المحاضرة الثانية
معلقة زهير بن ابي سلمى
يقول زهير في حديثه عن الحرب :
وَمَا الحَـرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُـمُ
وَمَا هُـوَ عَنْهَا بِالحَـدِيثِ المُرَجَّـمِ
مَتَـى تَبْعَـثُوهَا تَبْعَـثُوهَا ذَمِيْمَـةً
وَتَضْـرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُـوهَا فَتَضْـرَمِ
فَتَعْـرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَـا
وَتَلْقَـحْ كِشَـافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِـمِ
فَتُنْتِـجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُـمْ
كَأَحْمَـرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِـعْ فَتَفْطِـمِ
فَتُغْـلِلْ لَكُمْ مَا لاَ تُغِـلُّ لأَهْلِهَـا
قُـرَىً بِالْعِـرَاقِ مِنْ قَفِيْزٍ وَدِرْهَـمِ
إن حديث زهير عن الحرب ليس بالحديث الغفل أو الجديد، وإنما هو حديث عن أمر معاش، يعرفه الجميع، وخبروا نتائجه وذاقوا مرارته وويلاته، فليس الحديث إذن رجماً بالغيب، فهو ينقل في آلته التصويرية الدقيقة الرائعة مشهداً وصورة أكثر حيوية عندما يرسم صورة الحرب الذميمة، وآلية نشوبها ومن ثم تأجج سعيرها عندما تحتدم في ساحات القتال المعارك الطاحنة الضروس التي لا تبقي ولا تذر والتي إن هي إلا أشبه بالنار تبدأ صغيرة ثم ما تلبث بعد أن تضطرم نيرانها فتصبح كتلة هائلة مخيفة تأكل كل شيء حتى باعثوها ومنشبوها..
إن هذه الصورة الرائعة والدقيقة للحرب وتحولاتها وأخطارها، ما كان لها أن تتأتى من خلال قريحة شاعر عادي، لا خبرة له بالحروب ومضارها ، وزهير قد أربى على الثمانين عاماً وقد شهد وعاصر العديد منها طيلة هذه السنوات المديدة الزاخرة بالأيام والحروب وخاصة حرب داحس والغبراء التي دامت زمناً طويلاً، ابتلي الكثيرون بويلاتها وحاق بعدد أكبر الشيء ذاته من الخراب والدمار، ناهيك عن النفوس التي أزهقت والأموال التي أنفقت والبلوى التي حلت بالقبائل المتقاتلة طيلة هذه الحرب المدمرة. رمز الناقة:
لم تكن الناقة مجرد صديق , أو أنيس , بل كانت هي الرمز الذي يستوعب حياة الإنسان , لذلك عندما أراد زهير أن يحدثنا عن قوة الموت لجأ إلى الناقة في حديثه عن الحرب .
أصبحت الناقة حيوانا أسطوريا يلجأ إليه الشعراء ليعبروا عن قوى الشر الغامضة المسلطة على الإنسان, فكانت فكرة الرعي تعبر عن الموت .
رمز الناقة في الشعر الجاهلي:
الناقة تتردد في كل مكان في الشعر الجاهلي ؛ فهي رمز الحياة التي يعبث فيها الموت, كما أنها رمز القوة إنها رمز القداسة , ولو لم تحمل القداسة بكل معانيها لما وقف الشاعر طرفة بن العبد أمامها وقوفاً مسهباً في معلقته الشهيرة وقوفاً متأنياً عند كل عضو فيها.
الشاعر مشغوف بالتأمل في أجزاء الناقة لأن كل عضو فيها ينبض بأهمية الحياة هذه الناقة التي تُشبّه بالقصور والأعمدة والسفن والقناطر وجذوع الطلح والصخر الغليظ وتابوت الموتى.
يقول طرفة:
أمون كألواح الأران نسأتها
على لاحب كأنه ظهر برجد
إنها ناقة تشبه ألواح تابوت الموتى , إنها تحمل صاحبها كما يستوعب التابوت الميت و إنها الصنم الذي يتأمله الشاعر الجاهلي ويتعبده.
الناقة رمز الإنسان الفاني ورمز الدهر الباقي معا.
الناقة رمز الدهر الذي يحيي ويميت , ولولا ذلك لما استطعنا أن نفهم كثيراً عن امرئ القيس إذ يقول:
وليل كموج البحر أرخى سدوله
علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه
وأردف أعجازاً وناء بكلكل
الليل هنا يقرن بالبعير, الليل الطويل فاتر بطيء كالبعير الجاثم الذي لا يريم.
وعندما أراد الشعراء في العصر الجاهلي أن يحدثونا عن قوة الموت لجأوا إلى الناقة على نحو ما نجده في كلام زهير في حديثه عن الحرب.
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة
وتضر إذا ضريتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثفالها
وتلقح كشافا ثم تنتج فتتئم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم
كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
أصبحت الناقة حيواناً أسطورياً يلجأ إليه الشعراء في التعبير عن قوى الشر الغامضة المسلطة على الإنسان أو قوى الموت.
وعلى هذا النحو أيضاً وجدنا فكرة الرعي تعبر عن هذا الموت كمثل قول زهير في المعلقة:
رعوا مارعوا من ظمئهم ثم أوردوا
غماراً تفرى بالسلاح وبالدم
فقضوا منايا بينهم ثم أصدروا
إلى كلأ مستوبل متوخم
رمز الفرس :
أهم حيوان بعد الناقة في الشعر الجاهلي هو الفرس وهو رمزلأشياء كثيرة منها:
الصبا ودواعيه على نحو قول زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله
وعُرِّيَ أفراسُ الصِّبا ورواحلهْ
الفرس كالناقة , غدا يشارك في التعبير عن الشيب ودنو الأجل.
الفرس هو الشباب الذي يتهاوى.
وقد أغتدي والطير في وكناتها
بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر معا
كجلمود صخر حطه السيل من عل
الفرس جماع قوى كثيرة :
حاول امرؤ القيس أن يهرب من ليله على صهوة هذا الفرس:
له أيطلا ظبي وساقا نعامة
وإرخاء سرحاء وتقريب تتفل