ولم تعد الحياة قاسية عليهم بنفس الدرجة التي كانت حتى الماضي القريب وإنما أدت الثروة البترولية المتدفقة إلى تغيير خريطة الظروف الاقتصادية وخلصتهم من العوز والفقر،الذي كان يتمثل في هذا التنافس على أقل القليل من الماء والكلأ إلا أن الغالبية الكبرى من الدراسات الانثروبولوجية والسوسيولوجية المعاصرة تؤكد لنا بدون أدنى شك أن هذا النظام مازالت له سطوته ومازال محترما ليس في منطقة الجزيرة العربية فحسب،وإنما في كثير من البلاد الإسلامية المعاصرة وهو مستمر رغم رياح التجديد القوية التي تهب اليوم على تلك المجتمعات خاصة البترولية منهاحيث أصبح هناك قطاع يعتبر الالتزام بزواج بنت العم ”موضة قديمة“أو تقليدا بائدا باليا يجب الخروج عليه فمع أنك يمكن أن تسمع تلك الاعتراضات في كثير من دوائر الشباب إلا أننا نجد الشباب مع ذلك يحرصون على مراعاة قاعدة تفضيل الزواج من بنت العم ، فما زال العم يرجع إلى ابن أخية قبل أن يوافق على خطبته الشخص ”غريب“ ( بصرف النظر عن مدى غربته الحقيقية )وذلك لأن ابن عمها هو صاحب الحق الأول فيها.
وعلينا أن نتساءل عن السبب في استمرار هذا النظام ورسوخه في تلك الظروف المتغيرة ، التي نعرف جميعا المدى البعيد الذي ذهبت إليه في تغيرها ، ولكن دون أن يمس ذلك هذا النظام بشكل أساسي. ومع أن القول الفصل في تلك المسألة يحتاج إلى دراسات مونوجرافية عديدة ينبغي أن تجرى في البلاد العربية المختلفة على امتداها رقعة الوطن العربي ، وبواسطة باحثين عرب يكونون في أمان من التضليل والتزييف الذي مكن أن يقع فيه الباحث الأجنبي بسهولة . أقول برغم عدم توفر تلك الدراسات فإننا نرى من المناسب أبداء بعض الملاحظات العابرة.
ولعل الملفت للنظر أن ذلك النظام لا يستند الى أسس دينية راسخة من القرآن والسنة، وإنما هو نظام اجتماعي بمعنى الكلمة ، أي أنه ثمرة ظروف وأوضاع اجتماعية اقتصادية معينة هي التي فرضته. ولعل العوامل الاقتصادية بالذات هي الدافع الأول والرئيسي في رسوخ هذا النظام ، الذي لم يعد من اليسير تغيره بشكل مفاجئ بين يوم وليلة. فأهم تلك الاعتبارات الاقتصادية أن ذلك النظام يمنع انتقال ثروة الأسرة إلى خارج نظاق الأسرة، سواء في صورة مهر أو في اى صورة من الصور.
ومما يؤكد سلامة هذه النقطة أننا نجد مهر نفس البنت يختلف في حالة زواجها من ابن عمها عنه في حالة زواجها من شخص ”غريب“ حيث يكون المهر الذي يطلب أو يتوقع من ابن العم أقل بكثير وبوجه عام لا يشكل أي عبء اقتصادي على العريس. على خلاف هذا نجد الأسرة تغالي في طلب المهر من العريس ”الغريب“ ، ليس بسبب احتياجها الفعلي أو الاتجاه إلى المغالاة في المهور للتظاهر أو غير ذلك ولكن أساساً لكي يكون ذلك بمثابة حاجز أو معوق لخروج الفتاة من الأسرة والحقيقة أن تلك الجوانب من نظام تفضيل الزواج بأبناء العمومة المتوازنة ليست بالأمر الحديث أو وليد التاريخ القريب بل أن هناك بعض الباحثين الذين استطاعوا الكشف عن جذور وأشكال تاريخية بعيدة له وكلها أمور تحتاج كما أسلفت الى العديد من الدراسات الميدانية والتحليلات التاريخية من جانب الدارسين الاجتماعيين العرب.
على أن تلك ليست وحدها أشكال الزواج المفضل الوحيدة التي عرفتها المجتمعات الانسانية ، فهناك نظامان كثرت عنهما الكتابات والتحليلات ، ويعدان أيضا من أطراف أشكال نظام الزواج المفضل وأعني الزواج الليفراتي (أي الزواج من أرملة الاخ) والزواج السوروراتي (أي الزواج بأخت الزوجة المتوفاة).
والأساس في هذين النظامين واحد ، هو أن الأنماط الثقافية المثالية (في معظم المجتمعات) تعتبر الزواج رابطة مستمرة على نحو ما . فهو رابطة لا يمكن أن تتحلل بسهولة تبعا لهوى أي من الطرفين . ثم هناك ـــ فضلا عن هذا ـــ الحقيقة التي مؤداها أن الزيجات متى بدأت ، تقيم أواصر دائمة بين الأسرتين في كثير من المجتمعات ، أواصر تتجاوز في دوامها الأطراف المباشرين للعلاقة الزوجية . ونلمس التعبير عن هذه الحقيقة على المستوى الثقافي في نظام الزواج من أرملة الأخ Levirateوالزواج بأخت الزوجة المتوفاة Sororate وهما من الأنماط الثقافية المنتشرة بين الشعوب الأمية (البدائية)
ثانيا: البدنه والعشيره :
من الضروري قبل الدخول مباشرة في الحديث عن البدنة والعشيرة أن أمهد لهما بإشارة سريعة إلى أهم أنواع الجماعات القرابية، خاصة تلك الأشكال الأبسط منهما ، والتي تعتبر البدنة والعشيرة أشكالا مركبة منها
أولا الأسرة النووية وهي عبارة عن جماعة تتكون من الزوجين وأبنائهما غير المتزوجين . وينتمي الفرد في العادة الى أسرتين نووتين ، الأسرة النووية التي تربى فيها (وتعرف باسم أسرة التوجيه)، والثانية التي يقوم فيها بدور الأب (وهى أسرة التكاثر) . ويمكن أن تتحول الأسرة النووية إلى شكل أكثر اتساعا وأكبر بناء منها هو الأسرة النووية الممتدة
وهناك شكلان أساسيان للأسرة النووية الممتدة هما : الأسرة النووية التي يوجد فيها تعدد زوجات وهي تتكون من ذكر بالغ وزوجتين أو أكثروأطفالهم .
ثم الأسرة النووية التي يوجد فيها تعدد أزواج (وهذا الشكل أكثر ندرة ، ويكاد لا يكون معروفاً في أي مجتمع معاصر على نظاق واسع) . وتتكون هذه الأسرة من أنثى بالغة ورجلين أو أكثر وأطفالهم . وسنعود مرة أخرى إلى تناول هذا الشكل في موضع لاحق . ولكن يكفي أن تلاحظ على مختلف أشكال الأسر النووية الممتدة أن امتداد الأسرة يتم من خلال علاقة الزوج والزوجه .كما يتضح لنا أن الأسرة النووية البسيطة أو الممتدة تمثل ظاهرة عامة . وهي موجوده بصرف النظر عن الامتدادات الأخرى للأسرة أو الجماعات القرابية.
ثم هناك بعد ذلك الأسرة المشتركة وهى تتكون من أسرتين نوويتين أو أكثر ترتبط ببعضهما خلال خط الأب أو خط الأم ، أى من خلال علاقة الأب والابن ، أو الأخ وأخيه (وكذلك الأخ وأخته) . وتكاد الإقامة المشتركة تكون هي القاعدة دائماً ، كما تكون مصحوبة عادة ببعض الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية المشتركة. ويحدث في الأسرة المشتركة في بيت الأسرة.(أو إذا لم يتيسر هذا ففي بيت جديد قريب من بيت آبائهم). ويضمون زوجاتهم وأطفالهم إلى الجماعة القرابية القائمة. أما البنات فعلى العكس من ذلك،يتركن بيت الأب عند الزواج ويذهبن للمعيشة مع الأسر المشتركة لأزواجهنوإن كن لا يفقدن – في بعض الأحوال – الصلة بأسرة الأب كلية ويعتبر أن لهن انتهاء
عائليا مزدوجا.
أما الأسرة المشتركة التي تعيش في بيت الأم نتخذ الامور فيها مسارا عكسياً. فالبنات تبقى في أسرة الأم بعد الزواج ، في حين يترك الذكور الأسرة ليعيشوا في الأسرة المشتركة للزوجة. وهنا أيضاً نجد انتهاء عائليا مزدوجا ، ذلك أن الذكور لا يقصمون دائماً عزى العلاقات مع أسرة المولد كلية.
أما الأسر التي يرتبط بعضها ببعض من خلال سلف مشترك أبعد من الأب ، فيطلق عليها اسم البدنة Lineage .
وليست الإقامة المشتركة شرطا ضروريا بالنسبة للبدنة. ولا يزيد الشرط في بعض الأحيان على مجرد الاعتراف بوجود سلف مشترك، إلا أننا نجد البدنات تنتظم في الغالب إما على أساس الانتهاء إلى الأب أو الام. وهي عبارة عن كنايات متحدة بعضها ببعض تؤدي وظائف ذات أهمية متفاوتة ، ولكنها قد تكون فائقة في أغلب الأحيان. فهي قد تؤدي – من ناحية – بعض الوظائف التي تؤديها الأسر النووية أو المشتركة في أحوال أخرى. كما قد تؤدي – من ناحية أخرى – نفس وظائف العشيرة clan .
وقد توجد البدنات في بعض الأحيان أيضا كأجزاء من عشائر ، ولو أن العلاقة بين أفراد العشيرة قد تكون في الغالبية العظمى من الأحوال علاقة افتراضية (أى ليس لها أساس من الواقع)،أو ترجع إلى سلف أسطوري معين. اما العلاقة التي تربط أفراد البدنة ببعضهم فترجع في العادة إلى سلف مشترك. ويحدث عندما ينسى سلف البدنة أو يتضخم حجمها فوق المعدل أن تنشط إلى بدنتين جديدتين أو أكثر.
وعلى الرغم من أن الجانب الأكبر من المناقشات الدائرة في التراث الانثروبولوجي تنصب على أنماط التنظيم العائلي ذوات الجانب الواحد. فإننا يجب مع ذلك أن نتذكر أن الأسرة تقوم في غالبية المجتمعات على قرابة مزدوجة، وليست قرابة ذات جانب واحد ، كما هى الحال في مجتمعاته المعاصرة. على سبيل المثال. ومن المهم في مثل هذه المجتمعات – خاصة حيث تضطلع الأسر الممتدة أو البدنات بوظائف هامة – أن نتذكر دائماً أن الفرد يكون عضوا في جماعتين قرابيتين ، أسرة الأب وأسرة الأم. وكثيرا جدا ما تختلف حقوق الفرد ومسئولياته إزاء الجماعة القرابية الأبوية والجماعة القرابية الأمومية. ورغم شيوع أسر الانتماء المزدوج، فإن هذا النوع من الأسر لم يحظ بالقدر الواجب من التحليل المتصل بالقياس إلى أنماط القرابة ذوات الجانب الواحد.
أما العشيرة فتتجاوز حدود عضوية الأسرة. على الرغم من أن العامل الحاسم في الانتماء العائلي هو القرابة وحدها وليس القرابة بالإضافة إلى السكنى المشتركة كما هو الحال في الأسر المشتركة.
وتنقسم العشائر إلى نوعين :
العشيرة الأبوية: وفيها ينتمي الفرد إلى عشيرة أبيه والعشيرة الأمومية وفيها تكون قرابة الفرد العشيرة هي نفس قرابة أمه للعشيرة ولا تتأثر الروابط العشائرية بالزواج ولا بالسكني كما لا يوجد أى نوع من ازدواج عضوية العشيرة. فالفرد مكتسب انتماءه العشائري عن طريق الميلاد أو التبني. ويظل محتفظاً بذلك الانتماء لا يتغير ولا يتبدل طوال حياته. وتختلف العشائر اختلافا بينا عن الأسر النووية وعن الأسر المشتركة من حيث أن أعضائها ليسوا مضطرين إلى الحياة داخل نفس الوحدة السكنية ولا حتى في وحدات سكنية متجاورة.. ولما كانت العشائر تتميز بنظام الزواج الإغترابي ( أى انه يتحتم على أبناء العشيرة أن يتخذوا لهم أزواجاً – أو زوجات – من خارج العشيرة) .
فإنه يترتب على ذلك بالضرورة أن الأسرة النووية أو الأسرة المشتركة – في المجتمع الذي يقوم على العشائر – تتكون من أفراد ينتمون إلى عشائر متباينة.
وكثيرا ما تكون العشائر جماعات شديدة الضخامة ، على خلاف الأسر الأولية (النووية) والأسر المشتركة. كما أنها غالباً ما تضم أفرادا نادراً ما يصلون بعضهم ببعض اتصالا فعلياً ، هذا إذا حدث بينهم اتصال ما أصلا. ولذلك فإن علاقات الانساب بينهم ليست مسألة تسجيل، وإنما يكتفي عادة بافتراض أن كافة أفراد عشيرة ما ينحدرون من سلالة سلف واحد مشترك، غالباً ما كرمز له بشخصية اسطورية من نوع ما.
وتنقسم العشيرة في العادة إلى أقسام فرعية في الوقت الذي تندرج فيه ضمن وحدة قرابية أكبر منها. ويطلق على أقسام العشيرة اسم البدنات (الأبوية أو الأمومية ، بالنسبة للعشيرة الأبوية أو الأمومية على التوالي).
وتضم البدنة أفراد العشيرة الذين ينتمون إلى سلف حقيقي واحد (في مقابل السلف الافتراضي الذي أشرنا إليه)، ويعتبرون جماعة رسمية واحدة على نحو أو آخر. أما التجمعات الأكبر التي تضم عدداً من العشائر فيطلق على الواحدة منها اسم اتحاد العشائر أو البطن phratry. ويعترف المجتمع بتلك الجماعات الاجتماعية التي تقوم على افتراض انتساب عدد من العشائر – في الأصل – إلى سلف أسطوري مشترك. ويجب ألا نتصور أن وجود أى من الأسر النووية والأسرة الممتدة ينفي وجود الشكل الآخر ، فكثيرا جدا ما نصادف في المجتمع الواحد جماعات أسرية من عدة أنواع وأنماط مختلفة.