2010- 4- 11
|
#17
|
|
أكـاديـمـي فـعّـال
|
رد: محاضرات الشعر العربي الحديث 1+2+...+4+5 إلى آخره تعاوني جميعاً بتنزيل المحاضرات
بسم الله الرحمن الرحيم
---
مُحاضرة ( جوانب إنسانية عند الرِصافي)
قد يدّل مُصطلح الإنسانية على كُلّ مايقترن في أذهانِنا من السمْوِ بالحياةِ البشرية بحيثُ تعمّ وحدةِ إنسانية لاتؤثر فيها حواجز من وطنِ أو دين أو جنس ولاتحدّها أيُّ عصبيات وَبذلك تُصبح الإنسانية نزعة عالمية وَينساقُ أصحاب ُ هذهِ النزعةِ في الدعوة للخير فهُم يكثرون من بُكاءِ الإنسانية لأن قوافلها ظلت الطريق وَهي تدفع ثمن هذا الظلال بماتنحرهُ من أبنائِها على مذابحِ الحروب وَفي دعوة تُحـلِقْ في خيالِ بعيد العالم لايُمكن أن يتحقق على الأرضِ .
وَما أشبه هذهِ النزعةِ بنزعة التصوفّ فَكِلاهُمْا حلمُ وَخيال يحلم الصًوفّيّ بربهِ وَيحلمُ الإنساني بعالمِ لايُمكن أن يراهُ فالإنسانية حلم صوفي جميل.
وَقد تدّل الإنسانية على فكرة الرحمةِ بالضعيف وَمواساة العاجز الفقير وَهي فكرة إنمْا أراد أصحابها الرُقي بالحياةِ البشرية فيتعاطف كُل البشر بعضهم مع بعض فلا يكون هُناك بائَس وَلاحاقد وَإنّمْا يكون التآزر وَالتراحم بين الناس فيصبحوا كالجسد الواحد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمة .
وَقد يُقصد بالإنسانية الدلالةِ على صاحبها الإنسان بِكُلّ مافيه من نقائض وَعيوب فهو انساني النزعةِ أيّ أن مساوئ الإنسانية وَمحاسنها تتضح فيه وَفي أدبهِ وَهُناك دلالة أُخرى حين تعبر تلك الكلمةِ عن الإيمان بالإنسانِ وَعقله إيماناً بلا حدود وَأصحاب هذا المفهوم لايعتقدون بوجودِ قوى خارقة وراء ذلك العالم الإنساني الذي نعيشَهُ .. وَهكذا تتعدد مفاهيم الإنسانيةِ.
وَلمْ يعرف شعرنا العربي القديم من تلك المفاهيم إلاّ في النُذرةِ من مثلِ ماعُرفَ عند أبي العلاء في لزومياتهِ حتى أتى العصر الحديث وَاعتدنا التفكير في أمور السياسة وَالمشكلات الإجتماعية وَأخذ الشعراء يفكرون في جوانب النُقَصِ الشائعْةِ في حياتنا فـ إنفَك الشعر العربي من قيود الذاتية وَأخذ يسبحُ في أجواء جديدة بعضها سياسي وبعضها اجتماعي فلمْ تعدّ ألوان الشعرية تصدر كُلها عن مزاج الشاعر وَكانت قضية الإحتلال وَالمُناداةِ بالحُريةِ وَحقْ الإنسان أن يعيش حُراً كريمْاً في وطنهِ أهم القضايا التي شغلت شُعراء تلك المرحلةِ سواء كانوا إنسانيون أمّ غير ذلك ..
وَنادى معروف الرِصافي بالحُريةِ مع بقية شُعراء زمنهِ يقول:
إذا لم يعش حراً بموطنهِ الفتى ** فَسَمِ الفَتى ميتاً وَموطنه قبرا
أحُريتي أنّي اتخذتكِ قُبلةً ** أوجِهُ وجهْي كُل يومٍ لها عشراَ
فهو يرى أن الحياة لاتساوي شيء بدون الحُرية
وَ تشغلهُ مسـألة العصبية الدينية أو الصِراع بين المُسلمين وَالأقباط" المسيحيين" من أبناء الوطن الواحد فيدعوا الجميع إلى توطيدِ الصلات الوطنيةِ وَالتكاتف للدفاعِ عن أوطانهم , فالإنسانية لاتعترِفُ بعصبياتِ وَلا إختلافات يقول الرِصافي:
أما آن أن تُنسى من القومش أضغانُ ** فَيُبنَى على أُسِّ المؤآخاةِ بُنيانُ
أما آن يُرمى التخاذِل جانِباً ** فَتكسَبُ عِزاً بالتناصَرِ أوطـــانُ
عَلآمَ التعادي لإختلافِ ديانةِ ** وَإن التعادي في الديانةِ عُدوانُ
ماضّر لوكان التعاون دِيننا ** فتعمر بُلدان وَتـأمّن قُطانُ
وَعلى هذا النحوِ بعثت حياتنا السياسية في العصرِ الحديث وجود الإستعمار مشاعر جديدة في نفوسِ شُعراؤنا وَتخطَ إهتمام شاعرنا مشكلة الوطنِ وَالإستقلال إلى مشاكل المواطنين فعاش يُفكر في الـآمهم وَيتـألم لها وَيعبر عنها , فكان شعرهُ مُنفذاً يُعبر من خلالهِ البائسون عن مشاعرهم وَعذاباتهم وَراح يتعرض لكلّ المشاكل الإجتماعيةِ وَالتي كان لها كبيرُ أثر على المُجتمعِ وَالناس وَلعلّ أهم القضايا التي شُغلَ بها الرصافي كانت قضية الطلاق حيثُ يُعبر عن إحساس المرأةِ وَظُلمَ المُجتمع لها وَيُنادي أن تنالَ المرأةِ جميع حقوقها وَقصيدتهُ ( المُطلقةِ) من خير القصائد التي تُصَورَ هذهِ المشكلةِ يقول فيها:
بدت كالشمسِ يحضنها الغروبُ ** فتاةُ راعَ نُضَرتِها الشحوبُ
حليلةُ طَيبَ الأعراقِ زالتَ ** بهِ عنها وَعنهُ بها الكروبُ
فغاضبُ زوجِهْا الخُلطاءَ يوماً ** بأمرِ للخِلافِ بهِ نشوبُ
فأقسم بالطلاقِ لها يميناً ** وَتِلكَ آليةُ خطأ وَحوبُ
وَطلقها على جهلِ ثلاثةَ ** كذلك يجهلُ الرجُلَ الغضوبُ
فظلت وَهي باكيةً تُنادي ** بصوتِ منهُ ترتَجفُ القلوبُ
لماذا يالبيبُ صرمتَ حبلي ** وَهل أذنبتُ عندكَ يالبيبُ
فأطرقَ رأسَهُ خجلاً وَ أغَضَ ** وَقالَ وَدمعُ عينيهِ سكوبُ
لبيبةُ أقصَرِ عني فإني ** كفاني من لظى الندمِ اللهِيبُ
وَما واللهِ هجركِ بإختياري ** وَلكن هكذا جرت الخُطوبُ
وَالرصافي يُطيل في المحاورةِ بين الزوجين ليُرينا آفةَ هذا الطلاق , وَكان الرصافي شديد الحساسيةِ رقيق الشعور ..لايُكاد يترك منظراً مؤثِراً لمنكود أو منكوب إلاّ رسمهُ وَكان بعرف كيف يَصِفُ ما أنطوى عليهِ قلبُ المكروبِ من أفكارِ وَالآمِ يقولُ في قصيدة ( الأرملةِ المُرضِعْةِ ) :
لقيتها ليتني ماكُنت ألقاها ** تمشي وَقد أثقل الإملاقُ ممشاها
أثوابِها رُثّةُ وَالرِجلُ حافيةُ ** وَالدمعَ تذرِفَهُ في الخدِّ عيناها
وَالقصيدة لوحةً رائِعة لأرملة فقيرة مُمزقَةِ الثياب ...
وَ يظهر أن نفس الرصافي كانت تنطوي على كثيرِ من المروءةِ وَالحنان وَالشفقةِ في هذهِ الطبقة المحرومة التي نبذها المُجتمع فيتحول شعرهُ الإنسان إلى مايُشَبه البوقْ الذي يُنفخ فيه ليستيقضَ الناس وَيشعرون بهذهِ الطبقةِ .
وَلمْ يقف تصويرهُ للأرآمِلَ وَالفُقراءِ عند المُسلمين فحسب , بلّ راحَ يُشارك يتامى الأرمّن وَأراملهُنّ بؤسهم يقول في قصيدة ( أُمّ اليتيمِ) :
رمت مسمعي بِـأنَّة مُؤلمِ ** فـألقْت فؤادي بين أنياب ضيغمِ
وَباتت تُوالي في الظلامِ أنّيِنُها ** وَبُتّ لها مرمي بنهشةِ أرقمِ
تُقَطِعُ في الليلِ الأنينَ كـأنها ** تُقَطِعُ أحشائي بسيفِ مُثلَمِ
وَهذهِ القصيدةَ تُصور لنا إتساع العنصر الإنساني في شعرِ الرصافي الذي يتناول عن حواجز الدينِ وَاللُغَةِ وَيؤمن بوجوبِ تحرير الروح وَإطلاق سراحها من قيودِ التعصب الديني .
وَماكان من شيءُ يؤذي نفسهِ مثل الفقر وَالعُوزَ وَأن يشبع الغني وَيلبس الفقير وَيجوع الفقير وَيتعرى , وَيرى أن شبع الغني ماجاء إلاّ من عرقِ الفقير وَجهدهِ وَكفاحهِ يقول :
أرى كُل ذي فقرِ لدى ذي غني ** أجيراً لهُ مستخدماً في عقارهِ
وَلمْ يعطهِ إلاّ اليسير وَإنّمْا ** على كدهِ قامت صروحُ يسارهِ
من كُلِ مامضى يتضَح لنّا أن الرصافي شغل نفسهُ بالتفكيرِ في الإنسانيةِ ةَسُبَل الخيرِ وَالشر الذي يسلُكها بني الإنسانَ وَذلك لماذا يعيش البعضَ في خيرِ وَنقمْة وَالبعض في شقاءِ وَتعاسة .؟
فيحسب أن الرصافي كان هو الشّقْي المحروم الذي أظلمت الحياة من حولهِ , وَنراهُ يحلم بعالمِ سعيد للناسِ عامةً وَلمواطنيهِ خاصةً بعد أن عاشَ يتغنى بالآلآمِ التُعساءِ المظلومين وَالأشقياءَ المحرومين ..
:
إنتهت ...
وَدعواتكم ليّ وللجميع بالموفَقيةِ
:
|
|
التعديل الأخير تم بواسطة تابوت العشق ; 2010- 4- 11 الساعة 05:06 PM
|
|
|
|