2. الحدود والحقوق التي لآدمي معين وفيه ثمانية فصول
• النفوس
وأما الحدود والحقوق التي لآدمي معين فمنها النفوس، قال الله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون}. وقال تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} إلى قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} وقال تعالى {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء} فالقتل ثلاثة أنواع: أحدهما العمد المحض، وهو أن يقصد من يعلمه معصوما بما يقتل غالبا، سواء كان يقتل بحده كالسيف ونحوه، أو بثقله كالسندان وكوذين القصار، أو بغير ذلك كالتحريق والتغريق والإلقاء من مكان شاهق، والخنق، وإمساك الخصيتين، حتى تخرج الروح، حتى يموت، وسقي السموم، ونحو ذلك في الأفعال فهذا رغم الوجه فيه القود، وهو أن يمكن أولياء المقتول من القاتل، فإن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا وإن أحبوا أخذوا الدية وليس لهم أن يقتلوا غير قاتله. قال الله - تعالى {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا} ، قيل في التفسير: لا يقتل غير قاتله، وروي عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله: {من أصيب بدم أو خبل - الخبل الجراح - فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه: أن يقتل أو يعفو، أو يأخذ الدية فمن فعل شيئا من ذلك فعاد فإن له جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا} ، رواه أهل السنن قال الترمذي حديث حسن صحيح، فمن قتل بعد العفو أو أخذ الدية فهو أعظم جرما ممن قتل ابتداء، حتى قال بعض العلماء: " إنه يجب قتله حدا ولا يكون أمره لأولياء المقتول " قال تعالى
: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} قال العلماء: إن أولياء المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ، حتى يؤثروا أن يقتلوا القاتل وأولياءه، وربما لم يرضوا بقتل القاتل، بل يقتلون كثيرا من أصحاب القاتل كسيد القبيلة ومقدم الطائفة، فيكون القاتل قد اعتدى في الابتداء، وتعدى هؤلاء في الاستيفاء كما كان يفعله أهل الجاهلية الخارجون عن الشريعة في هذه الأوقات، من الأعراب والحاضرة وغيرهم. وقد يستعظمون قتل القاتل لكونه عظيما أشرف من المقتول، فيفضى ذلك إلى أولياء المقتول يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل، وربما حالف هؤلاء قوما واستعانوا بهم، وهؤلاء قوما فيفضي إلى الفتن والعداوات العظيمة. وسبب ذلك خروجهم عن سنن العدل الذي هو القصاص في القتلى فكتب الله علينا القصاص وهو المساواة والمعادلة في القتلى وأخبر أن فيه حياة، فإنه يحقن دم غير القاتل من أولياء الرجلين، وأيضا علم من يريد القتل أنه يقتل كف عن القتل. وقد روي عن علي
بن أبي طالب رضي الله عنه وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم ألا لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده} رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من أهل السنن فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسلمين تتكافأ دماؤهم - أي تتساوى وتتعادل - فلا يفضل عربي على عجمي، ولا قرشي أو هاشمي على غيره من المسلمين، ولا حر أصلي على مولى عتيق، ولا عالم أو أمير، على أمي أو مأمور. وهذا متفق عليه بين المسلمين، بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية وحكام اليهود فإنه كان بقرب مدينة النبي صلى الله عليه وسلم صنفان من اليهود: قريظة والنضير، وكانت تتفضل على قريظة في الدماء، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وفي حد الزنا، فإنهم كانوا قد غيروه من الرجم إلى التحميم وقالوا إن حكم نبيكم بذلك كان لكم حجة، وإلا فأنتم قد تركتم حكم التوراة فأنزل الله تعالى: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} إلى قوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم
فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين} إلى قوله: {فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص}. فبين - سبحانه وتعالى - أنه سوى بين نفوسهم، ولم يفضل منهم نفسا على أخرى، كما كانوا يفعلونه إلى وله: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} إلى قوله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}. فحكم الله - سبحانه - في دماء المسلمين أنها كلها سواء، خلاف ما عليه الجاهلية وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس في البوادي والحواضر، إنما هي البغي، ترك العدل فإن إحدى الطائفتين قد يصيب بعضها الأخرى دما أو مالا، أو تعلو عليهم بالباطل ولا تنصفها، ولا تقتصر الأخرى على استيفاء الحق، فالواجب في كتاب الله الحكم بين الناس في الدماء والأموال وغيرها بالقسط الذي أمر الله به ومحو ما كان عليه كثير من الناس من حكم الجاهلية، وإذا أصلح مصلح بينهما، فليصلح بالعدل كما قال الله - تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} وينبغي أن يطلب العفو من أولياء المقتول، فإنه أفضل لهم كما قال تعالى: {والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له}. قال أنس رضي الله عنه: {ما رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو}. رواه أبو داود وغيره وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله} وهذا الذي ذكرناه من التكافؤ، هو في المسلم الحر، مع المسلم الحر، فأما الذمي فجمهور العلماء: على أنه ليس بكفء للمسلم، كما أن المستأمن الذي يقدم من بلاد الكفار رسولا أو تاجرا ونحو ذلك، ليس بكفء له وفاقا. ومنهم من يقول: بل هو كفء له، وكذلك النزاع في قتل الحر بالعبد.
• الجراح
والقصاص في الجراح أيضا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع شرط المساواة، فإذا قطع يده اليمنى من مفصل، فله أن يقطع يده كذلك، وإذا قلع سنه، فله أن يقلع سنه، وإذا شجه في رأسه أو وجهه، فأوضح العظم، فله أن يشجه كذلك وإذا لم تمكن المساواة: مثل أن يكسر له عظما باطنا، أو يشجه دون الموضحة، فلا يشرع القصاص، بل تجب الدية المحدودة أو الأرش.
• الأعراض
والقصاص في الأعراض مشروع أيضا: وهو أن الرجل إذا لعن رجلا أو دعا عليه، فله أن يفعل به كذلك. ، وكذلك إذا شتمه شتيمة لا كذب فيها، والعفو أفضل. قال الله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} قال النبي صلى الله عليه وسلم: {المستبان: ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم} ويسمى هذا الانتصار، والشتيمة التي لا كذب فيها مثل الإخبار عنه بما فيه من القبائح أو تسميته بالكلب أو الحمار ونحو ذلك فأما إن افترى عليه، لم يحل له أن يفتري عليه ولو كفره أو فسقه بغير حق لم يحل له أن يكفره أو يفسقه بغير حق ولو لعن أباه أو قبيلته، أو أهل بلده ونحو ذلك، لم يحل له أن يتعدى على أولئك، فإنهم لم يظلموه، وقال الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} فأمر الله المسلمين ألا يحملهم بغضهم للكفار على ألا يعدلوا. وقال: {اعدلوا هو أقرب للتقوى} فإن كان العدوان عليه في العرض محرما لحقه، بما يلحقه من الأذى جاز القصاص فيه بمثله، كالدعاء عليه ما دعاه، وأما إذا كان محرما لحق الله - تعالى، كالكذب، لم يجز بحال، وهكذا قال كثير من الفقهاء: إذا قتله بتحريق، أو تغريق، أو خنق أو نحو ذلك، فإنه يفعل به كما فعل، ما لم يكن الفعل محرما في نفسه كتجريع الخمر واللواط به، ومنهم من قال: لا قود عليه إلا بالسيف، والأولى أشبه بالكتاب والسنة والعدل.
• الفرية ونحوها
وإذا كانت الفرية ونحوها لا قصاص فيها، ففيها العقوبة بغير ذلك فمنه حد القذف الثابت في الكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم}. فإذا رمى الحر محصنا بالزنا أو اللواط فعليه حد القذف، وهو ثمانون جلدة، وإن رماه بغير ذلك عوقب تعزيرا. وهذا الحد يستحقه المقذوف، فلا يستوفى إلا بطلبه باتفاق الفقهاء فإن عفا عنه سقط عند جمهور العلماء، لأن المغلب فيه حق الآدمي كالقصاص والأموال. وقيل: لا يسقط تغليبا لحق الله لعدم المماثلة كسائر الحدود، وإنما يجب القذف، إذا كان المقذوف محصنا، وهو المسلم الحر العفيف.
• الأبضاع
ومن الحقوق الأبضاع، فالواجب الحكم بين الزوجين بما أمر الله - تعالى به، من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، فيجب على كل من الزوجين أن يؤدي إلى الآخر حقوقه، بطيب نفس وانشراح صدر فإن للمرأة على الرجل حقا في ماله، وهو الصداق والنفقة بالمعروف، وحقا في بدنه، وهو العشرة والمتعة، بحيث لو آلى منها استحقت الفرقة بإجماع المسلمين، وكذلك لو كان مجبوبا أو عنينا لا يمكنه جماعها فلها الفرقة، ووطؤها واجب عليه عند أكثر العلماء. وقد قيل: إنه لا يجب اكتفاء بالتباعث الطبيعي، والصواب: أنه واجب كما دل عليه الكتاب والسنة والأصول. وقد {قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنه - لما رآه يكثر الصوم والصلاة -: إن لزوجك عليك حقا} ثم قيل: يجب عليه وطؤها كل أربعة أشهر مرة، وقيل: يجب وطؤها بالمعروف، على قدر قوته وحاجتها، كما تجب النفقة بالمعروف كذلك، وهذا أشبه. وللرجل عليها أن يتمتع بها متى شاء، ما لم يضر بها، أو يشغلها عن واجب، فيجب عليها أن تمكنه كذلك ولا تخرج من منزله إلا بإذنه أو بإذن الشارع واختلف الفقهاء هل عليها خدمة المنزل كالفرش والكنس والطبخ ونحو ذلك؟ فقيل: يجب عليها، وقيل:
لا يجب وقيل: يجب التخفيف منه.
• الأحوال
وأما الأحوال فيجب الحكم بين الناس فيها بالعدل كما أمر الله ورسوله، مثل قسم المواريث بين الورثة، على ما جاء به الكتاب والسنة. وقد تنازع المسلمون في مسائل من ذلك، وكذلك في المعاملات من المبايعات والإجارات والوكالات والمشاركات والهبات والوقوف والوصايا ونحو ذلك من المعاملات المتعلقة بالعقود والقبوض، فإن العدل فيها هو قوام العالمين، لا تصلح الدنيا والآخرة إلا به. فمن العدل فيها ما هو ظاهر، يعرفه كل أحد بعقله، كوجوب تسليم الثمن على المشتري، وتسليم المبيع على البائع للمشتري، وتحريم تطفيف المكيال والميزان، ووجوب الصدق والبيان، وتحريم الكذب والخيانة والغش، وأن جزاء القرض الوفاء والحمد. ومنه ما هو خفي، جاءت به الشرائع أو شريعتنا - أهل الإسلام - فإن عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات، يعود إلى تحقيق العدل والنهي عن الظلم دقه وجله: مثل أكل المال بالباطل وجنسه من الربا والميسر، وأنواع الربا والميسر التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم مثل: بيع الغرر، وبيع حبل الحبلة، وبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والبيع إلى أجل غير مسمى، وبيع المصراة، وبيع المدلس، والملامسة، والمنابذة،
والمزابنة والمحاقلة والنجش. وبيع الثمر قبل بدو صلاحه، وما نهي عنه من أنواع المشاركات الفاسدة، كالمخابرة، بزرع بقعة بعينها من الأرض. ومن ذلك ما قد ينازع فيه المسلمون لخفائه واشتباهه، فقد يرى هذا العقد والقبض صحيحا عدلا، وإن كان غيره يرى فيه جورا يوجب فساده، وقد قال الله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}. والأصل في هذا، أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها، إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه، كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله، إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه، إذ الدين ما شرعه الله، والحرام ما حرمه الله، بخلاف الذين ذمهم الله، حيث حرموا من دون الله ما لم يحرمه الله، وأشركوا بما ما لم ينزل به سلطانا، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، اللهم وفقنا لأن نجعل الحلال ما حللته، والحرام ما حرمته، والدين ما شرعته.
• المشاورة
لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله تعالى أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين}. وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: {لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم}. وقد قيل: إن الله أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه، وليقتدي به من بعده، وليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي، من أمر الحروب، والأمور الجزئية وغير ذلك، فغيره صلى الله عليه وسلم أولى بالمشورة. وقد أثنى الله على المؤمنين بذلك في قوله: {وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} وإذا استشارهم، فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه من كتاب أو سنة رسوله أو إجماع المسلمين فعليه اتباع ذلك ولا طاعة في خلاف ذلك، وإن كان عظيما في الدين والدنيا. قال الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وإن كان أمرا قد تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يستخرج
من كل منهم رأيه، ووجه رأيه فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عمل به، كما قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}.
• وجوب اتخاذ الإمارة
يجب أن يعرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم} ، رواه أبو داود، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة. وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو، أن النبي قال: {لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم} فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيها على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله - تعالى - أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم، وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة ولهذا روي: {أن السلطان ظل الله في الأرض} ويقال: " ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان ". والتجربة تبين ذلك؛ ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: " لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان " وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {إن الله ليرضى لكم ثلاثة: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم} ، رواه مسلم. وقال: {ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط بهم من ورائهم}. رواه أهل السنن. وفي الصحيح عنه أنه قال: {الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم}. فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها، بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال بها. وقد روى كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال أو الشرف لدينه} قال الترمذي حديث حسن صحيح فأخبر أن حرص المرء على المال والرياسة، يفسد دينه، مثل أو أكثر من إرسال الذئبين الجائعين لزريبة الغنم. وقد أخبر الله - تعالى - عن الذي يؤتى كتابه بشماله، أنه يقول: {ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه}. وغاية مريد الرياسة أن يكون كفرعون، وجامع
المال أن يكون كقارون وقد بين الله - تعالى - في كتابه حال فرعون وقارون، فقال تعالى: {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق} وقال تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين}. فإن الناس أربعة أقسام: القسم الأول: يريدون العلو على الناس، والفساد في الأرض هو معصية الله، وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون، كفرعون وحزبه، وهؤلاء هم شر الخلق قال الله تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين}. وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه ذرة من إيمان. فقال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أحب أن يكون ثوبي حسنا ونعلي حسنا. أفمن الكبر ذاك؟ قال: لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس} فبطر الحق، دفعه وجحده، وغمط الناس، احتقارهم وازدراؤهم وهذا حال من يريد العلو والفساد. والقسم الثاني: الذين يريدون الفساد، بلا علو، كالسراق المجرمين من سملة الناس. والقسم الثالث: يريد العلو بلا فساد، كالذين عندهم دين، يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس. القسم الرابع: فهم أهل الجنة الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم كما قال الله تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} وقال تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم} وقال: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}. فكم ممن يريد العلو ولا يزيده ذلك إلا سفولا، وكم ممن جعل من الأعلين وهو لا يريد العلو ولا الفساد، وذلك لأن إرادة العلو على الخلق ظلم، لأن الناس من جنس واحد، فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته، ظلم، ومع أنه ظلم، فالناس يبغضون من يكون كذلك ويعادونه، لأن العادل منهم لا يحب أن يكون مقهورا لنظيره، وغير العادل منهم يؤثر أن يكون هو القاهر، ثم إنه مع هذا لا بد له - في العقل والدين من أن يكون بعضهم فوق بعض كما قدمناه، كما أن الجسد لا يصلح إلا برأس. قال تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم}. وقال تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا} فجاءت الشريعة بصرف السلطان والمال في سبيل الله، فإذا كان المقصود بالسلطان والمال هو التقرب إلى الله وإنفاق ذلك في سبيله، كان ذلك صلاح الدين والدنيا. وإن انفرد السلطان عن الدين، أو الدين عن السلطان فسدت أحوال الناس، وإنما يمتاز أهل طاعة الله عن أهل معصيته، بالنية والعمل الصالح، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: {إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم}. ولما غلب على كثير من ولاة الأمور إرادة المال والشرف، صاروا بمعزل عن حقيقة الإيمان وكمال الدين، ثم منهم من غلب الدين، وأعرض عما لا يتم الدين إلا به من ذلك، ومنهم من رأى حاجته إلى ذلك، فأخذه معرضا عن الدين، لاعتقاده أنه مناف لذلك، وصار الدين عنده في محل الرحمة والذل، لا في محل العلو والعز، وكذلك لما غلب على كثير من أهل الديانتين العجز عن تكميل الدين، والجزع لما قد يصيبهم في إقامته من البلاء، استضعف طريقتهم واستذلها من رأى أنه لا تقوم مصلحته ومصلحة غيره بها. وهاتان السبيلان الفاسدتان - سبيل من انتسب إلى الدين، ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب، ولم يقصد بذلك إقامة الدين هما سبيل المغضوب عليهم والضالين، الأولى للضالين النصارى، والثانية للمغضوب عليهم اليهود وإنما الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، هي سبيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسبيل خلفائه وأصحابه، ومن سلك سبيلهم، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، ذلك الفوز العظيم. فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك بحسب وسعه، فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله، وإقامة ما يمكنه من دينه، ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من ترك المحرمات، لم يؤاخذ بما يعجز عنه، فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار. ومن كان عاجزا عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد، ففعل ما يقدر عليه، من النصيحة بقلبه، والدعاء للأمة، ومحبة الخير، وفعل ما يقدر عليه من الخير، لم يكلف ما يعجز
عنه، فإن قوام الدين الكتاب الهادي، والحديث الناصر كما ذكره الله - تعالى - فعلى كل أحد الاجتهاد في إيثار القرآن والحديث لله ولطلب ما عنده مستعينا بالله في ذلك، ثم الدنيا تخدم الدين، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: " يا بن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر بنصيبك من الدنيا، فانتظمها انتظاما، وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة، وأنت من الدنيا على خطر. ودليل ذلك ما رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من أصبح والآخرة أكبر همه جمع له شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح والدنيا أكبر همه فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له}. وأصل ذلك في - قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}. فنسأل الله العظيم أن يوفقنا وسائر إخواننا المسلمين، لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين.
نهاية الكتاب
انتهى الكتاب والحمد لله