المحاضرة الثالثة
من شعر الصعاليك
ظاهرة الصعلكة .
الشنفرى الأزدي أنموذجا.
ظاهرة الصعلكة :
الصعاليك
الصعلكة في اللغة :
جاء " في لسان العرب الصعلوك : الفقير الذي لا مال له ، زاد الأزهري ولا اعتماد، وقد تصعلك الرجل إذا كان كذلك .
قال حاتم الطائي :
غَنينا زماناً بالتصعلك والغني فكلاً سقاناه بكأسيهما الدهر
أي عشنا زماناً
وتصعلكت الإبـــل : خرجت أوبارها ، وانجردت ، وطرحتها .
ورجل مصعلك الرأس : مدوره .
ورجل مصعلك الرأس : صغيره ،
ولكن يبدو أن هذا المعنى لا يعبر عن المفهوم اللغوي للكلمة تعبيراً دقيقاً كاملاً ، ولهذا نريد أن نقف وقفة أخرى عند تلك الزيادة التي أضافها الأزهري إلى هذا المعنى اللغوي ، وهي قوله (ولا اعتماد) فإن " قوله : (ولا اعتماد) يعبر عن معنى دقيق في مفهوم الصعلكة بالمعنى المعروف لها ، وإذا كان الفقر من أهم الدوافع إلى الصعلكة ، فإن ما يميز الصعاليك عن غيرهم من الفقراء أنهم رفضوا أن يعيشوا عالة على غيرهم ، أو أن يجعلوا من أحد من الناس عماداً لهم ، في حين رضي بعض الفقراء لأنفسهم عيش الذل ، واستدرار الحسنات .
ويعبر بكر ابن النطاح أحد الصعاليك عن هذا المعنى فيقول :
ومن يفتقر منا يعش بحسامه
ومن يفتقر من سائر الناس يسأل"
وعلى هذا نستطيع أن نقول إن الصعلوك في اللغة هو الفقير الذي لا مال له يستعين به على أعباء الحياة ، ولا اعتماد له على شيء أو أحد يتكئ عليه ، أو يتكل عليه ليشق طريقه فيها ، ويعينه عليها ، حتى يسلك سبيله كما يسلكه سائر البشر الذين يتعاونون على الحياة ، ويواجهون مشكلاتها يداً واحداً
أما الاستعمال العربي في الجاهلية ، فنجده يغلب عليه ربط الصعلكة بمدلول آخر غير الفقر أو مع الفقر ، " فحينما يتحدثون عن الصعاليك يتحدثون عنهم على أنهم فئة خاصة تتميز عن المجتمع بطابع خاص ، شعارهم الاعتداد بالنفس دون الأهل أو القبيلة ، ووسيلته العدوان في أي صورة تتهيأ له ، فيقطع الطريق حينما يتاح له قطعها ، ويسطو ويغزو متى وجد إلى ذلك سبيلاً ، ويفتك حينما تمكنه العزة ، ويتلصص إن لم يجد إلى ما سبق وسيلة ، ويجعل غايته من ذلك كله الحصول على الغنى والمال في أغلب الأحيان أو تحقيق مآرب خاصة دائماً .
التفسير الاجتماعي لظاهرة الصعلكة :
" كان للتقاليد القبلية التي احتكم إليها العرب في حياتها ، ولتوزيع الثروة توزيعهاً غير عادل بين قبائلهم ؛ أثر واضح في نشأة ثلاث طبقات من الصعاليك في الجاهلية ، أما الطبقة الأولى فطبقة الشذاذ والخلعاء الذين تخلت قبائلهم عنهم ، وتبرأت منهم ، إما لما جرَّوه من الجرائر عليها ، وإما لفساد سلوكهم فيها ، ومن أشهرهم حاجز الأزدي ، وقيس بن الحدَّادية ، وأبو الطمحان القيني .
وأما الطبقة الثانية فطبقة الأغربة السود الذين سرى السواد إليهم من أمهاتهم الحبشيات والذين لم تكن قبائلهم تسوي بينهم وبين أبنائها الأصلاء ممن ورثوا عروبة الأصل ، ونقاء الدم في الآباء والأمهات ، ومن أشهرهم : السُّليك ابن السُّلكة ، وتأبط شراً ، والشنفرى.
وأما الطبقة الثالثة فطبقة الفقراء الذين كانوا يحيون حياة شاقة قاسية لم يجدوا معها ما يعينهم على أعباء العيش ، بل على كسب أرزاقهم ، وإقامة رمقهم، ومن أخطرهم : عروة بن الورد العبسي ، وصعاليك قبيلتي هذيل التي كانت تقيم بالقرب من مكة ، وَفَهْمُ التي كانت تسكن بالقرب من الطائف.
وخلاصة القول : تدور كلمة "الصعلكة" في دائرتين : دائرة لغوية، ودائرة اجتماعية. وتبدأ الدائرتان من نقطة واحدة وهي الفقر. فأما الدائرة اللغوية فتنتهي حيث بدأت، ويبدأ الصعلوك فيها فقيراً، ويظلّ في نطاقها فقيراً، يخدم الأغنياء، أو يستجديهم فضل مالهم، ثم يموت فقيراً.
من شعر الشنفرى : لامية العرب
الشنفرى
? - 70 ق. هـ / ? - 554 م
عمرو بن مالك الأزدي، من قحطان.
شاعر جاهلي، يماني، من فحول الطبقة الثانية وكان من فتاك العرب وعدائيهم، وهو أحد الخلعاء الذين تبرأت منهم عشائرهم.
قتلهُ بنو سلامان، وقيست قفزاته ليلة مقتلهِ فكان الواحدة منها قريباً من عشرين خطوة، وفي الأمثال (أعدى من الشنفري). وهو صاحب لامية العرب .
قال الشنفرى الأزدي ( عامر بن عمرو):
1- اقيموا بني امي صدور مطيكم ### فاني الى قوم سواكم لأميل
2- فقد حمت الحاجات والليل مقمر ### وشدت لطيات مطايا وأرحل
3- وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ### وفيها لمن خاف القلى متعزل
4- لعمرك ما بالأرض ضيق على امرىء ### سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
5- ولي دونكم اهلون سيد عملس ### وارقط زهلول وعفراء جيأل
6- هم الأهل لا مستودع السر ذائع ### لديهم ولا الجاني بما جر يخذل
شرح المفردات:
القلى: البغض , السيد: الذئب . العملس: الذئب القوي . أرقط زهلول: حية أرقط. الزهلول: الأملس. العرفاء: الضبع العظيمة العُرف . جيأل: اسم الضبع . جر: جنى .
يظهر الشنفرى في هذه الأبيات ضعفا , وكأن قوته الخارقة التي أظهرها في أبيات أخرى , تخبئ تحتها جرحا إنسانياً عميقا .
إن النداء الذي تخيره الشنفرى لمخاطبة قومه – بني أمي – وما يثيره من معاني الشفقة والود والتراحم , إنه يؤذن بالرحيل , ويخبرهم أن غفلتهم عنه توجب مفارقتهم, فليجدوا في أمرهم وأمره .
ويخبر الشنفرى قومه أنه مائل إلى قوم غيرهم , ويدعوهم إلى التنبه من رقادهم , فهذا وقت الحاجة ولا عذر لأحد , فإن الليل مقمر مضيء , وإن المطايا حاضرة معدة للتحول والرحيل . ولا يخفى ما لهذين البيتين من كثافة المعنى واختلاط المشاعر والأحاسيس واللغة الرامزة كما يليق بمطلع جليل .
ما حقيقة هذا الليل المقمر ؟
إن في هذا الليل المقمر طاقة رمزية خصبة يتواشج فيها الضوء والظلام , الظلام الذي يكتنف علاقة الشاعر بقومه ويخيم عليها , وضوء الهداية والرشاد – لنقل ضوء العقل – الذي يشق هذه الظلمة الداجية ويبدد بعضها , فتظهر الأمور على حقيقتها أو قريبة منها " فقد حمت الحاجات والليل مقمر " , وما على الشاعر إلا أن يستضئ بهذا النور , ويدعو قومه إلى الاستضاءة به كيلا يبقى لهم عذر.
ولكن دعوته تضيع في فجاج الليل كما يضيع الصوت في الصحراء , ويمضي قومه في إعراضهم عنه واستخفافهم به , فلا يجد أمامه إلا التحول والرحيل مستضيئا بنور القمر في أرجاء هذا الليل , أو بنور العقل في أرجاء هذه الأرض التي سيكرر الحديث عنها بعد الرحيل مباشرة :
وفي الأرضِ منأى للكريمِ عن الأذى
وفيها لِمَن خاف القِلى مُتَحَوَّلُ
لَعَمْرُكَ ما بالأرضِ ضيقٌ على امرئٍ
سَرى راغباً أو راهباً وهو يعقلُ
لقد اتضح الموقف , واهتدى الشاعر بنور القمر أو العقل , فبدا له أن الأرض واسعة , وأن على الكريم – والكرم كالمروءة والفتوة رمز لكل الخصال والشمائل الرفيعة كما نعرف في هذا الشعر – أن يبتعد عن الأذى , وأن يفر من البغضاء . ولعل هذا البيت يوضح ما كان أقرب إلى الغموض في البيتين السابقين , فتحول الشاعر عن قومه كان بسبب هذا الأذى وهذه البغضاء . وها هو ذا يفارق قومه , ويفيء إلى ذاته , ويتأملها مستخدما لفظا صريح الدلالة على العزلة – متعزل – التي هي شرط جوهري من شروط التفكير الخصب والإبداع .
وفي هذه العزلة الخصبة الخلاقة يستطيع أن يتأمل ويفكر ويقدر الأمور والمواقف , ويصل إلى اليقين .
وهذا ما حدث لاحقا , فقد انتهى الشاعر في تفكيره إلى هذه الحقيقة الإنسانية الخالدة :
لَعَمْرُكَ ما بالأرضِ ضيقٌ على امرئٍ
سَرى راغباً أو راهباً وهو يعقلُ
العقل هو المصباح الذي يجنبك الضيق , ويعصمك من الزلل , وما دام المصباح متوهجا فلا خوف عليك وأنت تجوب ظلمة الحياة الداجية تتداولك الرهبة والرغبة .
فهو يستخدم الفعل : سرى للتعبير عن السعي والحركة في هذه الحياة . ودلالة هذا الفعل على الليل ليست موضع جدل , فهي لا تكاد تنفك عنه , فالسرى سير عامة الليل , والسارية من السحاب : التي تجيء ليلا , والسارية : المطرة بالليل , وسرى عليه الهم أتاه ليلا ...
إننا أمام شاعر يتصور الحياة ظلمة عسيرا خوضها بغير ضوء .
ورأينا الليل المقمر وهو يهدي الشاعر بنور القمر , وكيف تحول هذا القمر بعد العزلة والتأمل إلى عقل يقظ يجنب صاحبه الضيق والزلل , وينأى به عن الأذى والبغضاء , القمر معادل لنور العقل.
نحن أمام شاعر مطمئن إلى عقله اليقظ , ومستيقن به . وقد هداه هذا العقل إلى البعد عن اذى قومه وبغضهم , ومفارقتهم من دون تلبث أو انتظار .
ولكن إلى أين يرحل الشنفرى ؟ ومن هؤلاء القوم الذين ذكر ميله إليهم في مطلع القصيدة ؟ يلفت الشنفرى إلى قومه وقد أيس منهم , ويبلغهم رسالة مقتضبة هذا نصها :
ولي دونكم اهلون سيد عملس ### وارقط زهلول وعفراء جيأل
هم الأهل لا مستودع السر ذائع ### لديهم ولا الجاني بما جر يخذل
لقد ضاقت أخلاق الشنفرى , فضاقت به ديار بني أمه .
إنها رؤية الشاعر وليست القضية قضية تحول شاعر من قوم إلى قوم آخرين , ولكنها قضية أخرى أبعد غورا وأشد ماساوية , إنها قضية الانتماء .
نحن أمام ذات أرهقها المجتمع الإنساني بظلمه وأذاه وبغضه , فإذا هي تخلع انتماءها إلى هذا المجتمع , وتؤسس انتماء جديدا لها إلى المجتمع الحيواني , إنها تغترب عن عالم الإنساني , وتلوذ بعالم الوحوش الكاسرة , فتكشف بذلك عن اغتراب قاس جريح . ولعل هذا هو السبب الذي جعل الشنفرى يشبه نفسه بالحيوانات الضارية وبالجن . ولعله أيضا سبب هذا النداء ” بني أمي ” الذي يجاوز القبيلة إلى بني الإنسان عامة , وها هو ذا يخلع انتماءه إلى هؤلاء الأبناء جميعا , ويلتحق بأشباهه من ذئاب الصحراء ووحوشها الضارية . فهل نستغرب بعد هذا كله تلك القوة الخارقة التي ادعاها فألحقته بالذئب وولد الضبع والحية ؟ فكيف يعيش في هذا المجتمع إن لم يكن كأبناء هذا المجتمع ؟.
يوضح الشنفرى أسباب انتمائه الجديد من دون التواء أو غموض , إنها ثلاثة أسباب هي : صون هذه الحيوانات للسر ” لا مستودع السر ذائع لديهم ” وتضافرها وتعاونها فيما بينها , فهي تنصر المذنب الجاني من أبنائها ولا تخذله بسبب ما ارتكب من الجرائر ” ولا الجاني بما جر يخذل ” .
وهي لهذه الأسباب أهله وقومه .
لقد افتقد الشنفرى هذه القيم في مجتمعه الإنساني , فراح يبحث عنها , وحين وجدها في المجتمع الحيواني لاذ به واحتمى وأعلن انتماءه إليه , وتشبه بكائناته .
وإذا ما رددنا البصر في هذه القصيدة وجدنا لغة سامية سموا رفيعا يهديه إلى ذلك إحساسه الصادق العميق وتصوره الباهر لإنسانية هذه الحيوانات , وقد جسدت هذه اللغة الفنية الراقية تجسيدا مدهشا تصور الشاعر وأحاسيسه بما برز فيها من انحراف أسلوبي يخطف البصر . لنتأمل كيف عبر عن هذه الحيوانات غير العاقلة : قوم سواكم – ولي دونكم – هم الأهل – مستودع السر ذائع لديهم – ولا الجاني بما جر يخذل . فهي في تصوره وإحساسه أناس عقلاء أباة بواسل فيهم الجاني وفيهم الغيرة وعندهم موطن الأسرار ,ولذلك فهو يتحدث عن هذه الحيوانات كما لو كانت قوما من البشر العقلاء حقا فيأتي بالألفاظ الدالة على البشر , ويردفها بضمير جمع المذكر السالم .