي الرياض
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 91492
تاريخ التسجيل: Sat Oct 2011
المشاركات: 17,452
الـجنــس : ذكــر
عدد الـنقـاط : 1659673
مؤشر المستوى: 1892
ليثاوي الرياض has a reputation beyond reputeليثاوي الرياض has a reputation beyond reputeليثاوي الرياض has a reputation beyond reputeليثاوي الرياض has a reputation beyond reputeليثاوي الرياض has a reputation beyond reputeليثاوي الرياض has a reputation beyond reputeليثاوي الرياض has a reputation beyond reputeليثاوي الرياض has a reputation beyond reputeليثاوي الرياض has a reputation beyond reputeليثاوي الرياض has a reputation beyond reputeليثاوي الرياض has a reputation beyond repute
بيانات الطالب:
الكلية: الاداب
الدراسة: انتساب
التخصص: خريج علم اجتماع
المستوى: خريج جامعي
 الأوسمة و جوائز  بيانات الاتصال بالعضو  اخر مواضيع العضو
ليثاوي الرياض غير متواجد حالياً
رد: شخصيــــــــات رائعه مرت في حياتنـــــا وحياة آباءنا وأجدادنــــا ,,

ختم أمير المنطقة (123).
- وفي مجال الهيبة، يروي "الريحاني" إنه مرّ في "النفوذ" بجمل "باركٍ تحت حمله"، ولما سأل عن صاحبه أجيب انه ذهب ليأتي بجملٍ آخر يحمل البضاعة، وأنه لو مات الجمل وبقيت هذه البضاعة على قارعة الطريق عشرة أيام لما مسّتها يد بشرٍ حتى يعود صاحبها. ويعلّق "الريحاني" على ذلك بقوله: "كيف تمكن ابن سعود من إقامة مثل هذا الأمن وتوطيده في بلاده؟" ويجيب، بنفسه، على تساؤله هذا، بقوله: "بأمرين، أولهما: الشرع، وثانيهما: الإرادة والوجدان في تنفيذ أحكام الشرع تنفيذاً لا يعرف التردد ولا التمييز، ولا الرأفة ولا المحاباة"(124). وتلك هي الصفات التي أعطت عبدالعزيز هيبة الحاكم الحازم والعادل.
- وفي مجال الحلم : عندما ضم الملك عبد العزيز مدينة "المجمعة" وهي عاصمة "سدير" وكان عليها من قِبَل ابن رشيد "عبدالله بن عسكر" (وكان ولاؤه لابن رشيد، إلا أنه كان بعيد النظر فلم تصدر عنه مواقف متهورة ضد أحد) ، كتب إليه الملك كتابا جاء فيه:
"من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل إلى جناب الأخ عبدالله بن إبراهيم بن عسكر سلمه الله تعالى آمين.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام
"وفي الوقت الحاضر، والربع طلبوا منا الأمان، وأعطيناهم ذلك من الرأس (وجها لوجه)، وأعطينا جميع أهل المجمعة، حاضرهم وغائبهم، وأمنّاهم على أموالهم ورقابهم وعن جميع ما يغثّ (يزعج) خواطرهم، وعلى جميع الفائتات (الذنوب السابقات) أرفعها (أهمها) رقاب الرجاجيل (دماء الرجال) وأصغرها الكلمة، إنه دمدوم وجرف مهدوم اليوم (أي أخطاء انمحت وانتهت، ولم يعد لها اليوم من أثر) على جميع ما لنا من الحقوق الفائتة، وجميع ما لأهل نجد، بدوياً وحضرياً، إلا معاملات الناس (أي أملاكهم) فيما بينهم، التي ليست في أمور الحكام، ولا دخلت في مواد الحرب مثل بيع وشراء وأخذ وعطاءٍ يمضي فيه الشرع. عليك الأمان أنت، أعني عبدالله بن عسكر، خصوصاً على رقبتك ومالك ومن تبعك ومن آويت، وعلى أنك ما ترى ما يغث خاطرك، ولا ينقص في حقك، وتأتي ظالماً وتعود سالماً، إن بغيت خدمتنا نحطك في أعز طوارفنا، فإن ما بغيتها فبهواك الذي تشتهي، وأنا معطيكم على ما ذكرت من مبدأ الخط إلى آخره عهد الله وأمان الله. والخاين عليه ألف لعنة من الله، والله خير كاف ووكيل، وصلى الله على محمد وصحبه وسلم.
1326 هـ /1908 م
ختم الملك عبد العزيز (125).
بهذه السياسة العادلة والحازمة والحليمة والحكيمة حكم الملك عبد العزيز، فاستطاع كسب ولاء خصومه وأنصاره على السواء، وقدم للتاريخ العربي والإسلامي – بل للتاريخ العالمي – نموذج الحاكم المميز، المتخلّق بأخلاق الرجال العظام. وإذا كانت السياسة الداخلية للملك عبد العزيز، بكل جوانبها التي سبق أن تحدثنا عنها: الأمنية والدفاعية، والتربوية والتعليمية، والبشرية والمالية والاقتصادية والعمرانية، قد أثمرت ثماراً طيبة، وقدمت للمجتمع (البدوي والحضري في المملكة على حد سواء) نموذجاً للحكم اقتدى به الخلف الصالح للملك العادل عبد العزيز، فإن ما حصّن به الملك عبدالعزيز حكمه – من عدلٍ وحزم وحلم وهيبة – أفاض على هذه السياسة ما جعل منها مدرسة يقتدى بها، ليس في الوطن العربي والعالم الإسلامي فحسب ، بل في الكون كله، لا ممالةً في ذلك ولا مبالغة.

خامسا: السياسة الخارجية :
لقد كان اهتمام الملك عبد العزيز بالسياسة الخارجية بمقدار اهتمامه بالسياسة الداخلية لبلاده، إن لم يكن يزيد عليها، في مرحلة من المراحل. وقد انحصرت الشؤون الخارجية في عهده باثنين هما: شخص الملك، وابنه الأمير فيصل.
ومن طبيعة الملك، وهو القائم على رأس الهرم، أن يكون القابض على زمام كل الأمور في المملكة، وعلى رأسها: الشؤون الخارجية. وقد بدأ ابن سعود يهتم باكراً جداً بهذه الشؤون، ففي عام 1337هـ/ 1919م، كانت أولى اهتماماته بالسياسة الخارجية، حيث فوض ابنه الأمير فيصلا (ولم يكن قد تجاوز الثالثة عشرة) في القضايا الخارجية وذلك بعد أن عينه ممثلاً له في مؤتمر السلم بباريس، وظل فيصل على اهتمامه بهذه القضايا حتى عيّن، رسمياً، وزيراً للخارجية عام 1349هـ/1930م، عند إنشاء هذه الوزارة، حيث بقي فيصل، محتفظاً بحقيبة الخارجية حتى وفاة والده عام 1373هـ /1953م.
لقد تميزت السياسة الخارجية للمملكة، في عهد مؤسسها الملك عبد العزيز بالاستقلالية والجدية، وباحترام القوانين الدولية العامة، مع المحافظة على شخصيته المملكة الحضارية والثقافية والدينية، ومع انتمائها الإسلامي والقومي، وكان لشخصية الملك – الجادة والمستقيمة – تأثير كبير في النهج السياسي الذي اختطته المملكة تجاه دول الجوار (الدول العربية) والدول الإسلامية ودول العالم، الأمر الذي أكسبها مكانة مميزة ومرموقة.
بدأت السياسة الخارجية، في المملكة، باعتبارها جزءاً من الاهتمامات الخاصة بالملك نفسه، حيث احتفظ لنفسه بكل القضايا الخارجية، بما فيها المراسلات الدبلوماسية العادية، إلى أن فوض أمر هذه القضايا إلى الأمير فيصل، مع استمراره – هو – في الإشراف عليها عن قرب، حتى أمكن القول إنه ظل – أي الملك – الوزير الأصيل للخارجية، بينما كان الأمير فيصل الوزير الوكيل، ولكن ذلك لم يمنع من أن يكون لفيصل قدر كبير من حرية التصرف وتحمل المسؤولية، إلى درجة يمكن القول – معها – إن السياسة الخارجية للمملكة قد انطبعت – في عهد الملك عبد العزيز بالذات – بطابع الوزير الدائم للخارجية ( الأمير فيصل بن عبدالعزيز ).
والذي زاد من تأثير الأمير فيصل على السياسة الخارجية لبلاده أن الملك كان قد قرر – باكرا – الانفتاح على العالم الخارجي، وربما كان ذلك بحكم الصلات التي يجب أن تقوم مع العالمين العربي والإسلامي، باعتبار أن "جزيرة العرب" هي مهد العروبة والإسلام معاً، وأن صلات القربى والدين (الانتماء القومي من جهة، والانتماء الديني من جهة أخرى) هي التي يجب أن تحكم العلاقة بينها وبين هذين العالمين، وكان فيصل قد اتخذ مقراً له في جدة، حيث سهولة الاتصال بالخارج، (بسبب كونها مرفأ على البحر من جهة، وبسبب تعذر استقبال الأجانب في مكة العاصمة، من جهة أخرى)، بينما ظل الملك مقيما في العاصمة، مما منح الأمير فيصلاً الكثير من الحرية في التعاطي مع السياسة الخارجية.
وإذا كنا نقول إن السياسة الخارجية للمملكة، في عهد الملك عبد العزيز، قد طبعها ابنه الأمير فيصل بطابع فيه شيء من الخصوصية، فذلك لسببين:
الأول: أن الشؤون الخارجية ظلت في عهدة الأمير فيصل طوال عهد والده الملك عبد العزيز (ومع استمرار إشراف الوالد ورقابته وتوجيهه) أي منذ عام 1337هـ /1919م، وحتى عام 1373هـ /1953م ، دون انقطاع تقريباً ، حتى اقترن اسم فيصل – في هذه الفترة وما بعدها – بالسياسة الخارجية لبلاده.
والثاني: اتبع الأمير فيصل في سياسته لخارجية بلاده أسلوباً مميزاً، منطقياً وواقعياً، هو أسلوب التعاطي الشخصي المباشر مع الآخرين إيماناً منه بالقاعدة المثالية: خير أسلوب للتعرف على الآخر هو التماسّ به مباشرة، وهكذا فقد أكثر الأمير فيصل من الرحلات إلى الخارج للقيام بمهمات دبلوماسية معينة، واعتمد الاتصال الشخصي المباشر مع المسؤولين في مختلف الدول لكي يستطيع أن يقيّم سياسات تلك الدول من جهـــة، ولكي يحلّ ما يطرأ من مشاكل بين بـــلاده وتلك الدول من جهة أخرى، وكان – كوالده – يرفض أن ينوب عنه أحد في إدارة الشأن الخارجي للمملكة، وكان يقود بنفسه سياستها الخارجية، معتمداً على الرحلات، والاتصال مع الخارج ما أمكن، فكان "الرئيس التقليدي لوفد بلاده في الجامعة العربية وفي الأمم المتحدة، وكان يستقبل – شخصياً، في مكتبه بجدة، ثم بالرياض– كل سفراء الدول الأجنبية وموفديها ، وكان على اتصال دائم مع مبعوثي المملكة في الخارج"(126).
سبق أن قلنا إن النواة الأساسية لوزارة الخارجية قامت بعد ضم الحجاز ،وجدة مباشرة، عام 1345هـ/1926م، وكان مقرهــــا مكة المكرمــــة، وكان الأمير فيصــــل –باعتباره نائباً لوالده (ملك الحجاز) – هو المشرف على هذا المكتب ( أو مديرية الشؤون الخارجية)، الذي تسّلمه أحد المقربين من الملك شخصياً "الدملوجي" ثم خلفه "فؤاد حمزة" ، وقد قسم هذا المكتب إلى أربعة أقسام: حقوقي ، وسياسي، وإداري، وقنصلي، إلا أن تقسيم العمل في المكتب أدى إلى توزعه عملياً، بين الملك (القسمان الحقوقي والسياسي)، وبين الأمير فيصل (القسمان الإداري والقنصلي)، ولكن المرسوم الذي صدر عام 1349هـ/1930م، والذي قضى بإنشاء وزارة الخارجية، نص على أن "يستمر الملك مسؤولاً عن الوزارة، وان تظل وظائف الوزير محدودة مبدئياً"(127).
وكان إنشاء الوزارة مناسبة ملائمة لانطلاق السياسة الخارجية للملك، بصورة نشيطة وفعالة، وففي عام 1351هـ/1932م استقر في المملكة العديد من البعثات الدبلوماسية العربية والإسلامية والأجنبية، إلا أن المملكة – الناشئة حديثاً – لم يكن بإمكانها إقامة تبادل دبلوماسي مع جميع الدول التي بادرت إلى إيفاد بعثات، من قبلها إلى أراضي المملكة، مما اقتضى أن يقوم وزير الخارجية بنفسه، بزيارات إلى تلك الدول (بالإضافة إلى أن الدافع الأساسي لهذه الزيارات كان رغبة الأمير الوزير بالتواصل مع مسؤولي تلك الدول، كما سبق أن قدمنا)، فزار كلاً من إيطاليا وسويسرا وفرنسا وإنكلترا وهولندا وألمانيا وبولونيا والاتحاد السوفيتي وتركيا وإيران والعراق والكويت، وفي عــــام 1356هـ/1937م، لم يكن للمملـــكة – في بلـــــدان العالم بأسره – سوى 3 مفوضيات (في لندن وبغداد والقاهرة، وقنصليتين (في السويس ودمشق)، إلا أنه، منذ عام 1366هـ/1947م، صار لها شبكة كبيرة من البعثات في الخارج (في الدول العربية والإسلامية، وفي أوروبا الغربية وأميركا الشمالية) مما اقتضى توسيع وزارة الخارجية لكي تشمل 16 مديرية "في تنظيم داخلي مزدوج: وظيفي (الدوائر الإدارية، القنصلية، الخ...) وجغرافي (الدوائر العربية، الإسلامية، إلخ...)(128).
إلا أن ما يجب التأكيد عليه، هو أن سلطة الوزير لم تكن مطلقة في وزارته، بل كانت مقيدة بسلطة الملك الذي كان يهتم بالسياسة الخارجية إلى حد بعيد، وخصوصاً مع الدول العربية والإسلامية، ومع الدول الأجنبية ذات التأثير الفعال في السياسة الدولية، بحيث لم يكن يترك للوزير سوى هامش ضيق جداً لصنع القرار، وإن ترك له هامشاً واسعاً للتأثير فيه أو للمناورة.
وكما سبق أن ذكرنا، كان الأمير الوزير يعمل بموجب التوكيل المعطى له من قبل والده الملك، إلا انه كان باستطاعة الملك أن يسحب هذا التوكيل متى شاء، وعلى هذا، فقد كان باستطاعته أن يتدخل – متى شاء – في الميدان الذي هو من اختصاص الوزير نفســه، كأن "يأمــر سفيره في القاهرة بالرد على حملـــة صحفية ضــد الوهابية" عام 1356هـ/1937م. أو أن يملي على فيصل – حرفياً – ما يجب أن يصرح به في مؤتمر لندن، حول فلسطين" عام 1357هـ/ 1938م أو أن يملي على موفده في الجامعة العربية موقفه من القضايا المطروحة، أو أن يقوم – هو نفسه – بالمهمات الكبرى في السياسة الخارجية، والتي تستوجب قيامه بها، كأن يدعو إلى عقد مؤتمر قمة عربية لحكام جزيرة العرب، وذلك للنظر في إمكان اتخاذ موقف موحد من قبلهم تجاه معسكَري الحرب العالمية الأولى عام 1334هـ/ 1916م ، أو أن يلتقي بالرئيس الأميركي "روزفلت" في البحر الأحمر عام 1356هـ/ 1937م أو أن يلتقي بالملك فاروق، ملك مصر عام 1365هـ/ 1946م (129).
1– العلاقات مع الدول العربية والإسلامية:
انصرف الملك عبد العزيز – منذ أول عهده بالملك – إلى تسوية أوضاع بلاده وتأمين الاعتراف بها، وذلك مع الدول العربية المجاورة أولاً، ثم مع باقي الدول العربية والإسلامية، ثم مع دول العالم، فعقد مع الدول العربية المجاورة اتفاقيات ومعاهدات (سبق أن تحدثنا عنها)، وكانت تهدف إلى تسوية حدود بلاده مع هذه الدول من جهة، وخلق أجواء من السلم والأمن والصداقة، بل التحالف بينه وبين تلك الدول من جهة أخرى، وهكذا استطاع الملك عبد العزيز، أن يؤمن، بواسطة هذه الاتفاقيات والمعاهدات :
- اعتراف البلدان العربية المجاورة بحدود بلاده، مما أكسبها اعترافاً عربياً.
- تأمين جو من الأمن والسلامة العامة بينه وبين هذه البلدان، وكان ذلك ضرورياً لكي يتفرّغ إلى عملية البناء ، على مختلف الصعد، والتي كان قد أعدّها للمملكة.
وفي عام 1370هـ/1951م، كانت المملكة قد أقامت علاقات دبلوماسية مع عدد من الدول العربيــة والإسلامية هي: تركيــا عام 12344هـ/1926م، وإيران عام 1348هـ/1929م، ومصر عام 1355هـ/1936م ومع سوريا ولبنان والعراق وتركيا وإيران وباكستان وأفغانستان والأردن وإندونيسيا (130).
وكانت المشاعر القومية والإسلامية تطغى – عند الملك عبد العزيز – على غيرها من المشاعر، حتى الوطنية منها (المتعلقة بالمملكة) ومن ذلك موقفه الرافض لطلب المندوب الســـــامي البريطاني بأن تشمل الحماية البريطانية لمملكته – وفقاً لمعاهدة دارين عام 1334هـ/ أواخر عام 1915م، والتي ألغيت بعد ذلك – حمايتها من حكومات الحجاز والشرق العربي والعراق، وقد أجاب الملك على ذلك، بغضب، قائلاً: "نحن في غنى عن الحمايات إذا كان المعتدي علينا من العرب" . بالإضافة إلى استضافته أول مؤتمر قمة إسلامية في هذا القرن، في مكة المكرمة عام 1344هـ /1926م ، بمناسبة موسم الحج.
أما موقفه من الوحدة العربية فقد سبق أن تحدثنا عنه، ونضيف إلى ذلك انه ما من شك في أن الملك عبد العزيز كان يطمح إلى تحقيق وحدة الأمة العربية، بدءاً بوحدة كامل الجزيرة، إلا أن ظروفاً (داخلية وخارجية) منعته من تحقيق هذا الطموح، ولكن تلك الوحدة ظلت هاجسه الأول (كما سبق أن بينّا عندما تحدثنا عن توحيده للمملكة). ويقول التويجري في ذلك: " كان المعتقد الديني للملك عبد العزيز "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، وكان معتقده السياسي "توحيد شبه الجزيرة العربية" ، ومساعدة الإخوة العرب الذين يصارعون في تلك الحقبة الظلم والجور من اجل حريتهم وعروبتهم وأوطانهم"(131).
ويحدثنا التويجري عن أن الملك بدأ ذات يوم منزعجاً من مناسبة ما، وعندما سأله جلساؤه المقربون منه عن سبب انزعاجه قال (ما معناه): "نحن عرب مسلمون، والعروبة والإسلام جسد وروح، فلا عروبة إلا بالإسلام، وليس أحق بمناصرة الإسلام والتضحية في سبيله وحمله إلى الناس إلا الإنسان المسلم، ووطننا العربي والإسلامي، كما هو معلوم ومرئي، قسّمته الأيدي الآثمة وبددته، ووزعت الفتن بين الأخ وأخيه، أنا لا أهل لي غير العرب والمسلمين، ولا وطن لي إلا وطنهم، ولا عزّ إلا بعزّهم، ولا حرية إلا بحريتهم. أفهموا هذا عني، قضيتي الأولى هي قضية فلسطين أخشى ما أخشاه أن تكون ضحيةً لخلافات عربية ودسائس أجنبية". ثم قال : "ويلي منك وويلي عليك ، الإنكليز أوجدوا من حول القضية الفلسطينية ومن حولي عروشاً وملوكاً والعالم المحيط بنا، إنه عالم قوي وماكر، يختزن في ذاكرته ثارات عند العرب والمسلمين، إنه يعادي ديننا وتاريخنا". ثم يقول، في مكان آخر: "لو قلت لكم إن هناك ذرة واحدة في جسدي لا تدعوني إلى قتال اليهود لكنت أكذب. لو ذهبت كل أمــــلاكي ، وتوقف نسلي، لكان أسهل عليّ من أن أرى موطئ قدم لليهود في فلسطــــين" (132).
لا نعتقد أن أي تعريف آخر بالملك عبد العزيز وبتعلقه بقضايا العرب والمسلمين ، وخصوصاً قضية فلسطين، يمكن أن يكون أوضح من هذا التعريف.
هذا بالإضافة إلى مطالباته المستمرة بضرورة إنشاء تحالف عسكري بين الدول العربية يحميها بالسلاح" وهي مسألة أثارها الملك في وجه أول أمين عام لجامعة الدول العربية في شهر صفر عام 1364هـ/ يناير عام 1945م، عندما حمل إليه مسّودة مشروع إنشاء الجامعة لتوقيعه، وخشيته المستمرة من تصاعد الضغط اليهودي على فلسطين، وهي مسألة أثارها الملك في وجه الضباط الأميركيين الملحقين بالمفوضية الأميركية في المملكة، عند استقباله لهم(133).
وكما رفض الملك – بكل إصرار – الموافقة على طلب السير ونستون تشرشل منه إقناع العرب المعتدلين بحلٍ وسط مع الصهيونية، معتبراً ذلك خيانة لرسول الله ولكل المسلمين المؤمنين، وان إقدامه على هذا العمل يفقده شرفه ويدمر روحه(134)، وقد سبق أن أشرنا إلى رفضه دعوة بريطانيا للاشتراك في الثورة ضد الإمبراطورية العثمانية ، ضارباً عرض الحائط بكل ما قدمته من إغراءات ووعود ، بدءاً بوعده "بمُلك" العرب وصولاً إلى وعده بخلافة المسلمين(135).
وكانت إنكلترا قد أوفدت "الكابتن شكسيبر" قبل (بيرسي كوكس) إلى الملك عبدالعزيز لكي يقنعه بإعلان الثورة على العثمانيين، كما فعل الشريف حسين، إلا أن الملك ظل على الحياد ، فلم يتعرض للشريف في الحجاز، ولا للقوة العثمانية في عسير واليمن، ولم يعترض مسير الرسل من الشمال إلى اليمن لنقل الأموال والمخابرات عن طريق بلاده"(136).