عرض مشاركة واحدة
قديم 2013- 4- 21   #94
الغَـدَقْ
أكـاديـمـي مـشـارك
 
الصورة الرمزية الغَـدَقْ
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 28090
تاريخ التسجيل: Thu Jun 2009
المشاركات: 3,590
الـجنــس : أنـثـى
عدد الـنقـاط : 6210
مؤشر المستوى: 109
الغَـدَقْ is a splendid one to beholdالغَـدَقْ is a splendid one to beholdالغَـدَقْ is a splendid one to beholdالغَـدَقْ is a splendid one to beholdالغَـدَقْ is a splendid one to beholdالغَـدَقْ is a splendid one to beholdالغَـدَقْ is a splendid one to beholdالغَـدَقْ is a splendid one to beholdالغَـدَقْ is a splendid one to beholdالغَـدَقْ is a splendid one to beholdالغَـدَقْ is a splendid one to behold
بيانات الطالب:
الكلية: KF University
الدراسة: انتساب
التخصص: Business administration
المستوى: المستوى الثامن
 الأوسمة و جوائز  بيانات الاتصال بالعضو  اخر مواضيع العضو
الغَـدَقْ غير متواجد حالياً
رد: قروب المستوى الاول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس خطة قديمة انتساب وانتظام 2008 و2009 فقط (كوكتيل ^^)

مناهج مفسرين ثالث

باقي المحاضرات

المحاضرة السادسة :

التفسير في عصور
التدوين
ابتداء هذه المرحلة:
تبدأ المرحلة الثالثة للتفسير من مبدأ ظهور التدوين، وذلك في أواخر عهد بنى أمية، وأول عهد للعباسيين.
الخطوات التي تدرج فيها :
الخطوة الأولى للتفسير:
كان التفسير قبل ذلك يُتناقل بطريق الرواية، فالصحابة يروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يروى بعضهم عن بعض. والتابعون يروون عن الصحابة. كما يروى بعضهم عن بعض، وهذه هي الخطوة الأولى للتفسير.
الخطوة الثانية:
ثم بعد عصر الصحابة والتابعين، خطا التفسير خطوة ثانية، وذلك حيث ابتدأ التدوين لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت أبوابه متنوعة، وكان التفسير باباً من هذه الأبواب التي أشتمل عليها الحديث، فلم يُفرد له تأليف خاص يُفسِّر القرآن سورة سورة، وآية آية، من مبدئه إلى منتهاه،
بل وُجد من العلماء مَن طوَّف في الأمصار المختلفة ليجمع الحديث، فجمع بجوار ذلك ما رُوِى في الأمصار من تفسير منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى الصحابة، أو إلى التابعين .
ومن هؤلاء: يزيد بن هارون السلمي ، وشعبه بن الحجاج و وكيع بن الجراح ، وسفيان بن عيينه وغيرهم، وهؤلاء جميعاً كانوا من أئمة الحديث، فكان جمعهم للتفسير جمعاً لباب من أبواب الحديث، ولم يكن جمعاً للتفسير على استقلال وانفراد. وجميع ما نقله هؤلاء الأعلام عن أسلافهم من أئمة التفسير نقلوه مسنداً إليهم، غير أن هذه التفاسير لم يصل إلينا شيء منها، ولذا لا نستطيع أن نحكم عليها .
الخطوة الثالثة:
ثم بعد هذه الخطوة الثانية، خطا التفسير ثالثة، انفصل بها عن الحديث، فأصبح علماً قائماً بنفسه، ووضع التفسير لكل آية من القرآن، ورُتَّب ذلك على حسب ترتيب المصحف. وتم ذلك على أيدي طائفة من العلماء .
منهم ابن ماجة وابن جرير الطبري ، وأبو بكر بن المنذر النيسابوري ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ بن حبان ، والحاكم ، وأبو بكر بن مردويه . وغيرهم من أئمة هذا الشأن.
وكل هذه التفاسير مروية بالإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى الصحابة، والتابعين، وتابع التابعين، وليس فيها شيء من التفسير أكثر من التفسير المأثور، اللَّهم إلا ابن جرير الطبري فإنه ذكر الأقوال ثم وجهَّها، ورجَّح بعضها على بعض، وزاد على ذلك الإعراب إن دعت إليه حاجة، واستنبط الأحكام التي يمكن أن تؤخذ من الآيات القرآنية .
وإذا كان التفسير قد خطا هذه الخطوة الثالثة التي انفصل بها عن الحديث، فليس معنى أن هذه الخطوة محت ما قبلها وألغت العمل به، بل معناه أن التفسير تدرج في خطواته، فبعد أن كانت الخطوة الأولى للتفسير هي النقل عن طريق التلقي والرواية، كانت الخطوة الثانية له، وهى تدوينه على أنه باب من أبواب الحديث، ثم جاءت بعد ذلك الخطوة الثالثة، وهى تدوينه على استقلال وانفراد .
الخطوة الرابعة:
ثم إن التفسير لم يقف عند هذه الخطوة الثالثة بل خطا بعدها خطوة رابعة، لم يتجاوز بها حدود التفسير بالمأثور، وإن كان قد تجاوز روايته بالإسناد، فصنَّف في التفسير خلق كثير، اختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال المأثورة عن المفسِّرين من أسلافهم دون أن ينسبوها لقائليها .
فدخل الوضع في التفسير والتبس الصحيح بالعليل، وأصبح الناظر في هذه الكتب يظن أن كل ما فيها صحيح، فنقله كثير من المتأخرين في تفاسيرهم، ونقلوا ما جاء في هذه الكتب من إسرائيليات على أنها حقائق ثابتة، وكان ذلك هو مبدأ ظهور خطر الوضع والإسرائيليات في التفسير.
الخطوة الخامسة:
ثم خطا التفسير بعد ذلك خطوة خامسة، هي أوسع الخطا وأفسحها، امتدت من العصر العباسي إلى يومنا هذا، فبعد أن كان تدوين التفسير مقصوراً على رواية ما نُقِل عن سَلَف هذه الأمة، تجاوز بهذه الخطوة الواسعة إلى تدوين تفسير اختلط فيه الفهم العقلي بالتفسير النقلي، وكان ذلك على تدرج ملحوظ في ذلك .
تدرج التفسير العقلي:
بدأ ذلك أولاً على هيئة محاولات فهم شخص، وترجيح لبعض الأقوال على بعض، وكان هذا أمراً مقبولاً ،ما دام يرجع الجانب العقلي منه إلى حدود اللغة ودلالة الكلمات القرآنية. ثم ظلت محاولات هذا الفهم الشخصي تزداد وتتضخم، متأثرة بالمعارف المختلفة، والعلوم المتنوعة، والآراء المتشعبة، والعقائد المتباينة، حتى وُجِد من كتب التفسير ما يجمع أشياء كثيرة، لا تكاد تتصل بالتفسير إلا عن بُعْدٍ عظيم.
• دُوِّنت علوم اللغة، ودُوَّن النحو الصرف، وتشعبَّت مذاهب الخلاف الفقهي، وأثيرت مسائل الكلام، وظهر التعصب المذهبي قائماً على قدمه وساقه في العصر العباسي، وقامت الفِرَق الإسلامية بنشر مذاهبها والدعوة إليها، وتُرجمت كتب كثيرة من كتب الفلاسفة، فامتزجت كل هذه العلوم وما يتعلق بها من أبحاث بالتفسير حتى طغت عليه، وغلب الجانب العقلي على الجانب النقلي ، وصار أظهر شيء في هذه الكتب، هو الناحية العقلية، وإن كانت لا تخلو مع ذلك من منقول يتصل بأسباب النزول، أو بغير ذلك على المأثور.
• وهكذا تدرج التفسير، واتجهت الكتب المؤلَّفة فيه اتجاهات متنوعة، وتحكَّمت الاصطلاحات العلمية، والعقائد المذهبية في عبارات القرآن الكريم، فظهرت آثار الثقافة الفلسفية والعلمية للمسلمين في تفسير القرآن، كما ظهرت آثار التصوف واضحة فيه، وكما ظهرت آثار النِحَل والأهواء فيه ظهوراً جلياً.
• وإنَّا لنلحظ في وضوح وجلاء: أن كل مَن برع في فن من فنون العلم، يكاد يقتصر تفسيره على الفن الذي برع فيه، فالنحوي تراه لا هَمَّ له إلا الإعراب وذكر ما يحتمل في ذلك من أوجه، وتراه ينقل مسائل النحو وفروعه، وذلك كالزَجَّاج .
• والواحدي في "البسيط"، وأبى حيان في "البحر المحيط".
وصاحب العلوم العقلية، تراه يعنى في تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة، كما تراه يعنى بذكر شبُههم والرد عليهم، وذلك كالفخر الرازي في كتابه "مفاتيح الغيب".
• وصاحب الفقه تراه قد عنى بتقريره الأدلة للفروع الفقهية، والرد على مَن يخالف مذهبه، وذلك كالجصَّاص، والقرطبي..
وصاحب التاريخ، ليس له شغل إلا القصص، وذكر أخبار مَن سَلَف، ما صح منها وما لا يصح، وذلك كالثعلبي والخازن..
وصاحب البدع، ليس له قصد إلا أن يُؤوِّل كلام الله ويُنزله على مذهبه الفاسد، وذلك كالرماني، والجبائي، والقاضي عبد الجبار، والزمخشري من المعتزلة، والطبرسي، وملا محسن الكاشي من الإمامية الإثنا عشرية.
• وأصحاب التصوف قصدوا إلى ناحية الترغيب والترهيب. واستخراج المعاني الإشارية من الآيات القرآنية بما يتفق مع مشاربهم، ويتناسب مع رياضاتهم ومن هؤلاء ابن عربي، وأبو عبد الرحمن السلمي..
وهكذا فسَّر كل صاحب فن أو مذهب بما يتناسب مع فنه أو يشهد لمذهبه، وقد استمرت هذه النزعة العلمية العقلية وراجت في بعض العصور رواجاً عظيماً.
• التفسير الموضوعي:
• وكذلك وُجِد مِنَ العلماء مَن ضيَّق دائرة البحث في التفسير، فتكلَّم عن ناحية واحدة من نَواحيه المتشعبة المتعددة، فابن القيم - مثلاً - أفرد كتاباً من مؤلفاته للكلام عن أقسام القرآن سماه "التبيان في أقسام القرآن". وأبو عبيدة أفرد كتاباً للكلام عن مجاز القرآن والراغب الأصفهاني أفرد كتاباً في مفردات القرآن.

وأبو جعفر النحاس أفرد كتاباً في الناسخ والمنسوخ من القرآن. وأبو الحسن الواحدي أفرد كتاباً في أسباب نزول القرآن. و الجصاص أفرد كتاباً في أحكام القرآن.. وغير هؤلاء كثير من العلماء الذين قصدوا إلى موضوع خاص في القرآن يجمعون ما تفرَّق منه، ويفردونه بالدرس والبحث.
ثم إنَّا نجد متقدمي المفسِّرين قد توسَّعوا في التفسير إلى حد كبير، جعل مَن جاء بعدهم من المفسِّرين لا يلقون عنتاً، ولا يجدون مشقة في محاولتهم لفهم كتاب الله، وتدوين ما دوَّنوا من كتب في التفسير، فمنهم مَن أخذ كلام غيره وزاد عليه، ومنهم من اختصر .

ومنهم مَن علَّق الحواشي وتتبع كلام من سبقه، تارة بالكشف عن المراد، وأخرى بالتفنيد والاعتراض، ومع ذلك فاتجاهات التفسير، وتعدد طرائقه وألوانه. لم تزل على ما كانت عليه، متشعبة متكاثرة.
التفسير بالمأثور :
ما هو التفسير المأثور؟
يشمل التفسير المأثور ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته، وما نُقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وما نُقِل عن الصحابة رضوان الله عليهم، وما نُقِل عن التابعين، من كل ما هو بيان وتوضح لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم.

وإنما أدرجنا في التفسير المأثور ما رُوِىَ عن التابعين - وإن كان فيه خلاف: هل هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرأي - لأننا وجدنا كتب التفسير المأثور، كتفسير ابن جرير وغيره، لم تقتصر على ما ذِكْر ما رُوِىَ عن النبي صلى الله عليه وسلم وما رُوِىَ عن أصحابه، بل ضمت إلى ذلك ما نُقِل عن التابعين في التفسير.
• تدرج التفسير المأثور:
تدرَّج التفسير المأثور في دوريه - دور الرواية ودور التدوين - أما في دور الرواية، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن لأصحابه ما أشكل عليهم من معانى القرآن، فكان هذا القَدْر من التفسير يتناوله الصحابة بالرواية بعضهم لبعض، ولمن جاء بعدهم من التابعين.
• ثم وُجد من الصحابة مَنْ تكلم في تفسير القرآن بما ثبت لديه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بمحض رأيه واجتهاده، وكان ذلك على قِلَّة يرجع السبب فيها إلى الروعة الدينية التي كانت لهذا العهد، والمستوى العقلي الرفيع لأهله، وتحدد حاجات حياتهم العملية، ثم شعورهم مع هذا بأن التفسير شهادة على الله بأنه عَنِى باللفظ كذا.
• ثم وُجِد من التابعين مَنْ تصدَّى للتفسير، فروى ما تجمَّع لديه من ذلك عن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة، وزاد على ذلك من القول بالرأي والاجتهاد، بمقدار ما زاد من الغموض الذي كان يتزايد كلما بَعْدُ الناس عن عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.
• ثم جاءت الطبقة التي تلي التابعين وروت عنهم ما قالوا، وزادوا عليه بمقدار ما زاد من غموض... وهكذا ظل التفسير يتضخم طبقة بعد طبقة، وتروى الطبقة التالية ما كان عند الطبقات التي سبقتها، كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق.
• ثم ابتدأ دور التدوين ، فكان أول ما دُوِّن من التفسير، هو التفسير المأثور، على تدرج في التدوين كذلك، فكان رجال الحديث والرواية هم أصحاب الشأن الأول في هذا. وقد رأينا أصحاب مبادئ العلوم حين ينسبون - على عادتهم - وضع كل علم لشخص بعينه، يعدون وضع التفسير - بمعنى جامعه لا مُدَوِّنه - الإمام مالك بن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة.
• كان التفسير إلى هذا الوقت لم يتخذ له شكلاً منظماً، ولم يُفرد بالتدوين، بل كان يُكتب على أنه باب من أبواب الحديث المختلفة، يجمعون فيه ما رُوِى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين.
ثم بعد ذلك انفصل التفسير عن الحديث، وأُفرد بتأليف خاص، فكان أول ما عُرف لنا من ذلك، تلك الصحيفة التي رواها علىّ بن أبى طلحة عن ابن عباس.
• ثم وجُد من ذلك جزء أو أجزاء دُوِّنت في التفسير خاصة، مثل ذلك الجزء المنسوب لأبى رَوق، وتلك الأجزاء الثلاثة التي يرويها محمد بن ثور عن ابن جريج.
ثم وُجِدَت من ذلك موسوعات من الكتب المؤلَّفة في التفسير، جمعت كل ما وقع لأصحابها من التفسير المروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم، كتفسير ابن جرير الطبري.
• ويُلاحَظ أن ابن جرير وغيره - وإن نقلوا تفاسيرهم بالإسناد - توسَّعوا في النقل وأكثروا منه، حتى استفاض وشمل ما ليس موثوقاً به. كما يُلاحَظ أنه كان لا يزال موجوداً إلى ما بعد عصر ابن جرير ومَنْ على شاكلته - ممن أفردوا التفسير بالتـأليف - رجال من المحدِّثين بوَّبوا للتفسير باباً ضمن أبواب ما جمعوا من الأحاديث.
• ثم وُجِد بعد هذا أقوام دوَّنوا التفسير المأثور بدون أن يذكروا أسانيدهم في ذلك، وأكثروا من نقل الأقوال في تفاسيرهم بدون تفرقة بين الصحيح والعليل، مما جعل الناظر في هذه الكتب لا يركن لما جاء فيها، لجواز أن يكون من قبيل الموضوع المختلق، وهو كثير في التفسير.
ثم بعد هذا تغيَّرت موجهات الحياة، فبعد أن كان التدوين في التفسير لا يتعدى المأثور منه، تعدَّى إلى تدوين التفسير بالرأي على تدرج فيه.
الضعف في رواية التفسير المأثور وأسبابه:
• علمنا مما تقدَّم أن التفسير المأثور يشمل ما كان تفسيراً للقرآن بالقرآن، وما كان تفسيراً للقرآن بالسُّنَّة، وما كان تفسيراً للقرآن بالموقوف على الصحابة أو المروى عن التابعين. أما تفسير القرآن بالقرآن. أو بما ثبت من السُّنَّة الصحيحة، فذلك مما لا خلاف في قبوله، لأنه لا يتطرق إليه الضعف. ولا يجد الشك إليه سبيلاً.
وأما ما أُضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ضعيف في سنده أو متنه فذلك مردود غير مقبول، ما دام لم تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
• وأما تفسير القرآن بما يُروى عن الصحابة أو التابعين، فقد تسرَّب إليه الخلل، وتطرَّق إليه الضعف، إلى حد كاد يُفقدنا الثقة بكل ما رُوِى من ذلك، لولا أن قيَّض الله لهذا التراث العظيم من أزاح عنه هذه الشكوك، فسلمت لنا منه كمية لا يُستهان بها، وإن كان صحيحها وسقيمها لا يزال خليطاً في كثير من الكتب التي عَنِىَ أصحابها بجمع شتات الأقوال.
• ولقد كانت كثرة المروى من ذلك كثرة جاوزت الحد - وبخاصة عن ابن عباس وعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنهما - أكبر عامل في صرف همة العلماء ولفت أنظارهم إلى البحث والتمحيص، والنقد والتعديل والتجريح.
• أسباب الضعف:
ونستطيع أن نُرجِعْ أسباب الضعف في رواية التفسير المأثور إلى أُمور ثلاثة:
أولها: كثرة الوضع في التفسير.
ثانيها: دخول الإسرائيليات فيه.
ثالثها: حذف الأسانيد.
أولاً: الوضع في التفسير:
• نشأة الوضع في التفسير:
نشأ الوضع في التفسير مع نشأته في الحديث، لأنهما كانا أول الأمر مزيجاً لا يستقل أحدهما عن الآخر، فكما أننا نجد في الحديث: الصحيح والحسن والضعيف، وفى رواته مَنْ هو موثوق به، ومَنْ هو مشكوك فيه، ومَنْ عُرِف بالوضع، نجد مثل ذلك فيما رُوِىَ من التفسير، ومَنْ روَى من المفسِّرين.
• وكان مبدأ ظهور الوضع في سنة إحدى وأربعين من الهجرة، حين اختلف المسلمون سياسياً، وتفرَّقوا إلى شيعة وخوارج وجمهور، ووُجِدَ من أهل البدع والأهواء مَنْ روَّجوا لبدعهم، وتعصبَّوا لأهوائهم، ودخل في الإسلام مَن تبطن الكفر والتحف الإسلام بقصد الكيد له، وتضليل أهله، فوضعوا ما وضعوا من روايات باطلة، ليصلوا بها إلى أغراضهم السيئة، ورغباتهم الخبيثة.
• أسبابه:
ويرجع الوضع في التفسير إلى أسباب متعددة: منها التعصب المذهبي، فإنَّ ما جَدَّ من افتراق الأُمة إلى شيعة تطرَّفوا في حب علىّ، وخوارج انصرفوا عنه وناصبوه العداء، وجمهور المسلمين الذين وقفوا بجانب هاتين الطائفتين بدون أن يمسهم شيء من ابتداع التشيع أو الخروج، جعل كل طائفة من هذه الطوائف تحاول بكل جهودها أن تؤيد مذهبها بشيء من القرآن.
• فنسب الشيعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى علىّ وغيره من أهل البيت - رضى الله عنهم - أقوالاً كثيرة من التفسير تشهد لمذهبهم. كما وضع الخوارج كثيراً من التفسير الذي يشهد لمذهبهم، ونسبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى أحد أصحابه، وكان قصد كل فريق من نسبة هذه الموضوعات إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى أحد أصحابه، الترويج للمروى، والإمعان في التدليس .
• فإن نسبة المروى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام أو إلى أحد الصحابة، تورث المروى ثقة وقبولاً. لا يوجد شيء منهما عندما يُنسب المروى لغير النبي عليه الصلاة والسلام أو لغير صحابي.
• كذلك نجد اللون السياسي في هذا العصر يترك له أثراً بَيِّناً في وضع التفسير، ويُلاحَظ أن المروى عن علىّ وابن عباس رضي الله عنهما قد جاوز حد الكثرة، مما يجعلنا نميل إلى القول بأنه قد وُضع عليهما في التفسير أكثر مما وُضِع على غيرهما، والسبب في ذلك أنَّ علياً وابن عباس رضي الله عنهما من بيت النبوة .
• فالوضع عليهما يُكسب الموضوع ثقة وقبولاً، وتقديساً ورواجاً، مما لا يكون لشيء مما يُنسب إلى غيرهما. و فوق هذا فقد كان لعلىّ من الشيعة ما ليس لغيره، فنسبوا إليه من القول في التفسير ما يظنون أنه يُعلى من قدره، ويرفع من شأنه وابن عباس كان من نسله الخلفاء العباسيون، فوُجِد من الناس مَنْ تزَّلف إليهم، وتقرَّب بكثرة ما يرويه لهم عن جدهم ابن عباس، مما يدل على أن اللون السياسي كان له أثر ظاهر في وضع التفسير.
• كذلك نجد من أسباب الوضع في التفسير ما قصده أعداء الإسلام الذين اندَّسوا بين أبنائه متظاهرين بالإسلام، من الكيد له ولأهله، فعمدوا إلى الدس والوضع في التفسير بعد أن عجزوا عن أن ينالوا من هذا الدين عن طريق الحرب والقوة، أو عن طريق البرهان والحُجَّة.
• أثر الوضع في التفسير:
• وكان من وراء هذه الكثرة التي دخلت في التفسير ودُسَّت عليه، أن ضاع كثير من هذا التراث العظيم إلى خلَّفه لنا أعلام المفسِّرين من السَلَف، لأن ما أحاط به من شكوك، أفقدنا الثقة به، وجعلنا نرد كل رواية تطرَّق إليها شيء من الضعف، وربما كانت صحيحة في ذاتها.
• كما أن اختلاط الصحيح من هذه الروايات بالسقيم منها، جعل بعض مَنْ ينظر فيها وليس عنده القدرة على التمييز بين الصحيح والعليل، ينظر إلى جميع ما رُوِىَ بعين واحدة، فيحكم على الجميع بالصحة، وربما وَجَد من ذلك روايتين متناقضتين عن مفسِّر واحد فيتهمه بالتناقض في قوله، ويتهم المسلمين بقبول هذه الروايات المتناقضة المتضاربة.

......................

(المحاضرة السابعة)
الإسرائيليات وأثرها في التفسير
بيان المراد بالإسرائيليات ومدى الصلة بينها وبين القرآن:
انظر : الكتاب ....
مبدأ دخول الإسرائيليات في التفسير وتطوره:
انظر : الكتاب ......
أثر الإسرائيليات في التفسير:
لقد كان لهذه الإسرائيليات التي أخذها المفسِّرون عن أهل الكتاب وشرحوا بها كتاب الله تعالى أثر سيء في التفسير، ذلك لأن الأمر لم يقف على ما كان عليه في عهد الصحابة، بل زادوا على ذلك فرووا كل ما قيل لهم إن صدقاً وإن كذباً، بل ودخل هذا النوع من التفسير كثير من القصص الخيالي المخترَع، مما جعل الناظر في كتب التفسير التي هذا شأنها يكاد لا يقبل شيئاً مما جاء فيها، لاعتقاده أنَّ الكل من واد واحد.
كما أن نسبة هذه الإسرائيليات التي لا يكاد يصح شيء منها إلى بعض من آمن مِنْ أهل الكتاب، جعلت بعض الناس ينظر إليهم بعين الاتهام والريبة.
قيمة ما يُروى من الإسرائيليات:
تنقسم الأخبار الإسرائيلية إلى أقسام ثلاثة، وهى ما يأتي:
القسم الأول: ما يُعلم صحته بأن نُقِل عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلاً صحيحاً، وذلك كتعيين اسم صاحب موسى عليه السلام بأنه الخضر، فقد جاء هذا الاسم صريحاً على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري أو كان له شاهد من الشرع يؤيده. وهذا القسم صحيح مقبول.
القسم الثاني: ما يُعلم كذبه بأن يناقض ما عرفناه من شرعنا، أو كان لا يتفق مع العقل، وهذا القسم لا يصح قبوله ولا روايته.
القسم الثالث: ما هو مسكوت عنه، لا هو من قبيل الأول، ولا هو من قبيل الثاني، وهذا القسم نتوقف فيه، فلا نؤمن به ولا نُكذِّبه، وتجوز حكايته، لما تقدَّم من قوله صلى الله عليه وسلم :« لا تُصَدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكَذِّبوهم"، وقولوا آمنا بالله وما أُنِزلَ إلينا..." الآية.
وهذا القسم غالبه مما ليس فيه فائدة تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا اختلافاً كثيراً، ويأتي عن المفسِّرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين بعض البقرة الذي ضُرِب به قتيل بني إسرائيل، ونوع الشجرة التي كلِّم الله منها موسى..
إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن ولا فائدة في تعيينه تعود على المكلَّفين في ديناهم أو دينهم.
ثم إذا جاء شيء من هذا القبيل - أعنى ما سكت عنه الشرع ولم يكن فيه ما يؤيده أو يفنده - عن أحد من الصحابة بطريق صحيح، فإن كان قد جزم به فهو كالقسم الأول، يُقبل ولا يُرد، لأنه لا يعقل أن يكون قد أخذه عن أهل الكتاب بعد ما علم من نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تصديقهم.
وإن كان لم يجزم به فالنفس أسكن إلى قبوله، لأن احتمال أن يكون الصحابي قد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، أو ممن سمعه منه، أقوى من احتمال
السماع من أهل الكتاب، ولا سيما بعد ما تقرر من أن أخذ الصحابة عن أهل الكتاب كان قليلاً بالنسبة لغيرهم من التابعين ومَن يليهم.
أما إن جاء شيء من هذا عن بعض التابعين، فهو مما يُتوقف فيه ولا يُحكم عليه بصدق ولا يكذب، وذلك لقوة احتمال السماع من أهل الكتاب، لما عُرفوا به من كثرة الأخذ عنهم، وبُعد احتمال كونه مما سُمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا إذا لم يتفق أهل الرواية من علماء التفسير على ذلك، أما إن اتفقوا عليه. فإنه يكون أبعد من أن يكون مسموعاً من أهل الكتاب، وحينئذ تسكن النفس إلى قبوله والأخذ به.
موقف المفسِّر إزاء هذه الإسرائيليات:
أن كثرة النقل عن أهل الكتاب بدون تفرقة بين الصحيح والعليل دسيسة دخلت في ديننا واستفحل خطرها،
وقد قال صلى الله عليه وسلم : " لا تُصَدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكَذِّبوهم" فهي قاعدة مقرَّرة لا يصح العدول عنها بأي حال من الأحوال، يجب على المفسِّر أن يكون يقظاً إلى أبعد حدود اليقظة، ناقداً إلى نهاية ما يصل إليه النقاد من دقة وروية حتى يستطيع أن يستخلص من هذا الهشيم المركوم من الإسرائيليات ما يناسب روح القرآن، ويتفق مع العقل والنقل .
كذلك يجب على المفسِّر أن يلحظ أن الضروري يتقدَّر بقدر الحاجة، فلا يذكر في تفسيره شيئاً من ذلك إلا بقدر ما يقتضيه بيان الإجمال، ليحصل التصديق بشهادة القرآن فيكف اللسان عن الزيادة.
نعم... إذا اختلف المتقدمون في شيء من هذا القبيل وكثرت أقوالهم ونقولهم، فلا مانع من نقل المفسِّر لهذه الأقوال جميعاً، على أن ينبه على الصحيح منها، ويبطُل الباطل.
وليس له أن يحكى الخلاف ويُطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، لأن مثل هذا العمل يُعَد ناقصاً لا فائدة فيه ما دام قد خلط الصحيح بالعليل، ووضع أمام القارئ من الأقوال المختلفة ما يسبب له الحيرة والاضطراب.
قول ابن تيمية في آية الكهف (انظر الكتاب)
أقطاب الروايات الإسرائيلية:
نلاحظ أن غالب ما يروى في كتب التفسير بالمأثور من إسرائيليات، يكاد يدور على أربعة أشخاص، هم: عبد الله ابن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبِّه، وعبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج.. وهؤلاء الأربعة اختلفت أنظار الناس في الحكم عليهم والثقة بهم، فمنهم من ارتفع بهم عن حد التهمة، ومنهم من رماهم بالكذب وعدم التثبت في الرواية .
1 - عبد الله بن سلام:
ترجمته:
هو أبو يوسف، عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي الأنصاري، حليف بن عوف من الخزرج، وهو من ولد يوسف بن يعقوب عليهما السلام. أسلم عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة.
حديث البخاري عن قصة إسلامه (الكتاب)
قيل: وكان اسمه الحصين، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم: "عبد الله"، وشهد له بالجنة. ونجد البخاري رضي الله عن - عند الكلام عن مناقب الأنصار - يُفرد لعبد الله بن سلام باباً مستقلاً في مناقبه، فروى فيما روى من ذلك بإسناده
إلى سعد بن أبى وقاص أنه قال: ما سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشى على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وقال: فيه نزلت هذه الآية: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ }... الآية:
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه ابناه: يوسف ومحمد، وعوف بن مالك، وأبو هريرة، وأبو بردة بن أبى موسى، وعطاء بن يسار، وغيرهم. وشهد مع عمر رضي الله عنه فتح بيت المقدس والجابية. ومات بالمدينة سنة 43 هـ ، وقيل غير ذلك. وقد عَدَّه بعضهم في البدريين .
مبلغه من العلم والعدالة:
أما مبلغه من العلم، فيكفى ما جاء في الحديث البخاري السابق من إخباره عن نفسه: أنه أعلم اليهود وابن أعلمهم، وإقرار اليهود بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.
والحق أنه اشتهر بين الصحابة بالعلم، حتى لقد روي أنه لَّما حضر معاذ بن جبل الموت قيل له: يا أبا عبد الرحمن أوصنا، فقال: أجلسوني... قال: إن العلم والإيمان عند أربعة رهط: عند عويمر أبى الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله ابن سلام الذي كان يهودياً فأسلم، فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه عاشر عشرة في الجنة".
وليس عجيباً أن يكون عبد الله بن سلام في هذه المكانة العالية من العلم بعد أن اجتمع لديه علم التوراة وعلم القرآن، وبعد أن امتزجت فيه الثقافتان اليهودية والإسلامية، ولقد نقل عنه المسلمون كثيراً مما يدل على علمه بالتوراة وما حولها، ونجد ابن جرير الطبري ينسب إليه في تاريخه كثيراً من الأقوال في المسائل التاريخية الدينية، كما نجده يتجمع حول اسمه كثير من المسائل الإسرائيلية، يرويها كثير من المفسِّرين في كتبهم.
2 - كعب الأحبار:
ترجمته:
هو أبو إسحاق، كعب بن ماتع الحميري، المعروف بكعب الأحبار، وأصله من يهود اليمن، ويقال: إنه أدرك الجاهلية وأسلم في خلافة أبى بكر، وقيل: في خلافة عمر، وقيل: إنه أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتأخرت هجرته .
وقال ابن حجر في الفتح: إن إسلامه في خلافة عمر أشهر، وبعد إسلامه انتقل إلى المدينة، وغزا الروم في خلافة عمر، ثم تحوَّل في خلافة عثمان إلى الشام فسكنها إلى أن مات بحمص سنة 32 هـ على أرجح الأقوال في ذلك. روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وعن عمر، وصهيب، وعائشة، وروى عنه معاوية، وأبو هريرة، وابن عباس، وعطاء بن أبى رباح وغيرهم.
مبلغة من العلم:
كان كعب بن ماتع على مبلغ عظيم من العلم، ولهذا كان يقال له: "كعب الحَبْر" و "وكعب الأحبار"، ولقد نُقل عنه في التفسير وغيره ما يدل على علمه الواسع بالثقافة اليهودية والثقافة الإسلامية، ولم يؤثر عنه أنه ألَّفَ كما ألَّف وهب بن منبِّه، بل كانت تعاليمه كلها - على ما يظهر لنا وما وصل إلينا - شفوية تناقلها عنه أصحابه ومَن أخذوا عنه.
ثقته وعدالته:
أما ثقته وعدالته فهذا أمر نقول به، ولا نستطيع أن نطعن عليه كما طعن بعض الناس، فابن عباس على جلاله قدره، وأبو هريرة على مبلغ علمه، وغيرهما من الصحابة كانوا يأخذون عنه ويروون له، ونرى الإمام مسلماً يُخرِّج له في صحيحه، فقد وقعت الرواية عنه في مواضع من صحيحه في أواخر كتاب الإيمان، كما نرى أبا داود والترمذي والنسائي يُخرِّجون له، وهذا دليل على أن كعباً كان ثقة عند هؤلاء جميعاً، وتلك شهادة كافية لرد كل تهمة بهذا الحَبْر الجليل.
3 - وهب بن مُنَبِّه:
ترجمته:
هو أبو عبد الله، وهب بن منبَّه بن سيج بن ذي كنار، اليماني الصنعاني، صاحب القصص، من خيار علماء التابعين. قال عبد الله ابن أحمد بن حنبل عن أبيه: كان من أبناء فارس، وأصل والده "منبِه" من خراسان من أهل هراة، أخرجه كسرى منها إلى اليمن فأسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم .
وكان وهب بن منبِّه يختلف إلى هراة ويتفقد أمرها، وقيل: إنه تولى قضاء صنعاء. قال إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن الهروي: ولد سنة 34 هـ في خلافة عثمان، وقال ابن سعد وجماعة: مات سنة 110 هـ وقيل غير ذلك.

روى عن أبى هريرة، وأبى سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وجابر، وأنس، وغيرهم، وروى عنه ابناه: عبد الله وعبد الرحمن، وعمر بن دينار، وغيرهم. وأخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، والترمذي، وأبو داود.
مبلغه من العلم والعدالة:
كان وهب بن منبِّه واسع العلم، كثير الاطلاع على الكتب القديمة، محيطاً بأخبار كثيرة وقصص يتعلق بأخبار الأُوَل ومبدأ العالم، ومما يؤثر عنه أنه ألَّف كتاباً في المغازي، ويحدِّثنا ابن خلكان: أنه رأى لوهب بن منبِّه تصنيفاً ترجمه بذكر الملوك المتوَّجه من حِميَر، وأخبارهم، وقصصهم، وقبورهم وأشعارهم، في مجلد واحد، قال: وهو من الكتب المفيدة.
وقال حماد بن سلمة عن أبى سنان: سمعت وهب بن منبِّه يقول: كنت أقول بالقَدَر حتى قرأت بضعة وسبعين كتاباً من كتب الأنبياء في كلها: "مَن جعل إلى نفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر" فتركت قولي.


وقال الجو زجاني: كان وهب كتب كتاباً في القَدَر ثم حدث أنه ندم عليه.
فأنت ترى من بين هذه الأخبار أن وهباً كان على ناحية عظيمة من المعرفة بالكتب الإلهية القديمة، كما ترى أنه لم يثبت على رأيه وعقيدته في القَدَر، بل تركها بعد ما تبين له الحق، وندم على ما كان منه بعد أن ظهر له الصواب، وبعد رجوعه عن رأيه لا يصح أن نطعن عليه من هذه الناحية، ولقد كان وهب يرى في نفسه أنه قد جمع علم ابن سلام وعلم كعب، ويحدِّث هو بذلك عن نفسه فيقول: يقولون: عبد الله بن سلام أعلم أهل زمانه، وكعب أعلم أهل زمانه، أفرأيتَ من جمع علمهما؟ - يريد نفسه.
4 – عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج:
ترجمته:
هو أبو خالد - أو أبو الوليد - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الأموي مولاهم - أصله رومي نصراني. كان من علماء مكة ومحدِّثيهم، وهو مِن أول مَنْ صنَّف الكتب بالحجاز، وهو قطب الإسرائيليات في عهد التابعين، ولو أنَّا رجعنا إلى تفسير ابن جرير الطبري، وتتعبنا الآيات التي وردت في النصارى، لوجدنا كثيراً مما يرويه ابن جرير في تفسير هذه الآيات يدور على عبد الملك، الذي يُعَبِّر عنه دائماً بـ "ابن جريج".
روى عن أبيه، وعطاء بن أبى رباح، وزيد بن أسلم، والزهري، وغيرهم. وروى عنه ابناه: عبد العزيز ومحمد، والأوزاعي، والليث، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وحماد بن زيد، وغيرهم. قال أبو سعد: ولد سنة 80 هـ (ثمانين)، وأما وفاته فمختلف فيها، فمنهم مَن قال: سنة 150 هـ (خمسين ومائة)، ومنهم مَن قال: سنة 159 هـ (تسع وخمسين ومائة)، وقيل غير ذلك.
مبلغه من العلم والعدالة:
ابن جريج - كما قيل - هو أول مَن صنَّف الكتب بالحجاز، ويعدونه من طبقة مالك بن أنس وغيره ممن جمعوا الحديث ودَوَّنوه. قال عبد الله ابن أحمد بن حنبل: قلت لأبى: مَنْ أول مَنْ صنَّف الكتب؟ قال: ابن جريج وبان أبى عروبة. وقال ابن عيينة: سمعت أخي عبد الرزاق بن همام عن ابن جريج يقول: ما دوَّن العلم تدويني أحد.
وقد عُرف عن ابن جريج أنه كان رحَّالة في طلب العلم، فقد وُلِدَ بمكة ثم طوَّف في كثير من البلاد، فرحل إلى البصرة واليمن وبغداد وقد رويت عن ابن جريج أجزاء كثيرة في التفسير عن ابن عباس، منها الصحيح، ومنها ما ليس بصحيح، وذلك لأنه لم يقصد الصحة فيما جمع، بل روى ما ذُكِرَ في كل آية من الصحيح والسقيم.

أما منزلته من ناحية العدالة، فإنه لم يظفر بإجماع العلماء على توثيقه وتثبته فيما يرويه، وإنما اختلفت أنظارهم فيه، فمنهم مَن وثَّقه، ومنهم مَن ضعَّفه. قال فيه العجلى: مكي ثقة. وقال سليمان بن النضر بن مخلد بن يزيد: ما رأيت أصدق لهجة من ابن جريج. وعن يحيى بن سعيد قال: كنا نسمى كتب ابن جريج كتب الأمانة، وإن لم يحدثك بها ابن جريج من كتابه لم يُنتفع به. وقال ابن معين: ثقة في كل ما رُوِى عنه من الكتاب.
أما منزلته من ناحية العدالة، فإنه لم يظفر بإجماع العلماء على توثيقه وتثبته فيما يرويه، وإنما اختلفت أنظارهم فيه، فمنهم مَن وثَّقه، ومنهم مَن ضعَّفه. قال فيه العجلى: مكي ثقة. وقال سليمان بن النضر بن مخلد بن يزيد: ما رأيت أصدق لهجة من ابن جريج. وعن يحيى بن سعيد قال: كنا نسمى كتب ابن جريج كتب الأمانة، وإن لم يحدثك بها ابن جريج من كتابه لم يُنتفع به. وقال ابن معين: ثقة في كل ما رُوِى عنه من الكتاب.
وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من فقهاء أهل الحجاز وقرَّائهم ومتقنيهم وكان يُدَلِّس.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبى: بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالى من أين يأخذها، يعنى قوله: أُخْبِرت وحُدِثت عن فلان. وذكر الخزرجي في "خلاصته" أنه مجمع عليه من أصحاب الكتب الستة.
هذه هي نظرة العلماء إليه وحكمهم عليه، ونرى أن كثيراً منهم يحكم عليه بالتدليس وعدم الثقة ببعض مروياته، ومع هذا فقد قال فيه الإمام أحمد: إنه من أوعية العلم، ونحن معه في ذلك، ولكنه وعاء لعلم امتزج صحيحه بعليله، ولا نظن إلا أن الإمام أحمد يعنى ذلك، بدليل ما تقدم عنه من قوله: "بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، وكان ابن جريج لا يبالى من أين أخذها". وكان الإمام مالك رضي الله عنه يرى فيه أنه لا يبالى من أين يأخذ، فقد روى عنه أنه قال: كان ابن جريج حاطب ليل.
ثالثاً: حذف الإسناد:
حذف الإسناد هو السبب الثالث والأخير الذي يرجع إليه ضعف التفسير المأثور، وسبق أن أشرنا إلى مبدأ اختصار الأسانيد، ونعود إليه فنقول:
إنَّ الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - كانوا يتحرون الصحة فيما يتحملون، وكان الواحد منهم لا يروى حديثاً إلا وهو متثبت مما يقول، ولكن لم يُعرف عن الصحابة أنهم كانوا يسألون عن الإسناد، لما عُرفوا به جميعاً من العدالة والأمانة.
وإذا كان الأمر قد وصل ببعضهم إلى أنه كان لا يقبل الحديث إلا بعد أن تثبت عنده صحته بالشهادة أو اليمين كما دلَّت على ذلك الآثار الكثيرة، فإن الغرض من ذلك هو زيادة التأكد والتثبت، لا عدم الثقة بمن يروون عنه منهم ثم جاء عصر التابعين، وفيه ظهر الوضع وفشا الكذب، فكانوا لا يقبلون حديثاً إلا إذا جاء بسنده، وتثبتت لهم عدالة رواته، أما إن حُذِف السند، أو ذُكِر وكان في رواته مَنْ لا يُوثق بحديثه، فإنهم كانوا لا يقبلون الحديث الذي هذا شأنه، فقد روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين أنه قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم".
ظل الأمر في عهد التابعين على هذا، فكان ما يروونه من التفسير المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة، لا يروونه إلا بإسناده، ثم جاء بعد عصر التابعين مَن جمَّعَ التفسير، ودَوَّن ما تجمَّع لديه من ذلك، فأُلِّفت تفاسير تجمع أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في التفسير، وأقوال الصحابة والتابعين، مع ذكر الأسانيد، كتفسير سفيان بن عيينة، و وكيع بن الجراح، وغيرهما ممن تقدَّم ذكرهم.
ثم جاء بعد هؤلاء أقوام ألَّفوا في التفسير، فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال غير معزوَّة لقائليها، ولم يتحروا الصحة فيما يروون، فدخل من هنا الدخيل، والتبس الصحيح بالعليل.
ثم صار كل مَنْ يسنح له قول يورده، ومَنْ يخطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك عنه مَنْ يجئ بعده، ظاناً أنَّ له أصلاً، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السَلَف.
وفى الحق أن هذا السبب يكاد يكون أخطر الأسباب جميعاً، لأن حذف الأسانيد جعل مَنْ ينظر في هذه الكتب يظن صحة كل ما جاء فيها، وجعل كثيرا من المفسِّرين ينقلون عنها ما فيها من الإسرائيليات والقصص المخترع على أنه صحيح كله، مع أن فيها ما يخالف النقل ولا يتفق مع العقل.
وإذا كان للوضع خطره، وللإسرائيليات خطرها، فإن هذا الخطر كان من الممكن تلافيه لو ذُكِرت لنا هذه الأقوال بأسانيدها، ولكن حذفها - وللأسف - عمَّى علينا كل شيء، وليت هؤلاء الذين حذفوا الأسانيد وعنوا بجمع شتات الأقوال فعلوا كما فعل ابن جرير من رواية كل قول بإسناده، فهو وإن كان له يتحر الصحة فيما يرويه، إلا أن عذره في ذلك، أنه ذكر لنا السند مع كل رواية يرويها، وكانوا يرون أنهم متى ذكروا السند فقد خرجوا عن العهدة، فإن أحوال الرجال كانت معروفة في العهد الأول، وبذلك تعرف قيمة ما يروونه من ضعف وصحة.
..............
  رد مع اقتباس