المحاضرة الحادية عشر
الجشطلت ( التعلم بالاستبصار )
مقدمة :
ظهرت الجشطلت في ألمانيا ، والتي كانت تمثل آراء علماء النفس الألمان ماكس فرتهيمر Max Wertheimer (1880 – 1943 ) وفولفجانج كوهلر WOLFgang Kohler ( 1887 -1967 ) ،وكبرت كوفكا Kurt KOFKA ( 1886 – 1941 ) ،ونقلت إلى أمريكا في عام ( 1920 ) تقريبا على يدي كوفكا وكوهلر .
ويعرف هذا الاتجاه باسم علماء مدرسة الجشطلت Gestalt والكلمة ألمانية الأصل ومعناها صورة أو صيغة ، أو شكل ، وهي تعني الصورة الكلية ، فالتأكيد في التعلم طبقا لهذه النظرية على مختلف جوانب الموقف ، واهتمت هذه المدرسة بدراسة السلوك ككل .
وترى هذه النظرية أن الحقيقة في المدرك الحسي ليست هي العناصر أو
الأجزاء التي يتكون منها المدرك وإنما الشكل أو البناء العام فالمثلث لا
يتكون من ثلاثة أضلاع وثلاث زوايا مجتمعة مع بعضها بعضا ، وإنما
يتكون المثلث من علاقة عامة بين هذه الأجزاء وبعضها بعضا ، فالعلاقة
العامة أو الصيغة الكلية عند جماعة الجشطلت هي الناحية الرئيسية الأولى
بالاهتمام .
ورفض أنصار هذه المدرسة فكرة تقسيم السلوك إلى عناصره حيث إن
السلوك لا يمكن رده إلى مثير استجابة (م >س) وأكدوا على أن خصائص
الكل المنظم تصنع المشكلة الأجدر بالدراسة في على النفس ، فالسلوك الذي
يعني علم النفس هو السلوك الكلي الهادف إلى غاية معينة .
فالكل ليس هو مجموع العناصر التي يتكون منها وانما له خصائصه التي يتميز بها والتي لا توجد في هذه الأجزاء وتحليله إلى عناصره لا يعطى فكرة كاملة عنه .
والسلوك حسب هذه النظرية يتصف بالكلية ، بمعنى أن السلوك وحدة معينة ، نتيجة لوجود الكائن الحي في موقف معين يتميز ببعض العوامل التي تؤثر عليه فتجعله يستجيب له بطريقة معينة ، حتى يحقق تكيفه وتوافقه مع هذا الموقف ، فالسلوك الذي يعنينا هو السلوك الكلى من حيث إنه مجموعة أحداث معقدة تصدر عن ذات معينة تهدف إلى غرض خاص ، وتحدث داخل بيئة محددة .
والواقع أن نظرية الجشطلت عبارة عن ثورة على كل الاتجاهات الذرية أو التحليلية في دراسة السلوك سواء أكانت تلك الذرات أو الوحدات إحساسات أو مثيرات واستجابات .
شروط حدوث التعلم بالاستبصار :
لكي يتم الاستبصار بطريقة صحيحة ومناسبة يجب توافر الشروط الآتية :
- أن يكون الموقف ( المشكلة ) الماثل أمام الكائن الحي قابل للحل وفي حدود استعدادات وقدرات الكائن الحي وخبراته السابقة .
- أن يتضمن عناصر الموقف علاقات كاملة ( غير مباشرة ) تقبل إعادة التنظيم للوصول إلى الحل .
- أن يتضمن الموقف نوع من الاستثارة لدوافع الكائن الحي لاستثارة الكائن الحي للقيام بعمل أو نشاط ما.
بعض من تجارب كوهلر :1- تجارب الصندوق
1/ وضع كوهلر أحد القردة (شمبانزي ) في قفص وهو جائع ( كدافع للتعلم ) ، ويعلق الطعام ( موز في الغالب ) في سقف القفص ، مما لا يستطيع القرد الوصول إليه بذراعيه أو عن طريق الوثب ( عقبات ) .
2/ وضع في مجال رؤية القرد داخل القفص صندوق (وسيلة) يستطيع القرد عن طريقه الوصول إلى الهدف (الطعام).
3/ قام القرد بمحاولات عن طريق مد اليد أو الوثب للحصول على الطعام ولكنه لم ينجح ، ثم صار يتنقل من ركن إلى ركن داخل القفص في حيرة.
وأخيرا لاحظ الصندوق فنظر إليه ونظر إلى الموز المعلق في السقف وفجأة جذب الصندوق إلى الوضع الصحيح تحت الموز ثم قفز فوقه ووصل إلى الهدف
( الحصول على الطعام وهو الموز )
هنا نجد إدراك الحيوان للعلاقة بين الصندوق وإمكان الوصول إلى الطعام ( الموزة ) .
كرر كوهلر التجربة السابقة ووضع صندوقين بدلا من صندوق واحد ، ووضع الطعام ( الموز ) في سقف القفص بحيث لا يستطيع القرد الوصول إليه عن طريق اليد أو الوثب أو عن طريق استخدام صندوق واحد .
بدا القرد بمحاولات عن طريق وضع صندوق واحد وقفز عليه وقام بالوثب ومد اليد ولكنه فشل.
أخيرا لاحظ الصندوق الثاني فوضعه فوق الصندوق الأول وقفز عليهما ووصل إلى الهدف الحصول على الطعام .
بعض من تجارب كوهلر :1- تجارب العصا
كرر كوهلر التجربة مع وضع الطعام خارج القفص ووضع عصا داخل القفص بدلا من الصناديق وحاول الحيوان أن يصل إلى الطعام باليد ففشل ، وبعد مدة وفجأة لاحظ وجود عصا في الناحية الأخرى من القفص الناحية البعيدة من الطعام فأمسك بها وأستخدمها في الحصول على الطعام ( الموز ) .
4 / كرر التجربة السابقة مع وضع عصاتين قصيرتين داخل القفص ( بدلا من الصناديق ) بحيث لا تكفي الواحدة منهما للحصول على الطعام وإنما يستلزم ذلك أن يدخل أحد العصاتين في الأخرى لكي يحصل على الطعام .
وقد قام القرد بمحاولات عديدة باستخدام عصا واحدة للوصول إلى الطعام و لكنه فشل و بعد مدة نجح القرد بإدخال العصوين معاً و كوّن عصاً طويلة و أستخدمها في الحصول على الطعام ( الموز).
تفسير التجارب السابقة:
- إن الوصول إلى الحل ( الطعام ) يأتي نتيجة لما يسمى بالاستبصار حيث كان القرد يقوم بمحاولات عديدة و بعد عمليات التأمل و الانتظار ثم فجأة يكتشف الحل.
- إن الاستبصار يعتمد على إدراك و تنظيم أجزاء الموقف ( معالجة ذكية) حيث كان يحدث الاستبصار للقرد بعد أن ينظم الأجزاء الضرورية ( يتأمل و كأنه يفكر) للحل كالنظر إلى الصندوق أو العصا و النظر إلى الطعام.
- لوحظ أنه متى توصل القرد إلى الحل عن طريق الاستبصار فإنه يكرر هذا السلوك بسهولة و دون بذل جهد أو وقت خاصة إذا كانت نفس الظروف و الشروط السابقة التي مر بها.
- يلاحظ أن التعلم بالاستبصار يختلف عن التعلم بالمحاولة و الخطأ ففي المحاولة و الخطأ كان التعلم لا يتم من أول مرة بل كان يستغرق عدد من المحاولات تحدث فيها الأخطاء بالتدريج بينما يحدث التعلم بالاستبصار فجأة ( بعد إدراك العلاقات الموجودة في الموقف) و متى تعلم الحيوان الوصول إلى الحل فإنه يستخدم نفس الأسلوب إذا تعرض إلى نفس الموقف من جديد.
العوامل التي تساعد على الاستبصار:
- النضج العقلي: ويقصد به مدى ما يتمتع به الفرد (الكائن) من مستوى ذكاء، حيث إن الاستبصار يعتمد على القدرة العقلية للكائن، فكلما كان الكائن أكثر ذكاء كلما كان أقدر على فهم المواقف التعليمية وإدراك العلاقات الموجودة به ويلاحظ أن مستويات الذكاء تختلف باختلاف مركز الكائن الحي في السلسلة الحيوانية وأن الإنسان يقع في قمة هذه السلسلة كما أنه توجد فروق فردية بين الأفراد بعضهم بعضا حتى في المرحلة العمرية الواحدة بالنسبة لمستويات النضج العقلي.
-النضج الجسمي: ويقصد به إمكانية التكوين العضوي والجسمي على إجراء السلوك المتضمن في عملية التعلم (من حيث الطول مثلا أو القوة...إلخ) ، أي نمو أعضاء الجسم بحيث تستطيع أداء الوظائف بالدرجة المطلوبة.
-الخبرة السابقة: ويقصد بها ما لدى الكائن من معلومات أو مهارات ....إلخ ، سابقة مماثلة للموقف الحالي وقريبة منه أو تختلف عنه بعض الاختلاف ويمكن الاستفادة منها في الموقف الحالي (أي انتقال أثر التعليم أو انتقال اثر التدريب ) .
- الدافع: أن الدافع هو الطاقة القوية الكامنة التي تدفع الكائن الحي لأداء سلوك ما. والتعلم يحتاج إلى وجود دافع لكي يستشير الإنسان (الكائن الحي ) يقوم بنشاط أو عمل ما.
- تنظيم المجال: إن التعلم وظيفة مباشرة لإعادة تنظيم المجال الموجود فيه الكائن الحي فوقوع الموز والعصا أو الصندوق على خط نظر واحد ساعدت القرد على التأمل حتى وصل إلى الحل المباشر للمشكلة أي أن تكون عناصر الموقف التعليمي في مجال إدراك القرد موضوع التعلم(أي وضوح عناصر الموقف التعليمي)
قوانين التعلم بالاستبصار:
1- قانون التقارب
2- قانون التشابه
3- قانون الشمول
6- قانون الغلق
7- قانون الاستمرار الجيد
التطبيقات التربوية :
يحدث التعلم من وجهة نظر الجشطلت نتيجة الإدراك الكلي للموقف وليس نتيجة
إدراك أجزاء الموقف منفصلة ، فالموقف الكلي يفقد كثيرا من خصائصه وصفاته
إذا حلل إلى أجزائه فالكل ليس مجرد إضافة أو جمع الأجزاء مع بعضها فالجملة
مثلا تشتمل على أكثر من الكلمات والحروف التي تتكون منها.
ويرى أصحاب مدرسة الجشطلت أن هناك طريقتين يمكن للمدرس أن يتبعها إذا
كانت الخبرة المراد تعلمها معقدة من الأصل وهاتان الطريقتان هما :
أولا : تبسيط هذه الخبرة بقدر الإمكان مع عدم إهمال صفاتها و خصائصها العام.
ثانيا : أن يؤجل عرض الخبرة حتى يتأكد المعلم أن خبرة المتعلم ونضجه يسمحان
بإدراكها ككل.
التطبيقات التربوية في مجال الإعاقة العقلية :
يعتمد التعلم بالاستبصار على النضج والسن والذكاء والخبرة، فهو عند الحيوانات العليا أفضل منه عند الحيوانات الدنيا، وعند الراشدين أفضل منه عند الأطفال، وعند الأذكياء أفضل منه عند المتخلفين عقليا وفي ضوء ذلك يجب مراعاة الآتي عند تعليم المتخلفين :
- يجب أن توضع المادة موضوع التعلم في ضوء قدرات الطفل المعاق عقليا (المتعلم)من حيث مستوى النضج العقلي والجسمي وكذا السن والخبرة.
- يجب تبسيط مادة موضوع التعلم .حيث يمكن وضعها في صورة مهام فرعيه بسيطة تبدأ بتعلم البسيط والسهل ثم الانتقال إلى الصعب وهكذا حتى تتم عملية التعلم بإدراك العلاقات الأولية البسيطة ثم الانتقال إلى إدراك العلاقات الأكثر تعقيدا.
- يجب إتاحة الفرصة للطفل المعاق عقليا بمحاولات للتعلم(عن طريق المحاولة والخطأ) مع تقديم التوجيه والتعزيز المناسب حتى نساعده ونوجهه لإدراك العلاقات الهامة في الموقف التعليمي ، وإهمال العلاقات الأخرى ، وحتى تتم عملية الاستبصار والوصول إلى الحل المناسب.
- يجب توفير الوقت الكافي والمناسب للطفل المتخلف عقليا لإتاحة فرصة أكبر للتدريب حتى يتمكن من إدراك العلاقات اللازمة لحدوث التعلم.
- يجب على المعلم الاستفادة من قوانين التعلم التي توصلت إليها نظرية الجشطلت كقانون التقارب حيث أن تقارب الأشياء من بعضها يساعد الطفل المتخلف عقليا على إدراكها كوحدة واحدة وقانون التشابه حيث إن الأشياء المتشابهة تميل إلى التجميع في وحدة إدراك متكاملة. وحيث إنّ التعلم بالاستبصار يعتمد على النضج العقلي والجسمي والسن والخبرة . فهذا يعني أن المعاقين عقليا يتعلمون بالاستبصار في مواقف قليلة بسبب انخفاض قدراتهم على الاستنتاج والتعميم والتجريد.
فحسب نظرية بياجيه في الارتقاء المعرفي يتوقف نمو عقل المعاق عقليا عند
مرحلة التفكير الحسي . ولا يصل إلى حد التفكير المجرد ، واقترح بياجيه لزيادة
استفادة المعاقين عقليا من التعلم بالاستبصار الآتي:
1- اختيار الأنشطة أو الموضوعات التي يفضلها الطفل.
2- تهيئة الطفل لموقف التعلم.
3- إرشاد الطفل في موقف التعلم وتوجيهه إلى اكتشاف العناصر الرئيسية في الموقف والتبصير فيما بينهما من علاقات.
4- اختيار الموضوعات التي تناسب نمو الطفل وعدم الإسراع في تعليمه.
5- تشجيعه على الاستفادة مما تعلمه باستعماله في حياته اليومية.
6- تكوين علاقة طيبة بين الطفل ومدرسيه.
المحاضرة الثانية عشر
نظرية المجال
مقدمة
كيرت ليفين kurtlewin ولد في بولندا عام 1980 وتوفي عام (1947) يعتبر امتداد لسيكولوجية الجشطلت ، وهو من علماء الجشتالت الألمان الذين انتقلوا إلى أمريكا وهم: ( فرتهيمر، كوفكا، وكوهلر )، حيث ركز العلماء الثلاثة على التعلم والإدراك والتفكير، بينما ركز ليفين بالإضافة للسابق على الشخصية، والدافعية، وعلم النفس الاجتماعي.
كما أن علماء نفس الجشطلت اهتموا بتناول موضوع التعلم بالأسلوب الذي يتم بواسطة تحقيق الأهداف من خلال إعادة البناء المعرفي للكائن الحي دون البحث عن الدوافع التي تكون وراء هذه الأهداف في حين كان اهتمام ليفين على العكس من ذلك ، حيث كان يركز في الدراسة على هذه الدوافع وعلى الاهداف ذاتها في علاقتها بالشخصية .
لا ينظر ليفين إلى المجال على أساس انه المقولة التفسيرية للأحداث السلوكية ، بل ينظر اليه على انه طريقة لتحليل العلاقات السببية اللازمة لتحديد شروط التغير في السلوك فالتركيز في نظريته على الجانب الديناميكي على الحدث السلوكي ، ولا شأن للأحداث الفسيولوجية وتحليل الحدث النفسي يبدا بمعالجة الموقف ككل .
المجال الحيوي :
يستخدم ليفين مفهوم المجال الحيوي للتعبير عن مجموعة القوى التي تحددسلوك
الكائن في موقف ما وفي لحظة معينة . ويشتمل هذا المجال على الفرد نفسه وبيئته
الذاتية السلوكية التي تشمل كلما يؤثر في سلوكه كالهدف الذي يسعى إليه ،
والقوى الايجابية التي تحفزهنحو تحقيق الهدف والسلبيات التي عليه تجنبها
وتحاشيها والحواجز لماديةوالنفسية التي تقيد حركته وتعوق تحقيق الأهداف ،
والممرات أو لبدائل التي يمكنسلوكها للوصول الى غايته ... إلخ ، فقد تكون
موجودة كلها أو بعضها في المجالالحيوي للفرد .
ولكل فرد مجال حيوي مستقلبذاته ومن الصعب أن نجد فردينيتماثلان تماما في
مجالهما الحيوي ، وهذاطبيعي انطلاقا من اختلاف الشروطالمؤثرة التي تختلف
من فرد الى اخر .
يشير ليفين إلى أن سلوك الفرد نتاج تفاعل بين ذات الفرد وبيئته عن طريق الإدراك فالحيز الحيوي هو البيئة كما يدركها الفرد، لذلك فهو يختلف من فرد لآخر-إن لكل فرد مجال حيوي مستقل ومختلف-، وقد تكون هناك أشياء مادية موجودة في البيئة لم يدركها الفرد وهنا لا تدخل ضمن الحيز الحي للفرد حيث أنه لم يدركها رغم وجودها في بيئته، وفي المقابل إذا كان الفرد يدرك موضوعاً ليس موجوداً في بيئته المادية فهو يدخل ضمن الحيز الحي للفرد.
مثال:
التعلم عند ليفين :
التعلم هو تمايز الكليات المبهمة إلى وحدات منفصلة واضحة ، او الانتقال من الكل الغامض الى الوحدات المتمايزة الواضحة ، قد يكون التعلم تكاملا بين اجزاء الموقف الخارجي ، ويتم ذلك عن طريق عقد العلاقة بين هذه الوحدات في كل وظيفي واحد يخضع في اساسه لقوانين تنظيم الادراك .
ويعارض ليفين وضع تعريف واحد للتعلم حيث إن هذا قد لا يمثل إلا مظهرا واحدا من مظاهر الحياة النفسية إنما التعريف المناسب والجيد للتعليم هو الذي يتناول دراسة التغير في كل مظهر من المظاهر السلوكية على حده ويقول بان التعلم هو أي تغير في الشخص يحدث تغيرا في البيئة السيكولوجية على أساس أن هذا التغير يتضمن على الأقل الأنواع التالية :
أولا: التعلم كتغير في التركيب المعرفي
ثانياً : التعلم كتغير في الدوافع والأهداف
ثالثاً : التعلم كتغير في الاتجاهات والقيم
رابعا : التعلم كتغير في ضبط الحركات الإرادية
أولا: التعلم كتغير في التركيب المعرفي :
إن التغير في التركيب المعرفي للمجال يمكن أن يتم عن طريق الزيادة المطردة في خبرات الفرد ، أي ان هذا التعلم يسير من الكليات المبهمة وغير الواضحة الى الوحدات المميزة ، أي من العام الغامض الى الخاص الواضح والمفصل .
كما ان التعلم المعرفي يتم عن طريق عملية التكامل التي تعمل على ربط الخبرات وعناصر الموقف ،وتنظيم تكوين وشكل جديد يعمل كوحدة متكاملة من اجل الوصول الى تحقيق الاهداف التي يسعى اليها الفرد المتعلم .
ويرى ليفين إن الخبرة لا يمكن تعلمها ما لم يكن لها معنى واضح لدى الفرد فالمادة المفككة لا معنى لها ولا يدرك الفرد علاقات تجمعها وبذلك فانه يصعب تعلمها .
ويتضح ذلك من المثال التالي : عندما يدخل الطالب مكتبة الكلية لأول
مرة فانه قد يواجه في مجاله الحيوي غموض الاماكن التي يوجد بها
المراجع التي تحول بينه وبين الوصول الى الهدف الذي يسعى اليه
(والذي يتمثل في الحصول على مراجع معينة تخصه ) ، ولكن بعد
تردد الطالب على المكتبة ودخولها مرات عديدة وسؤاله للمختصين
أو سؤاله لزملائه من لهم خبرة بالمكتبة واماكن المراجع المختلفة ،أو
عن طريق محاولاته المتكررة سيلم بتفاصيل المكتبة ومعالمها كاملة
ويصبح لديه خبرة ويوجه غيره من الطلاب .
ويرى ليفين إن التغير في البيئة المعرفية يحدث من خلال ثلاث عمليات على النحو التالي :
التمايز : وهي العملية التي يتم من خلالها مراجعة المناطق الغامضة في الحيز الحيوي بحيث تصبح اكثر وضوحا واستغلالا وادراك علاقة كل منها بالمجال النفسي .
التعميم : وهي العملية التي يتم من خلالها تميع مناطق الحيز الحيوي في قطاعات او فئات اكثر عمومية بحيث تشمل كل فئة الأهداف ذات الطبيعة المشتركة أو المترابطة وظيفيا .
التكامل : وهو العملية التي يتم من خلالها احداث قدر من التكامل بين مناطق الحيز الحيوي بما تشمله من خبرات ومعلومات وادراك ما بينها من علاقات ، والتي تساعد في اكساب المجال النفسي للفرد خصائص كيفية جديدة .
ثانياً : التعلم كتغير في الدوافع والأهداف :
تعتبر الدوافع محور تفسير المجالين لعملية التعلم ، حيث يحدث في اثناء تفاعل الفرد ببيئته ، او نتيجة لحالة الفرد الفسيولوجية ان يشعر برغبة في تحقيق حاجة فيتخيل التوازن بين مناطق المجال الحيوي ومناطق التكوين النفسي للفرد وينتج عن ذلك نوع من شعور الفرد بالتوتر يدفعه الى القيام بنوع من السلوك لإشباع الرغبة والتخلص من التوتر.
كما يرى إن التغير في المجال الحيوي للفرد يشمل التغير في الأهداف التي يسعى إليها الفرد ، فهناك اشياء في مجال الفرد يسعى لإشباعها وتحقيقها هذه الاهداف تكون لها قوة جذب تعمل كدوافع توجه سلوك الفرد نحوها ،فينظم المجال الحيوي تبعا لقرب الفرد منها او بعده عنها والعقبات التي تحول بينها .
ثالثاً : التعلم كتغير في الاتجاهات والقيم :
إن الانسان دائما يعيش في وسط جماعة ، ولذاك فهو عادة يعمل ضمن الاطار الذي تحدده مجموعة الظروف والقيم والاتجاهات الخاصة بهذه الجماعة التي تعيش ويعمل في وسطها ، وتؤثر الجماعة بصورة اساسية وكبيرة في المجال الحيوي للفرد ، فهي تؤثر في الكثير من تصرفاته وتؤثر على سلوكه تجاه الاشياء وحكمه عليها .
وتلعب المؤثرات الثقافية والحضارية دورا كبيرا في تكوين المجال الحيوي للفرد وفي تكوين ميلوه واتجاهاته ، مع ملاحظة ان كثيرا من الافراد الذين يعيشون في ظل حضارة واحدة كثيرا ما يكونون ميولا واتجاهات مختلفة تتفق وخبراتهم في الوسط المحيط بهم .
ومعنى ذلك إن عملية تكوين الميول والاتجاهات عملية انتقائية لأنها تعتمد على إدراك الفرد للوسط المحيط به وعلى ما كونه من خبرة معرفية واثر ذلك على حاجاته ورغباته وانفعالاته .
رابعا : التعلم كتغير في ضبط الحركات الإرادية :
إن تعلم المهارات الحركية يعتمد على تنظيم القوى المختلفة التي تؤدي إلى التعلم ، حيث تعمل كل العضلات والحركات المتنوعة في كل موحد وفي توافق وتناسق تام ، وان تعلمها لا يختلف في جوهره عن تعلم الخبرات المعرفية فيما يتعلق بتنظيم القوى المختلفة التي تؤدي الى التعلم .
ويرى ليفين إن تعلم المهارات الحركية والقدرة على التحكم والسيطرة في العضلات كتعلم المعارف والميول والاتجاهات يشير إلى تغير خاص يتناول جانبا من جوانب شخصية المتعلم ، و يحتاج تعلم المهارات الى النضج و الاستعداد.
التطبيقات التربوية لنظرية المجال :
يمكن تحديد بعض التطبيقات التي يمكن أن يستفيد بها المعلم ويطبقها في مجال التعلم المدرسي ومنها ما يلي :
- بالنسبة لموضوع التعلم : يجب على المعلم دراسة خصائص التلاميذ الذاتية وميولهم واتجاهاتهم وخبراتهم السابقة بالإضافة الى دراسة البيئة الخارجية المحيطة التي يحدث في اطارها السلوك ، ووضع وتحديد موضوعات التعلم بما يتناسب مع خصائصهم وظروفهم البيئية .
- اكتساب عمليات الأبصار الجديدة : حيث يجب على المعلم الاهتمام بإحداث تغييرات كمية وكيفية في البيئة المعرفية للتلاميذ حتى يتعمق فهمهم للموقف التعليمي ويتم التعلم من خلال عمليات التمايز والتعميم .
-تناسب الأهداف : يجب على المعلم ان يساعد التلميذ على وضع اهدافه بحيث تتناسب مع امكاناته المعرفية وان تشبع حاجاته وتحق الرسالة وبالتالي تزيد دافعيته للتعلم ، فارتفاع مستوى التحصيل بدفعة الى مزيد من الاهتمام بواجباته المدرسية .
- الدراسة الكلية للموقف التعليمي : حيث يجب على المعلم دراسة الموقف التعليمي دراسة جشطلتية كلية في البداية ثم يخضع الموقف للتحليل الى عناصره الاولية ومؤثراته المختلفة ، وان يوازن في الاهتمام بين العناصر حسب اثرها النسبي في الموقف فلا يهمل موقفا ذا تأثير كبير ويهتم بموقف ذات تأثير ضعيف .
- تحقيق التكامل بين الخبرات : حيث يجب انا توضع المادة العلمية بحيث تحقق قدرا من التكامل بينها وبين المعلومات الاخرى السابقة التي تم اكتسابها او المتوقع (التي سيتم) اكسابها للتلاميذ .
- الظروف الحالية : حيث يجب الاهتمام بالظروف الحالية التي تؤثر في الموقف التعليمي أكثر من الاهتمام بالخبرات الماضية (السابقة) لان الموقف الحالي بمعطياته ونتائجه يحدد مدى استفادة الفرد من الخبرات السابقة .
-المنافسة الايجابية : يجب على المعلم اثارة المنافسة الايجابية والمناسبة لقدرات واستعدادات أطراف المنافسة ، والبعد عن المنافسة السلبية او غير المتكافئة بالنسبة لأطراف المناسبة .
- تحقيق التفاعل : يجب على المعلم خلق وايجاد الظروف الممكنة لظهور الاهداف المشتركة لدى التلاميذ والتي من شأنها احداث التفاعل المشترك بين التلاميذ وبعضهم ، وبين التلاميذ والمعلم .
مقدمة:
صاحب هذه النظرية روتر الذي ولد في 22 أكتوبر عام 1916 في
بروكلين بنيويورك . وحصل على البكالوريوس عام 1937 و على
الماجستير في عام 1938 وعلى الدكتوراه عام 1941 . ودرس
روتر نظرية المجال على يد كيرت ليفين.
وعرض روتر نظريته لأول مرة في كتابة " التعلم الاجتماعي و علم
النفس الأكلينكي " الذي صدر عام 1954.
ويصف روتر نظريته بأنها محاولة لتطبيق نظرية التعلم على السلوك
الاجتماعي المعقد للإنسان في المواقف الاجتماعية المعقدة.
ويشير كل من روتر و كروميل في هذه النظرية إلى نوعين من السلوك المتعلم هما:
1-السلوك التقاربي : ويقصد به ذلك الذي يصدر عن المتعلم و الذي يقترب فيه من معايير إشكال السلوك المقبول اجتماعياً ، يعتبر مثل هذه السلوك ناجحاً من المنظور الاجتماعي.
2- السلوك التجنبى : ويقصد به ذلك السلوك الذي يصدر عن المتعلم والذي يبتعد فيه عن معايير و أشكال السلوك و المقبول اجتماعياً ، ويعتبر هذه السلوك فاشلاً من المنظور الاجتماعي.
وبناء على ذلك يدرك المتعلم معنى النجاح و الفشل في أشكال السلوك المتعلمة في ذلك السياق الاجتماعي ، و على ذلك يعمل على تعلم أشكال السلوك المقبولة اجتماعياً بل يسعى اليها في حين يعمل على تجنب أشكال السلوك غير المقبولة اجتماعياً و يتجنبها.
-إمكانية السلوك :
أي إمكانية حدوث سلوك ما في موقف معين أو في مجموعة من المواقف
في علاقته بمعزز ما أو مجموعة من المعززات ،وبمعنى آخر إمكانية
حدوث نمط سلوك أو مجموعة من الأنماط السلوكية المرتبطة وظيفياً
بمعزز ما أو مجموعة من المعززات.
-التوقع :
هو الاحتمال الموجود لدى الفرد بإمكانية الحصول على تقدير ما نتيجة
للقيام بعمل ما في موقف معين أو هو درجة الاحتمال التي يدركها الفرد
للحصول على تعزيز ما عند قيامة بسلوك معين في موقف معين.
-قيمة التعزيز:
هي درجة تفضيل الفرد و رغبته في الحصول على تعزيز ما من بين عدة
تعزيزات محتملة عند ما تتساوى هذه التعزيزات من حيث أمكان حدوثها
و يمكن إيضاح معنى قيمة التعزيز من خلال المثال التالي:
لنفرض أن طفل قام بعمل ما و نال التعزيز في صورة ( ماركات) و أن
هذه الماركات تسمح له بالحصول على أي شيء يرغبه من السوق
الموجودة داخل المؤسسة ، ومن ثم فإنه قد يفضل الحصول على لعبة
معينة على باقي اللعب و المشروبات و المأكولات المتاحة في حدود هذه
الماركات و يتوقف ذلك على قيمة التعزيز و أهمية هذه المعزز بالنسبة للطفل و حاجته إليه.
بعض من التجارب:
ومن الدراسات التي أجريت على المعاقين عقلياً لتوضيح أثر التوقع
على أدائهم دراسة هيبر (1957) حيث اختار هيبر لدراسته مجموعه
من الأطفال المعاقين عقلياً في سن 10-12 سنه ، واختار مجموعه أخرى
من الأطفال العاديين الأقل في مستوى العمر الزمني (السن) والمساوين
للمجموعة الأولى (المعاقين عقلياً) في مستوى العمر العقلي وقدم التعزيز
الفوري عقب كل نجاح وتوصل هيبر إلى نتائج منها ارتفاع مستوى أداء
المعاقين عقلياً بالنجاح المتكرر بل يفوق مستوى الأطفال الصغار
الأسوياء وقد أرجع هيبر القصور في أداء المعاقين عقلياً إلى توقع الفشل
وانخفاض مستوى التوقع المعمم لديهم.
التطبيقات التربوية لنظرية التعلم الاجتماعي في مجال الإعاقة العقلية:.
-يجب أن يبنى موقف التعلم ضوء حاجات وأهداف الطفل المعاق عقلياً ، أي توفير الأنشطة التي يرغبها وتهيئته لها وتبصيره بالعمل وتشجيعه.
-يجب أن تكون بيئة التعلم مرنة بحيث تستجيب لتوقعات الطفل المتعلم .
-يجب على المعلمين والآباء أن يكون اتجاهاً إيجابياً تجاه الأطفال المعاقين عقلياً ، أي يسود لديهم التوقع والتفاؤل لنجاح الأطفال في أداء بعض المهام .
- تجنيب الأطفال المعاقين عقلياً الوقوع في مواقف محبطة أو تعرضهم للفشل تشعرهم بالألم.
- يجب وضع وصياغة المواقف التعليمية بطريقة سهلة وبسيطة بحيث تتناسب مع قدرات الطفل المعاق عقليا( كل طفل حسب ظروفه وخصائصه)وذلك لتوفير خبرة النجاح لدية وتعزيزها الأمر الذي سيدفعه إلى القيام أشكال أخري من السلوك الناجح فيما بعد.
- لانتقال التدريجي من المهام السهلة البسيطة التي يستطيع إنجازها الطفل المعاق عقلياً وتحقق له الشعور بالنجاح إلى تعلم المهام الأكثر صعوبة.
- يحب على المعلم استخدام فنيات الحث اللفظي و المساعدة اليدوية متى احتاج لأمر ذلك لمساعدة الطفل المعاق عقلياً على إتمام المهمة بنجاح وخاصة النسبة للمهام الصعبة.
- يجب أن يقدم التعزيز الفوري و المباشر وخاصة مع الأطفال الصغار لأن هذا قد يدفعهم إلى مزيد من الجهد و المثابرة.
- يجب على المعلمين و الآباء الانتباه للأساليب التي يظهر بها بعض الأطفال سلوك التجنب حيث قد يرغبون في استخدام أساليب مثل التشكيل (أي تعزيز المهمة وتقريبها)وذلك لجعل الطفل يعمل مع المهمة عندما يحاول تجنب الفشل.
- يجب أن يعمل معلم التربية الخاصة على وضع توقيعات ممكنة الانجاز من قبل الطفل المعاق عقلياً ويفترض أن تكون هذه التوقعات واقعية.