|
رد: التذوق الأدبي (محتوى فقط )
المحاضرة السَّابعةُ
” نموذجٌ تطبيقيٌّ من النَّثرِ الجاهليِّ ” خطبةُ هانئٍ بنِ قُبيصَةَ ” في التَّحريض على القتالِ ”
أوَّلاً : نصُّ قبيصةَ النثريُّ في تحريضِ قومِهِ :
- يقولُ قبيصَةُ محرِّضًا قومَهُ على القتالِ :
” يَا مَعْشرَ بَكْرٍ : هَالِكٌ مَعْذورٌ ، خَيْــرٌ مِنْ نَاجٍ فَرُورٍ ، إِنَّ الحَذَرَ لا يُنْجِي مِنَ اَلْقََـــدَرِ ، وَإِنَّ الصَّبْرَ مِنْ أٍسْبَــابِ الظَّفَرِ ، المَنِيَّةُ ولا الدَّنِيَّةَ ، اِسْتِقْبَالُ المَــوْتِ خَيْرٌ مِنْ اِسْتِدْبارِهِ ،الطَّعْنُ في ثَغْرِِ النُّــــــحُورِ أَكْــــرَمُ مِنْهُ فِي الأعـجَازِ والظُّهُورِ ، يا آلَ بَكْرٍ : قَاتِلُوا فَمَا لِلْمَنَايَا بُدٌّ ” 0
ثانِيًا : معاني الكلماتِ :
- هالكٌ : تجمعُ على ” هلكَى ” و هُلاَّكِ ” ، وجــــــــاء في المثلِ : فلانٌ ” هالكٌ ” في الهَوَالِكِ : أَي أَلْقى حتفَهُ بنفسِهِ
- الفَرُورُ : كثيرُ الفِرَارِ 0 – الحَذَرُ : التَّحَرُّزُ 0 – الظَّفَرُ : الفوزُ على عَدُوِّهِ 0 – المَنِيَّةُ : المَوتُ 0 – الدَّنِيَّةُ : السَّقطَةُ الحقيرَةُ 0 – اِستدبارُ الشَّيءِ : ضدَ اِستقبالِهِ 0 – الثَّغْرُ : ما تَقَدَّمَ من الأسنانِ ، وهو أَيضًا مَوْضِعُ المَخافَةِ من فروجِ البلدانِ 0- النُّحورُ : مَوضِعُ القُلادةِ من الصَّدرِ ، وقيل : موضِعُ نَحْرِ الهديِ وغيرِهِ 0- الأعجازُ : مُفردُها ” عَجُزٌ ” وهو مُؤخَّرُ الشَّيْءِ ، يُذكَّرُ ويؤنَّثُ ، وهو للرَّجُلِ والمَرْأَةِ جميعًا 0 – المنايا : جمع منيَّة،وهو الموتُ 0 – البُدُّ : هو الفِراق أو العوضُ ، يقولون : لابُدَّ من كذا ، أي لا فراقَ منه وقيلَ لا عوض 0
ثالثًا : المضمون :
يتضمَّن هذا النَّصُّ القصيرُ تحريضًا على القتالِ وبثًّا للحَّمِيَّةِ الجاهليَّة الَّتي تدعو إلى المواجهةِ والإقدامِ ، وتنأى عن الهروبِ والفِرارِ ،ثمَّ يستخلصُ الخطيبُ هنا حكمةً رضيَّةً تؤكِّدُ كرمَ المواجهةِ وفضل الإقدام على الاستدارةِ بالظُّهورِ والأعجازِ ، واُختًتِمَ ذلك المضمونُ بأمرِ القتالِ ِ إذ هو حجرُ الزَّاوية وبيتُ القصيدِ ، ” فما للمنايا بُدُّ ” كما صرَّح هو بذلك 0 والخلاصةُ هنا أنَّ المضمون في جملتِهِ مناسب للتَّحريضِ 0
- رابعًا : الفكرةُ :
- تنبني فكرةُ ذلك النَّصِّ على الحرب أو القتالِ ، ومنذُ بدءِ النَّصِّ إلى نهايتِهِ نلحــــــــــــــظُ الخطيبَ مُتوجِّهًا إلى قومِه وعشيرتِهِ ، داعيًا بل آمرًا إِيَّاهم بالقتـــــــــــالِ والدِّفاعِ عن كرامتِهِم وعزَّتِهم سالِكًا في سبيل تحقيقِ هذه الفكرةِ عنصرَ التَّخييرِ بين الأمريْنِ ، أو بالأحرى التَّرغيب في المواجهةِ والإقدامِ، والتَّرهيبَ من الفرارِ والاستدبارِ 0 إِنَّها بالجملة : فكرةٌ قائمةٌ على جدليَّةٍ جاهليَّةٍ متناقضَةٍ 0
- خامسًا المعطياتُ الأدبيَّةُ ( الُّلُغويَّةُ والجماليَّةُ ) :
أ – الأسلوبُ : - يأخذُ الأسلوبُ هنا وجهتينِ :
- الوجهةُ الأولى : ( الأسلوبُ الخبريُّ ) :
لقدِ اِستخدمَ الخطيبُ الأسلوبَ الخبريَّ في أكثر من موضِعٍ، حيثُ نجدُهُ واردًا في صيغة ” هالكٌ معذورٌ خيرٌ من ناجٍ فَرُورٍ ” و ” اِستقبالُ الموتِ خيرٌ من اِسْتِدْبارِهِ ” ، و ” الطَّعنُ في ثّغْرِ النُّحورِ أَكرَمُ منه في الأعجازِ والظُّهور ” 0
والحقُّ أنَّ جملةَ دلالات هذه الأساليب الخبريَّةِ تتوجَّهُ بالجملةِ إلى المُثابرةِ على القتالِ والا صطبارِ على مشاحناتهِ وعُقْباهُ 0
- الوجهةُ الثَّانيةُ : ( الأسلوبُ الإنشائِيُّ ) :
- لقد وظَّفَ الخطيبُ ” قبيصَةُ ” ذلكَ الأسلوبَ الإنشائيَّ توظيفًا فنِّيًّا جيِّدًا ؛ لأنَّه راحَ ينوِّعُهُ من جهةٍ ، كما أنَّه وزَّعه بوعيٍ ودِقَّةٍ من جهةٍ ثانيةِ ، ثُمَّ أخيرًا أبدعَ توظيفَه ومعالجَتَه من جهةٍ ثالثَةٍ 0 نلحظُ ذلك من بدءِ النَّصِّ إلى منتهاهُ على النَّحو الآتي :
- يَا مَعشرَ بَكْرٍ ـــــــ نداءٌ ـــــــــــ غايتُهُ : الحثُّ والمطالبَةُ 0
- إنَّ الحَذَر لا يُنجي من القَدَرِـــــ تأكيدٌ ونفيٌ ــــــ غايتهما : التَّقريرُ 0
- يَا آلَ بكْرٍ ـــــــــ نداءٌ ـــــــــــــ غايتُهُ : النَّجدةُ والإغاثَةُ 0
- قاتلوا ـــــــــــــ أمرٌ ــــــــــــــ غايتُهُ : الحضُّ و المطالبة 0
- فَمَا لِلْمَنَايَا بُدُّ ـــــــــ نفيٌ ـــــــــ غايتُهُ : التَّقريرُ والإثباتُ 0
- والخلاصةُ هنا : أنَّ هذا الأسلوبَ سواءٌ جاءَ خبريًّا أو إنشائيًّا ، فَإنَّهُ قد بدا جزلاً ومنسوجًا في ثوبٍ سجعيٍّ ليس غريبًا أو متخيَّلاً 0
ب - المُحَسِّنُ البديعيُّ :
1 – الطِّباق :
- نلحظُ ذلك الطِّباقَ فيما ياتي :
- المَنِيَّة: الدَّنيَّة ــــــــــ الطِّباقُ هنا بينَ التَّضحيةِ الكريمةِ والسَّقطةِ الَّلئيمةِ 0
- اِستقبال :اِستدبار ـــ الطباقُ هنا بين الإقدامِ والتَّراجُعِ 0
- الحذرُ : القَدَرُ ـــــــــــ الطِّباقُ هنا بين الحيطة والمُقَدَّرِ 0
2 – المقابلةُ :
- نلحظُ تلكَ المُقابلةَ في الصِّيغ الآتيةِ :
- هالكٌ معذورٌ : ناجٍ فَرُور ــــــــــ المقابلةُ ــــ هنا بين الموت المُكَرِّمِ المعذور والفرارِ المنجي المضرورِ 0
- والخلاصةُ : أنَّ الطِّباقَ والمُقابلةَ هنا يُبـــــرزانِ سياقَ الحـربِ من جهةٍ ،ويسطرانِ مفرداتِـــــــــــــــها من جهةٍ ثانيةٍ، ويعمِّقان دلالةَ التَّحريض الدَّاعيةَ إلى تلك الحربِ من جهة ثالثَةٍ 0
3 – الجناسُ :
- يتشكَّلُ الجناسُ هنا في الصِّيغِ الآتيةِ :
- الحَذَر :القدرُ ـــــــــ جناسٌ ناقصٌ ــ يحملُ نغمة موسيقيَّةً خفيفةً منتهيةً بصوتِ أو حرف الرَّاءِ التَّرَدُّدِيِّ المكرورِ ، كما يحملُ في الوقت نفسِهِ دلالةً المُفارقةً بينَ الحيطةِ والمُقدَّرِ لِلإنسانِ 0
- الصَّبر: الظَّفر ــــــــــ يحمل النَّغمةَ الموسيقيَّةَ السَّابقةَ ، كما يحملُ في الوقتِ نفسِهِ دلالةَ المطاوعةِ ؛ لأنَّ الصَّبر بطبيعةِ الحالِ يؤولُ إلى الظَّفرِ أو النَّصر 0
- المنيِّةُ : الدَّنيَّة ـــــــــــ يحملُ الجناسُ هنا نغمةً موسيقيَّة جهورة ومتراقصةً ، كما يحملُ في الوقتِ نفسهِ دلالة المفارقةِ بين الإقدام والهُروبِ 0
- النُّحور: الظُّهور ـــــ يحملُ الجناسُ هنا النغمةَ الموسيقيَّةَ المكرورة السَّابقةَ، كما يحملُ في الوقت نفسه رمزيَّةَ الحربِ بينّ المواجهةِ والفرار 0
4 – السجعُ :
- يغدو هذا السَّجعُ قريبًا من سجعِ الكُهَّانِ، نلحظُهُ على النَّحو الآتي
- ” هالكٌ معذور: ناجٍ فَرورِ ” 0
- ” إنَّ الحذرَ لا ينجي من القدَرِ :وإنَّ الصَّبرَ من أَسباب الظَّفر ” 0
- ” المنيَّةُ ولا الدَّنيَّةَ ” 0
- ” الطَّعنُ في ثغْرِ النُّحورِ : أكرمُ منه في الأعجازِ والصُّدورِ“ 0
- والخلاصة هنا : أنَّ هذه الأسجاعَ مُجتمعةً تشيرُ إلى شيئينِ مُهِمَّينِ ، الأوَّل: أنَّ هذه التَّركيباتِ الُّلُغويَّةَ المسجوعةَ تُعَدُّ اِمتدادًا طبيعيًّا لسجع الكُّهَّانِ الجاهليِّ 0 الآخر : أنَّ تلك الأسجاعَ تتناسبُ تمامًا وسياقاتِ المواجهة ، وعلى رأسِها سياقُ الحربِ 0
ج – المُشتقَّاتُ :
- وردت المشتقَّاتُ الُّلُغويَّةُ بشكلٍ لافتٍ للنَّظرِ ، نلحظها على النَّحو الآتي:
1 – اِسمُ الفاعلِ : ( هالك - ناجٍ ) ــــــ نلحظهما هنا رمزينِ مفارقينِ بينَ الهلاكِ والنَّجاةِ 0
2 – اسمُ المفعول : ( معذور ) جاءَ حاملاً الدِّلالةَ الإيجابيَّةَ للمواجهة 0
3 – صيغةُ المبالغَةِ : ( فَرور ) ــ جاءت هذه الَّلَفظةُ في سياقِ الفِرارِ ؛ لِتُدلَّلَ على المبالغةِ في طلبِ الحياةِ والهروب من المواجهةِ الجادَّةِ 0
4 – المصدرُ المتعدِّدُ : يبدو هذا المصدرُ في الدَّوالِّ الآتية :
( الحذر – القدر – الصَّبر – الظَّفر – اِستقبال – الموت – اِستدبار – الطَّعن ) ، لقد جاءَ المصدر هنا متنوَّعًا بين الثُّلاثيِّ والسَّداسيِّ 0و العجيبُ أنَّ المصدرَ الثُّلاثيَّ شملَ مقدِّماتِ الحربِ ولوازمها ومختتمها،أمَّا المصدرُ السُّداسيُّ فقد اِنطوى على لحظَتَينِ مفارقتينِ ( المواجهة والفرار )0 0
د – الجموع :
يَرِدُ الجمعُ هنا على النَّحوِ الآتي :
- ( أسبــــــــاب – النُّحور – الأعجاز – الظُّهور – المنايا ) 0 جـــاءت هذه الجموعُ حاملةً مفرداتِ الحـــــربِ بدءًا من الأسباب والدَّوافعِ ، ومرورًا بضـــــرب النُّحور والظُّهور والأعجازِ ، وانتهاءً بحدوثِ المنايا ، وشمول بل جموع الموتِ 0
ه – صوتُ الرَّاءِ وصوتُ المعركةِ :
إنَّ هذا الصَّوتُ الرَّائيَّ - بصورتِه اللافتةٍ للنَّظَرِ مع دلالته الصَّوتيَّة التَّردُّديَّةِ – يعادلُ سياقَ الحربِ في ثنايا هذا المقطعِ النَّثريِّ ، مِمَّا يعكس طبيعة هذه الوجهة الحربيَّة والتَّحريض على القتالِ ، نلحظه مُشِعًّا في الدَّوالِّ ” الألفاظِ ” الآتيةِ : ( معشر – بكر – معذور – خير – فرور – الحذر – القدر – الصَّبْر – الظَّفر – اِستدباره – ثغر – النُّحور – الظُّهور – ) ، الملاحظُ هنا أنَّ الدَّوالَّ السَّابقةَ تبرزُ صوتَ الرَّاءِ التَّردُّديَّ المكرورِ الجهور ، وبروزُهُ بل ترديده يردِّدُ هنا صوت المعركةِ الممتدِّ الجهور 0
- استنتاج :
نستنتج من هذا النَّصِّ النَّثريِّ جملةً من الأبعاد الآتيةِ :
1 – النَّصُّ في إطارِهِ العامِّ يعبِّرُ عن الأسلوبِ النَّثريِّ الجاهلي والسجعيّ منه بوجهٍ خاصٍّ 0
2 – النَّصُّ في قصره أو إيجازه يمثِّلُ قدرةَ العربيِّ الجاهليِّ على الإبلاغِ بأقلِّ الكلمات 0
3 – النَّصُّ في صورتِهِ الأدبيَّة الكلِّيَّةِ لايميلُ كثيرًٍا إلى اِستخدامِ الخيالِ الموهمِ ؛ لأنَّه يواقع بيئتَه الجاهليَّة 0
4 – النَّصُّ في مضمونِهِ العامِّ دعوةٌ للحربِ بما يكتنزه من معاني القتالِ والمواجهةِ 0
5 – النَّصُّ في لُغتِهِ يعبرُ عن معجم بل لغةِ الجاهليِّ المسجوعةِ أو قريبة السَّجع ؛ نتيجةً لمعاصرتها لجمعٍ من الكُهَّان السَّاجعين 0 َ
6 – النَّصُّ في حركيَّته الإيجابيَّةِ قد اِعتمدَ كثيرًا على الأسماءِ ، عدا فعلين، الأوَّل : مضارع منفيٌّ ( لا ينجي )والآخر : أمرٌ ( قاتلوا)0
7 – النَّصُّ في رمزيَّتهِ الأدبيَّةِ يبدأُ بنداءٍ عامٍّ ( يا معشرَ ) ، وينتهي بنداءٍ خاصٍّ ( يا آلَ بكر ) ، وهذا أمرٌ منطقيُّ ؛ لأنَّه لن يستمرَ معه في الحربِ ويذودَ عن مقدَّراتِهِ بل مقدِّراتهم سوى المقرَّبينَ منه ، وهم قومه ” بنو بكرٍ ” 0
|