ثانيا: إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
تذكر الروايات أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه, أسلم بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة وبالتحديد في ذي الحجة من سنة ست من النبوة.
سبب إسلامه:
تقول الروايات أن عمر بن الخطاب, كان خارجاً في يوم من الأيام متوشحاً سيفه, كان يريد القضاء على رسول الله, فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدا, ثم قال له: أفلا أدلك على العجب يا عمر: إن أختك وختنك قد صبئا, وتركا دينك الذي أنت عليه, فكر عمر راجعاً يريد أخته وزوجها فلما وصل إلى باب المنزل سمع صوت خباب بن الأرت يعلمهما القرآن, ثم دخل عليهم فلما أحس خباب بعمر اختبأ في المنزل, فسألهما عمر عن هذا الذي سمعه, فأخبراه بأنهما أسلما فضرب زوج أخته ثم ضرب أخته فشجها في وجهها, ثم لم يلبث عمر أن ندم لما رأى الدم على وجه أخته فقال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فقالت له أخته إنك نجس و انه لا يمسه إلا المطهرون, فقام واغتسل ثم أخذ الكتاب, فقرأ ”بسم الله الرحمن الرحيم“ فقال أسماء طيبة طاهرة, ثم قرأ ”طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى“ حتى انتهى إلى قوله تعالى ”إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري“ فقال ما أحسن هذا الكلام وأكرمه, دلوني على محمد. ثم ذهب إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأعلن إسلامه وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد دعا له فقال:”اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين ” يعني عمر بن الخطاب وأبو جهل عمرو بن هشام, ففرح به النبي صلى الله عليه وسلم وفرح أصحابه بإسلام عمر.وكان لإسلام حمزة وعمر رضى الله عنهما أطيب الأثر في نفوس المسلمين لما لهذين الرجلين من مكانة وشجاعة يقول ابن مسعود رضى الله عنه: (ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر) وعن صهيب الرومي رضي الله عنه قال: لما أسلم عمر ظهر الإسلام, ودعي إليه علانية, وجلسنا حول البيت حلقاً, وطفنا بالبيت, وانتصفنا ممن غلظ علينا ورددنا عليه بعض ما يأتي به.
ثالثا: مقاطعة بني هاشم وبنى عبد المطلب:
عندما أيقنت قريش انها قد هزمت فى محاولتها استرداد المهاجرين إلى الحبشة, وأن الإسلام أخذ ينتشر بين القبائل, فضلاً عن إسلام عمر بن الخطاب الذي عزز جانب المسلمين في صراعهم ضد الوثنية, حينها عقدت قريش اجتماعا في مطلع السنة السابعة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم, يدعوا إلى مقاطعة بني هاشم وبني عبد المطلب -الذين كان أبو طالب قد دعاهم إلى ما هو فيه من منع الرسول صلى الله عليه وسلم دون قريش- وكل من يساندهم وينتمي اليهم مسلمين ومشركين, وأن تكون هذه المقاطعة شاملة لكافة المعاملات والعلاقات الاجتماعيه والمالية.وكانت قريش قد توعدت بمقتل النبى صلى الله علية وسلم. سراً أو علانية فعمد أبو طالب إلى الشعب بابن أخيه وبنى هاشم وبنى المطلب, وكان أمرهم واحداً, وقال: نموت من عند آخرنا قبل أن يوصل إلى رسول الله. وخرج أبو لهب إلى قريش فظاهرهم على بني المطلب, ودخل الشعب من كان من هؤلاء مؤمناً أو كافرا.كتبت قريش صحيفة بالمقاطعة وتعاهدت على تنفيذ بنودها وعلقتها في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم وقد جاء فيها ”باسمك اللهم, على هاشم وبنى المطلب, على ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم, ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم ولا يعاملوهم حتى يدفعوا إليهم محمداً فيقتلوه“. استمرت المقاطعة سنتين وعدة أشهر, كان لا يصل للمسلمين خلالها شيء إلا سرا, يحمله إليهم مستخفياً من أراد مساعدتهم من قريش بدافع من عصبيه أو نخوة أو عطف. ولاقى المسلمون ومن بينهم الرسول صلى الله عليه وسلم خلال ذلك آلا ماً قاسية من الجوع والخوف والعزلة والحرب النفسية.
انتهاء الحصار:
طالت أيام الحصار واشتد الأذى بالمنقطعين في شعب أبي طالب, ولم يكن لأحد من قريش أن يزوجهم أو يتزوج منهم, ولا أن يبيعهم أو يبتاع منهم فعصرهم الجوع عصراً حتى مات منهم قوما, حينها بدأ بعض رجالات قريش وشبابها يتذمرون للظلم الصارخ الذي نزل ببني هاشم وبني المطلب, فسعوا إلى وقف القطيعة, وتمزيق الصحيفة الغادرة, وكان على رأس هؤلاء هشام بن عمرو, وزهير بن أبي أميه, والمطعم بن عدي, وأبو البختري بن هشام, وزمعه بن الأسود بن المطلب. فتواعد هؤلاء الخمسة على تمزيق الصحيفة, وفي الصباح أقبل زهير وأعلن أمام الناس بأنهم سوف يمزقون الصحيفة, فاعترض عليه أبو جهل إلا أن الخمسة أجمعوا على تمزيقها, فقام المطعم إليها فمزقها, ثم لبس ورفاقه السلاح واتجهوا إلى الشعب وأمروا بني هاشم وبني المطلب بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا. وفي رواية أخرى أنهم لما جاءوا يريدون تمزيق الصحيفة وجدوا أن الأرضة أكلتها ولم يبق منها إلا ”بسمك اللهم“.