قال عمرو بن العاص لعبد الله بن أبي ربيعة، وقد تمكّن الشر منه: "والله لأنبِّئَنه (النجاشي) غدًا عيبهم عنده، ثم أستأصل به خضراءهم".
وهنا يريد عمرو بن العاص أن يدفع النجاشي إلى قتلهم لا أن يردهم إلى مكة، وهذه مرحلة أبعد من الشر، وعمرو هذا هو الذي تحول لما أسلم بعد ذلك إلى قائد مسلم محنك، يحافظ على كل نقطة من دماء المسلمين، ويصل بالإسلام إلى بقاع كثيرة من بقاع الأرض، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
وقد أرعبت هذه اللهجة من قبل عمرو بن العاص عبد الله بن أبي ربيعة رفيقه في السفارة، وقد ردَّ عليه متخوفًا وملطفًا: "لا تفعلْ؛ فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا".
لكن عمرو بن العاص وقد جُرح جرحًا كبيرًا أصر على رأيه، وما صرح به لعبد الله بن أبي ربيعة، وقال: "والله لأخبرنه (النجاشي) أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبدٌ".
وإن مثل هذا الخبر ليعد أمرًا عظيمًا في الحبشة، فقد كان أهل الحبشة يتبعون كنيسة الإسكندرية، وكانوا يعتقدون أن المسيح هو إله تجسد في جسد بشر -تعالى الله عما يصفون- وهو وإن دل على شيء فإنما يعكس دهاء عمرو بن العاص، ومدى اطلاعه؛ إذ كان يعلم رأي المسلمين في عيسى ويعلم رأي أهل الحبشة أيضًا فيه.
وهنا تكمن الخطورة؛ فإن عمرو بن العاص سيخبر النجاشي أن هؤلاء المسلمين يطعنون مباشرة في إلههم.
وبالفعل مضى في تنفيذ خطته، فذهب من الغد إلى النجاشي وقال له: "أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيمًا، فأرسِل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه".
لا يستطيع النجاشي أن يتجاهل مثل هذا الأمر، فقد يكون صحيحًا. ومن ناحية أخرى فالأساقفة وكبار رجال الدولة لن يعذروا النجاشي إذا أظهر تعاطفًا مع موقف المسلمين دون تمحيص، ومن ثَمَّ فقد أرسل النجاشي إلى المسلمين يسألهم عن قولهم في عيسى بن مريم .
تقول السيدة أم سلمة -رضي الله عنها- في وصف حال المسلمين هناك في تلك اللحظة: "ولم ينزل بنا مثله".
وهي حقًّا مشكلة خطيرة يتعرض لها الوفد الإسلامي وقد تعصف به، فإن رأيه (الوفد الإسلامي) في عيسى بن مريم يتعارض كلية مع رأي أهل الحبشة فيه، وهم (المهاجرون) ضعفاء زائرون لاجئون، وليس هناك مكان آخر في انتظارهم.
ما كان من المسلمين إلا أن عقدوا مجلسًا سريعًا للشورى، وماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ تشاوروا ثم قالوا: "نقول والله فيه ما قال الله، وما جاء به نبينا، كائنًا في ذلك ما هو كائن".
في عُرف السياسيين كان رد فعل المسلمين عجيبًا، ويعدُّ في نظرهم انتحارًا سياسيًّا، ولكن هناك فرقًا كبيرًا بين السياسي الداعية، وبين السياسي الذي ليس له مرجعية من الشرع، فالمسلم السياسي الداعية له رسالة واضحة، وهي أن يصل بدعوته نقية إلى الناس، والسياسي الذي ليس له مرجعية من الشرع لا تهمه الوسائل، بل إنه يريد أن يصل إلى النتيجة ولو على حساب الشرع، ولو على حساب الأخلاق، ولو على حساب الفضيلة، فالغاية عندهم تبرِّر الوسيلة.
كانت الموازنة سهلة بالنسبة للمسلمين، فالرؤية عندهم واضحة، ولا شيء يقدم على العقيدة، ولا شيء يقدم على الحق والصدق، ولا شيء يقدم على الدعوة الصحيحة، ولم يرد المسلمون أن يتسلقوا على وسائل خادعة أو طرق ملتوية أيًّا كانت النتائج.