الفصل السابع:روبنسون كروزو يبني قارباً
بدأت ملابسي تتساقط قطعاً متناثرة . كان لدي الوفير من القمصان لكنني كنت أفتقر إلى البناطيل وسترات قصيرة . حل الوقت الآن كي أحاول مهارتي كخياط . كان لدي عدد من جلد الماعز أخذته من الحيوانات التي قنصتها بطلق النار عليها . مططت هذه الجلود وجعلتها تجف في الشمس . كان أول شيء صنعته هو قبعة , قم سترة وبنطالاً , ناسبتني هذه على نحو سيئ جداً لكنها أبقتني بارداً في الطقس الحار وجافاً في المطر . أنفقت الكثير من الوقت والجهد في صنع مظلة . كنت قد رأيتها تُصنع في البرازيل لكنني قمت بعدة محاولات قبل أن أنجح . المشكلة كانت أن أصنع مظلة تُطوى على الفور حين تُرفع . أخيراً أصبحت قادراً على صنع إطار سيهبط بها , وغطيته بجلد ماعز . أمكنني الآن أن أخرج , ليس فقط حين كانت تمطر , بل أيضاً في الضقس الأكثر حرارة .
طيلة هذا الوقت لم تبتعد فكرة الهرب من الجزيرة أبداً عن عقلي . تمنيت لو ظل قصوري معي وقارب الصيد بالشراع الطويل . كنت قد أبحرت تقريباً مسافة ألف ميل على طول الساحل الإفريقي فيه . ذكرني هذا بأحد قوارب سفينتنا الذي اكتُسح ودُفع إلى الشاطئ في جزء آخر من الجزيرة . فكرت بأنني سأذهب وأُلقي نظرة لأرى إن كان يمكن أن يُصلح . كان القارب لا سزال في الرمل حيث كانت العاصفة قد تركته . كان قد قُلب وفيه ثُقب كبير في أحد جوانبه . سرعان ما رأيت أنه يمكن أن يُستخدم بعد وقت قصير .
لذلك قلبت أفكاري في صنع ( كانو ) من جذع شجرة كبيرة . كنت متلهفاً جداً في صنع هذا الكانو حتى أنني لم أكف عن النفكير بالصعوبات التي قد تواجهني . لم يخطر ببالي أنني قد لا أكون قادراً على تنفيذ التصميم . ولم أفكر كيف يمكن أن أوصل قارب الكانو إلى داخل الماء حين أُنهيه .
وجدت شجرة أرز هائلة الحجم بعرض ستة أقدام عند قاع الجذع . بالأدوات البسيطة التي كانت لدي , استغرقت وقتاً طويلاً في قطع الشجرة وقطع كل الفروع . حين فعلت ذلك كانت لا تزال هناك مهمة تشكيل الجذع إلى شيء مثل القارب . بعد أسابيع من عمل شاق صنعت قاربي الكانو كبيراً إلى حد كاف ليستوعبني ويستوعب أي حمولة أريد أن أحملها معي .
كانت مشكلتي التالية هي كيف أصل به إلى الماء . كانت المسافة حوالي مائة ياردة من حيث صنعت قارب الكانو حتى البحر . خططت أن أحفر الرمل لأسمح للماء بالتدفق حو الكانو , فيطفو خارجاً إلى البحر بنفسه . بدأت أحفر قناة صغيرة بعرض ستة أقدام تقريباً وعمق أربعة أقدام . مع أن القناة استغرقت وقتاً طويلاً في حفرها , لم أضن على نفسي في الوقت والطاقة المبذولة في الحفر , بسبب أن لدي الآن قارب أستطيع أن أذهب إلى البحر به . أخيراً انتهت القناة وأصبحت قادراً على طفو قاربي الكانو في الخليج . صنعت سارية وشراعع أيضاً من بعض شراع السفينة القديمة , ووجدت بهذه أن قاربي الكانو يبر بشكل جيدٍ جداً . صنعت أيضاً بعض الخزائن الصغيرة لأتمكن من أخذ ما يكفي من طعام لرحلات أطول إذا رغبت في هذا . ثبَّتُّ مظلتي في مؤخرة القارب الكانو لتعطيني ملاذاً من الشمس وأنا أوجهه . كان هناك أيضاً رفٌّ لبندقيتي حيث كان من السهل الوصول إليها , لكن دون أن تتعرض لخطر إصابتها بالبلل .
حين جهزت كل شيء احتجته في قاربي الكانو , قررت أن أبحر حول الجزيرة . مأت خزائني بالطعام وانطلقت برحلتي في السادس من تشرين الثاني . كان علي أن أُبحر إلى مسافة أبعد مما توقعت , لأن الصخور في النهاية الشرقية من الجزيرة تمتد بعيداً داخل البحر . حين وصلت إلى أمام هذه الصخور رأيت أمامي خليجاً حيث كان الماء سلساً . وجهت قاربي الكانو نحو هذا الخليج , وعند الوصول إليه أحضرت قاربي لصق الشاطئ . ربطته إلى الشجرة , وأمضيت الليلة بين فروعها .
في الصباح بحثت عن خليج آخر حيث استطعت أن أُرسي قارباً في أمان بينما رُحتُ أستكشف المنطقة الريفية . كنت محظوظاً إلى حد كافٍ في أن أجد مرفأً مناسباً تماماً وليس بعيداً . استقر قاربي فيه , كأنه في رصيف رسو صُنع خصيصاً له .
عند الذهاب إلى الشاطئ اكتشفت أنني كنت قريباً تماماً من العمود الذي وضعته منتصباً في الرمل لأحدد بعلامة مكان رحلتي السابقة , ولذلك , كنتُ قرب منزلي في الوادي تماماً . حين وصلتُ إليه , كان من السار جداً أن أرى كل شيء مرتباً . تسبقت السياج , ودخلت المنزل وسرعان ما هيأت نفسي لأكون في بيتي .
بعد إقامة ثلاثة أيام اتجهت عائداً عبر الجزيرة . تركت قاربي الكانو في مرفأه , لأنني أردت أن أتأكد من حركت المد والجزر حول الجزيرة قبل أن أحاول أن أبحر عائداً . كنت قلقاً أيضاص في أن أصل البيت بأسرع ما أستطيع , حتى لا تأكل الطيور والأرانب البرية محصولي من الرز والشعير .
ذات يوم , ليس بوقت بعيد من هذا , سلكت طريقي إلى ذلك الجزء من الجزيرة حيث الصخور تمتد خارجة إلى البحر . وأنا أمشي فكرت بالمشهد العجيب الذي لابد أن أنظر إليه . حتى الآن , كانت كل ملابسي السليمة قد اهترأت تماماً , وقد صنعت بنفسي كل شيء كنت ألبسه . كانت الطاقية على رأسي مصنوعة من جلد الماعز وليس لها شكل مهما كان نوعه . كان لها رفرف يسقط على رقبتي ويقيني من الشمس والمطر . انسدلت السترة المصنوعة من جلد الماعز إلى أسفل الخصر , ولبست بنطالاً من المادة نفسها , انسدل حتى أسفل الركبتين .
لم يكن لدي حذاء ولا جوارب . حول خصري كان هناك حزام مع أنشوطتَيْن جلديتين حملت فيهما فأساً ومنشاراً . ارتفع حزام آخر أضيق فوق كتفي . كان فيه جيبان حيث احتفظت بمسحوق البارود وطلقة لبندقيتي . على ظهري حملت سلتي , وحملت بندقيتي على كتفي , وفوق كل هذا استقرت مظلتي المصنوعة من جلد الماعز .
وأنا ألبس عل هذا النحو شققت طريقي إلى الجزيرة وابتعدت عن البيت طيلة ستة أيام . حين بلغت مقصدي , رأيت أن البحر كان هادئاً وسلساً . لو اخترت الوقت اختياراً صحيحاً , وطبقاً لحركة المد والجزر , لما كان هناك سبب لعد إحضاري قاربي الكانو عائداً إلى هنا بأمان مرة أخرى .
يتبع ..