المحاضرة الثامنة
الأسس الفلسفية للتربية :
ماهية الفلسفة :
مفهوم الفلسفة :
عرفت الفلسفة تعريفات عديدة اختلفت باختلاف وجهات نظر الفلاسفة وباختلاف العصور ، والأصل في كلمة فلسفة ، أنها لفظ معرب عن اليونانية ، ويتكون من مقطعين ( فيلي ) ومناها ( حب ) و ( صوفيا ) وتعني حب الحكم ، أي أن اللفظ بالمقطعين يعني حب الحكمة ، والفيلسوف يعني محب الحكمة ،
وتعرف الفلسفة بأنها " نشاط عقلي نقدي منظم ، ومميز يهدف إلى تحليل الموجودات المحسوسة واللا محسوسة في الوجود ، والكون ، والحياة ، والطبيعة ، وما وراء الطبيعة .
العلاقة بين الفلسفة والتربية .
هناك اتصال حيوي بين الفلسفة والتربية ، لدرجة أن البعض يرى أن التربية هي وليدة للمناهج الفلسفية ، وأن رجال التربية هم رجال الفلسفة ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها : أفلاطون الذي وضع في جمهوريته نظرية تربوية كاملة وكان من أوضح الفلاسفة تعبيرا عن العلاقة الوثيقة بين الفلسفة والتربية ، وكانت أراء " روسو " التربوية مستمدة من فلسفته الطبيعية التي أدت بدورها إلى قيام الحركة الطبيعية في التربية .
أما " هربرت سبنسر " فلقد وضح العلاقة بين الفلسفة والتربية بقولة " أن التربية الحقة لا تكون عملية إلا عن طريق الفلسفة الحقة "
ولعل " جون ديوي كان خير من وضح العلاقة بين الفلسفة والتربية في إطارها السليم حين قال " إن مشكلات الفلسفة تنشأ نتيجة وجود إحساس عام وعميق بأن هناك صعوبات ومشاكل في الحياة الاجتماعية " .
فإذا كانت الفلسفة تقوم على الاتصال بالخبرة الإنسانية اتحللها وتنتقدها وتضع لها الأسس والمبادئ التي تنظم نشاطها ، وإذا كانت التربية هي خبرة إنسانية ، وتتضمن التربية أيضا نقل الخبرات الإنسانية إلى الأجيال اللاحقة ، فإن فلسفة التربية هي تطبيق الطريقة الفلسفية في ميدان الخبرة الإنسانية الذي هو التربية ، فالعملية التربية تنقل الأفكار والآراء والتصورات والمبادئ الفلسفية إلى سلوك وممارسات يقوم بها الفرد في حياته العملية .
والخلاصة :
إذا كانت الفلسفة عملية فكرية تأملية فإن التربية عملية تطبيقية ، والفلسفة والتربية هما وجهان لعملة واحدة ، فالفلسفة تحدد الهدف من الحياة ، والتربية تقرر وسائل تحقيق هذا الهدف فكلاهما لهما نفس الموضوع وهو الإنسان .
وبذلك تكون فلسفة التربية هي الميدان الذي يبحث في المشكلات الفلسفية والاجتماعية من الزاوية التربوية ، ويبحث المشكلات التربوية بحثا فلسفيا اجتماعيا .
ـ مجالات اهتمام فلسفة التربية .
1ـ دراسة بنية العملية التربوية ، مثل ( دراسة الطبيعة ألإنسانية ـ السلوك الإنساني في إطاره الاجتماعي المتغير )وتهدف هذه الدراسات إلى تحديد الأهداف التربوية .
2 ـ دراسة النظريات بوجه عام والنظريات التربوي بوجه خاص .
3 ـ دراسة المشكلات التربوية والبحث عن جذورها العميقة وأسبابها باستخدام الأسلوب العلمي .
4 ـ دراسة المغزى التربوي للمدارس الفلسفية المختلفة ، والمقارنة بينها في التأثير على العملية التربوية .
5 ـ نشر فلسفة التربية بين المدرسين و المربين بما يزودهم بفهم الواقع وتحديد الرؤى المستقبيلة للعملية التربوية .
6 ـ توجيه البحوث والتجارب التربوية وجهه اجتماعية .
7 ـ إن دراسة فلسفة التربية تساعد دارسها على أن ينمو نفسيا ، في الوقت الذي تساعده على أن ينمو مهنيا أيضا .
نماذج من أعلام الفلسفات التربوية عبر العصور .
1 ـ الفلسفة المثالية .
يعتبر " أفلاطون " هو مؤسس الفلسفة المثالية ، حيث ظهرت أرائه في كتابية ( الجمهورية المثالية ) , ( القوانين )
يسير منهاج التربية في الفلسفة المثالية على مبدأ القديم على قدمه ، وعدم قابليته للتطور ، أي أن ما توصل إليه الأجداد من تراث يبقى ثابتا ومطلقا ، ولهذا تهدف تلك الفلسفة التربوية إلى حشو عقول التلاميذ بالمعلومات والحقائق المطلقة الثابتة التي توصل إليها ألأجداد ليقوم التلاميذ بتخزينها وحفظها في العقول ، ولا تهتم التربية المثالية بتنمية قوى التلاميذ الجسمية أو العقلية وإن كانت قد ركزت في بعض جوانبها على تدريس الجانب العقلي والمعرفي .
وتؤمن هذه الفلسفة بالثواب والعقاب ، فهي تعتبر العقاب شيئا مهما واجبا ، لأنه يدرب ملكة الصبر عند التلاميذ . كما أنها تنظر إلى القيم بأنها ثابتة لا تتغير فهي صالحة لكل زمان مكان ، وإذا حصل وتعارضت مع مطالب الحياة ومشكلاتها ، فهي صادقة ،والخلل يعود إلى أساليب حياتنا الخاطئة . وترى الفلسفة المثالية بأن على المدرسة أن تعلم التلاميذ احترام الوطن والمجتمع المحلي ، وأن يكون للتلاميذ ولاء للمثل العليا .
ومن المدارس النفسية المتفقة مع هذه الفلسفة :
أ ـ مدرسة الملكات النفسية ،
وترى أن الفعل أو السلوك الإنساني تتحكم فيه مجموعة من الملكات وطالما أن هذه الملكات موجودة في العقل ، فإن العقل هو الذي يتحكم في السلوك وهو القادر على التحكم في السلوك ، لذلك يمكن تدريب هذه الملكات لأن تلك الملكات منفصلة بعضها عن بعض مثل ملكة الحفظ والتذكر والصبر والمحاكاة ، وبالتدريب تكون هذه الملكات أكثر فاعلية في المواقف المختلفة ‘ فحفظ قصيدة شعر تساعد الطالب في حفظ جدول الضرب ,
ب ـ مدرسة التدريب العقلي النفسية .
والتي رفضت فكرة وجود الملكات ، وكان هدف هذه المدرسة هو ملء العقل بالحقائق الرئيسية ومن شأن العقل أن يحفظها ويخزنها فتكون جاهزة عند الاستخدام في حل المشكلات التي تواجهه .
2 ـ الفلسفة الواقعية .
تقوم فكرة الفلسفة الواقعية على أن مصدر كل الحقائق هو هذا العالم ، فلا تستقى الحقائق من الحدس والإلهام ، وإنما تأتي من العالم الواقعي الذي نعيش فيه أي من التجربة والخبرة اليومية ، ورائد هذه الفلسفة هو " أرسطو " ولكنها طورت على يد " جون لوك " الإنجليزي .
ويرى " لوك " أن الإنسان يولد وعقله يكون صفحة بيضاء ثم يبدأ الكتابة عليها من خلال التجارب والخبرات والحقائق والمعارف الموجودة في العالم الفيزيقي ( الطبيعي ) ويصل إليها الإنسان عن طريق استخدام المنهج العلمي ، والمشاهدات المنطقية .
ومن أهم الخصائص التربوية التي تتميز بها الفلسفة الواقعية .
1ـ تؤمن هذه الفلسفة بمكافأة الاستجابات الصحيحة التي يأتي بها التلاميذ وتعزيزها ، 2 ـ كما تؤمن بالعقاب لتعديل السلوك الخطأ ..
3 ـ تؤمن الفلسفة الواقعية بأن التربية هي دمج الإنسان مع المجتمع ، ويجب أن تساعد التربية الفرد على التكيف مع بيئته لا أن يشكلها .
وتعتبر المدرسة الترابطية ( السلوكية ) من المدارس النفسية التي تتفق مع خصائص الفلسفة الواقعية .
المحاضرة التاسعة
3ـ الفلسفة الطبيعية.
بعد أن اطلع فلاسفة القرن الثامن عشر على الفلسفات السابقة عليهم ، رأو وعلى رأسهم " جان جاك روسو " أن الطبيعة خيرة ، وأن كل شيء يظل سليما مادام في يد الطبيعة ، ولا يلبث أن يمسه الدمار إذا مسته يد الإنسان .
وكان أصحاب هذه الفلسفة يرون أن واجب التربية أن تعمل على تهيئة الفرصة للطبيعة الإنسانية كي تنمو متبعة في نفس الوقت قوانين الطبيعة ، لأنها أفضل وأكمل وأصلح ، وأي فساد يظهر على الناس ، فإنه ليس من فعل الطبيعة بل من فعل المجتمع والناس الآخرين المتدخلين في العملية التربوية .
ويرى أصحاب هذه الفلسفة أنه من الواجب أن يتربى الطفل في وسط الطبيعة وعلى طبيعته ليتعلم عن طريق ما يقوم هو نفسه من أفعال ، لأنه يولد مزودا بقدراته الفطرية التي يجب أن تحترم ، وأن تنمى بعيدا عن ضغط المجتمع والناس ، لأن مثل هذا الضغط يسبب انحرافا لنمو هذه القدرات ويفسدها .
أما المنهاج عندهم هو المنهاج الطبيعي المؤلف من بعض العلوم التي تحتاج إلى الخبرة والممارسة كالعلوم الطبيعية ، والجبر والفلك ، والجغرافيا ، على أن تدرس هذه العلوم من خلال الأسفار والرحلات ، أما العقاب وخاصة البدني فهم لا يؤمنون به ، وإنما يلجأون إلى القانون الطبيعي ليقوم بهذه المهمة ، فيقول " روسو " : فإذا طلبت منه أن يرتدي ملابسه للخروج إلى النزهة وتأخر في لبسها ، فدعه في البيت ولا تخرجه برفقتك ، فإذا كسر زجاج النافذة فدعه يتألم من البرد ، ومن أهم ما تشتهر به هذه الفلسفة هي الأنشطة اللاصفية .
التطبيق التربوي للفلسفة الطبيعية :
1 ـ من المولد حتى الخامسة : التركيز على دور ألأبوين في رعاية الجانب الجسمي للطفل ، وتلبية حاجاته ومراعاة ميوله الطبيعية من خلال الإكثار من النزهات والألعاب المفيدة وتجنب العقاب .
2 ـ من سن ( 2 ـ 12 سنة ) هي تربية بدنية حسية ، ويكون تدريب الحواس بتعريض الطفل لظواهر الطبيعة التي يتعلم منها حسب طبيعته .
3 ـ من سن ( 12 ـ 15 سنة ) التركيز على التربية العقلية التي ينبة المعلم من خلالها المتعلم إلى بعض الحقائق المحسوسة دون لأنت يلقنها له تلقينا .
4 ـ من ( 15 ـ 20 سنة ) هي مرحلة التربية الخلقية والدينية ، من خلال التركيز على القواعد الخلقية من خلال مشاهدة المواقف الإنسانية المختلفة ، واتخاذ المعلمين قدوة .
4 ـ الفلسفة الوجودية .
المصطلح " وجودية " مأخوذ من كلمة " وجود " وهو ضد " العدم " ، وقد انتقل اللفظ إلى اللغات الأوربية والذي يعني الخروج من الشيء والبقاء في العالم ، أما في العربية فمعناه الحضور ، والمقصود به الوجود الداخلي للإنسان .
نشأت هذه الفلسفة في فرنسا بعد الحربين العالميتين وما نتج عنهم من أوضاع اجتماعية واقتصادية ، ومن هنا كان الوجوديون يؤكدون على حالة قلق الفرد الإنساني في بحثه عن المعنى ، وعن تكامله الشخصي .
مرت الفلسفة خلال تطورها بثلاث مراحل :
المرحلة الأولى :
يعتبر الفيلسوف الدنماركي " كيجارد " أو من استخدم كلمة وجود في مضمون فلسفي ، حيث يعتبر هو الأب الروحي للفلسفة الوجودية ، حيث اعتبر أن الشخص الموجود هو الذي يتصف بعلاقة لا نهائية مع نفسه ويهتم بمصيره ن والذي يشعر أنه يجمع بين النهائي واللانهائي ( الجسد الفاني ، والروح )
المرحلة الثانية :
مثلها " مارتن هيدجر " والذي هاجم الرأي القائل أن الوجود الإنساني مرتبط بالله عز وجل ، وأن الوجود الوحيد الذي يرتبط به الإنسان هو وجوده هو وحده .
المرحلة الثالثة :
بدأت على يد " جان بول سارتر " وهو من أتباع الوجودية ، أي أن الإنسان هو الذي يأتي ويصنع هذا الوجود ، لذلك يجب أن يتمتع بحرية تامة ، بحيث يكون مسؤولا عن أعماله .
من أبرز المبادئ والأفكار التي تنادي بها الفلسفة الوجودية :
ـ لا تحاول إعطاء الإجابات القاطعة عن الحقيقة ،والواقع والقيم ، لكن يجب إيقاظ ميل الإنسان للبحث عنها .
ـ تؤمن بأن يتخذ الإنسان قراراته في هذا العالم بنفسه لا تفرض عليه .
ـ أن يكون المنهج الدراسي عالما من المعرفة على التلميذ أن يكتشفه ويختبره بنفسه ، وأن بندمج فيه كليا ويعيشه ,
ـ أن يهتم المنهج بالنقاش والتحليل والإستقراء بعيدا عن الحفظ والتلقين وإنتاج أفراد متشابهين .