|
متميزة بعلم إجتماع المستوى السادس
|
رد: المجتمع العربي السعودي
المحاضرة الثالثة عشر
- يعني التصور النسق للإجرام والانحراف والجنوح بمعنى النظر على أن السلوك الإجرامي يتسم بالطابع الاجتماعي والإنساني , ويلزم هذا التصور من الناحية المنطقية أن يصدق على النسق الإجرامي كل ما يصدق على الأنساق الاجتماعية الأخرى المكونة للبناء الاجتماعي من ناحية سعي أفراده إلى المحافظة على ذاته في وجه التغيرات التي تطرأ على الظروف البيئية المحيطة به, وتحقيق التوازن فيه وقدراته على التلائم مع البيئات المحيطة به
` تعريف النسق الإجرامي هو: مجموعة من الأفعال الجانحة التي تأتيها العصابات أو غيرها من التجمعات الإجرامية
ولكي تتحقق لهذه المجموعة من الأفعال الجانحة صفة النسق أن تتوفر فيها الشروط التالية:
1- تجانس العناصر التي يتألف منها هذا السلوك , كالتجانس في الأنشطة الأساسية الذي بدورة حوله النسق الإجرامي , وفي الأساليب المستخدمة لتنفيذ هذا النسق , وفي اللغة الخاصة في إطاره , وفي التقليد والمعايير التي تحكم السلوك فيه والتخصص القائم في عملية التنفيذ , وبمقتضى ذلك يمكننا أن نحدد أنساقاً للسلوك الجانح في نطاق جنوح الأحداث فننظر إلى النشل , وإلى جمع أعقاب السجائر , وإلى سرقة الدراجات , على أن كلاً نسق سلوكي جانح يختلف في عناصره عن الأنساق السلوكية الأخرى
2- يربط بالتجانس في العناصر شرط أخر ينبغي أن يتحقق في النسق الإجرامي , وهو أن السلوك الإجرامي الذي يحدث في إطار كل نسق إجرامي وهو سلوك عام, يحدث بنفس الطريقة بالنسبة لإعداد كبيرة من الأشخاص , إذ تتماثل إلى أبعد حد الأساليب المستخدمة في تنفيذ هذا السلوك لديهم , كما تتشابه أهدافهم وقيمهم وتقاليدهم.
3- يرتبط بالتجانس والتماثل النظر إلى النسق الإجرامي ليس على أنه مجرد جمع لأفعال فردية يقوم بها الفرد , بل هو وحدة متكاملة تحوي بالإضافة إلى الأفعال الفردية – القوانين والقواعد والتقاليد السائدة في النسق , والروح الجماعية بين أعضائه , والعلاقات الاجتماعية بين من يسهمون في هذا النسق بشكل غير مباشر , أو بين هؤلاء وبين غيرهم ممن يتسم إسهامهم بالطابع في هذا النسق بشكل غير مباشر , فالنسق الإجرامي إذاً في جوهرة طريقة لحياة جماعية
4- يترتب على كل ما سبق ذكره النظر إلى النسق الإجرامي , على أنه نتاج لتفاعل اجتماعي يحدث على مستويات عديدة , بحيث لا يصبح لسلوك الفرد الجانح أي معنى إلا من حيث علاقة هذا السلوك بسلوك الآخرين ممن يسهمون في النسق .
5- كذلك يحوي النسق الإجرامي إلى جانب النشاط الأساسي الذي يعد المحور الذي يدور عليه النسق , أفعالاً أخرى جانحة تقوم بوظيفتها في تعزيز النشاط الأساسي
- والشروط السابقة تضع للنسق الإجرامي حدوداً في ضوء الانتماء بالعضوية المشتركة في حدود النسق , وفي ضوء القيم والمعايير المشتركة التي يلتزم بها أعضاء النسق
- بحيث يمكن القول بأن النسق الإجرامي يحافظ على حدوده طالما تحقق التكامل في هذا النسق , بواسطة وجود النسق القيم المشتركة به , ولهذا يستند التصور للسلوك الإجرامي والجانح على أنه نسق اجتماعي
- لأن بناءه الاجتماعي يحوي القواعد والمعايير التي تحدد الأوضاع والأدوار والمراكز الاجتماعية في الجماعة الإجرامية
- كما يحوي أداؤها الوظيفي من المناشط ما يحقق مواجهة الحاجات الاجتماعية لأعضائها وما يعمل على استقرارها واستمرارها وبقائها كجماعة
- مع العلم أن هناك عدة عوامل اجتماعية تستدعي بقاء النسق الإجرامي واستمراره ومن أهمها : تحقيق الحاجة الاجتماعية التي فشلت الأنساق التقليدية في المجتمع الأسري, التربوي , الاقتصادي...الخ.
- أن تقدمها لأعضاء العصابة , ذلك أن معظم أعضاء النسق الإجرامي يعانون من خبرات اجتماعية فاشلة : فمنهم من ينشأ في أسر متصدعة , أو يعتريها القصور في أدائها الوظيفي , ومنهم من فشل وظيفياً دراسياً , ومنهم ذو حاجة مادية , ومنهم من لا يجد وسيلة مجدية لقضاء وقت فراغه , ومنهم من نشأ في بيئة لا تتمسك بالقيم الدينية
- وهذه الخبرات تعكس عجز الأنساق التقليدية عن القيام بأدائها الوظيفي , مما يجعل الأحداث والشباب يواجهون مشكلات التكيف الاجتماعي بحل جماعي هو الانضمام لعصابة وتكوين نسق إجرامي يحقق لهم وظائف
- من أهمها: الطمأنينة وتحقيق الأمن من خلال الإحساس بالانتماء الوقوف معهم في وقت الأزمات تقديم المال والعطف منحهم المركز المتقدم والمكانة الاجتماعية المتميزة
حقيقة النسق الإجرامي في النسق السعودي
- لقد ثبت بما لا يدعي للشك وجود النسق الإجرامي من ضمن الأنساق الرئيسية المكونة للبناء الاجتماعي في المجتمع السعودي , فقد توصل كثير من الدراسات التي أجريت في المجتمع السعودي وحاولت تفسير ظاهرة الجنوح والجريمة في هذه الفترة المتغيرة إلى أن معظم مرتكبي الجرائم والانحرافات يرتبطون بعصابات إجرامية
- يميل أعضاؤها ويشيع عندهم ممارسة الأفعال الإجرامية والمحرمة , ولها دور مؤثر وقوي في دفع الفرد إلى الجنوح وانحراف السلوك , فقد تبين من دراسة شاملة لمركز أبحاث مكافحة الجريمة أجريت في إصلاحات الدمام والرياض والمدينة المنورةوجدة وشملت الدراسة أيضاً نزلاء دور الملاحظة الاجتماعية ورعاية الفتيات بالدمام وجدة والمدينة المنورة بأن (14.1%) من المحكوم عليهم بجرائم السرقة كان ورائهم جماعة إجرامية ( العصابة)
- وفي الدراسة التي أجريت على مرتكبي جرائم السكر والمخدرات والأخلاقيات والسرقة في إصلاحية الحائر بمدينة الرياض
- أتضح أن (20.6%) منهم ذكروا بصراحة أن العامل وراء ارتكابهم للجريمة هو انتماؤهم لجماعة من الرفاق المنحرفين والمجرمين , وفي البحث الذي تناول المحكوم عليهم بجرائم جنسية واجري في الإصلاحات المركزية بالمملكة , تبين أن جميع المجرمين الجنسيين يرتبطون بعصابات إجرامية , وان الغالبية منهم (59.5%) يميلون إلى الارتباط بجماعات ذات حجم كبير تضم أعداداً كثيرة من الأشخاص(ستة فأكثر) .
- وفي الدراسات التي أجريت على متعاطي المخدرات في إصلاحية الحائر بمدينة الرياض تبين أن (40%) من المتعاطين كان العامل الرئيسي وراء تعاطيهم للمخدر هو الانتماء لجماعة إجرامية يتعاطون المخدرات
- وأثبتت الدراسة الشاملة التي أجريت على الأحداث الجانحين في دور الملاحظة الاجتماعية ودور التوجيه الاجتماعي بالمملكة من قبل مركز أبحاث مكافحة الجريمة أن (90%) للجانحين جماعات إجرامية ويستبعد وجود عزلة اجتماعية في حياة الجانح
نشأة النسق الإجرامي في المجتمع السعودي
- لقد كانت العائلة في الفترة المستقرة السابقة محوراً للحياة الاجتماعية والاقتصادية , ويتسع نطاق إقامتها ليشمل وحدات زواجية متعددة , وبالتالي علاقات قرابية واسعة , فتكون العلاقات الاجتماعية للأفراد في تلك الفترة قائمة في معظمها في محيط النسق القرابي
- ومعنى هذا أن القرابة كانت في تلك الفترة هي أساس العلاقات الاجتماعية للأفراد مما يزيد من ضبط وسيطرة العائلة على سلوك الأولاد, وحصر علاقاتهم في دائرة ضيقة معروفة , وهذا مما يقوي الشعور الجمعي , ويعلي من شان القيم العائلية التي تقوم أساساً على قيم دينية واجتماعية وينشأ الفرد في هذا الإطار ولا يعرف أن هناك تقاليد أو قيم غيرها
- أهم القيم التي تحرص عليها العائلة في تلك الفترة قيمة " الطهارة الجنسية" حيث تلجأ العائلة بحكم سلطتها وسيطرتها على الفرد في تلك الفترة السابقة إلى تزويجه مبكراً , لأنه من الناحية الدينية يعد مرغوباً , بالإضافة إلى أن الزواج المبكر للولد يعد بمثابة اعترف عائلي بانتقال الابن من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرجولة
وانه قادر على تحمل المسؤوليات العائلية الكاملة وهذا مما يحقق وظيفة اجتماعية مهمة وهي "ضبط الحياة الجنسية "مما يقلل منالميل للجريمة بشكل عام , وخاصة الممارسات الجنسية المحرمة
- وفي الفترة المتغيرة من عام ( 1390هـ) عندما بدأ تنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية تغيرت بذلك المهن العائلية , وتوجه أعضاء العائلة إلى ممارسة أعمال مختلفة في آن واحد
- في حين كان أفراد العائلة الواحدة وأبناؤهم سابقاً يمارسون مهنة واحدة ويتعاونون فيما بينهم على أداء مهامها وواجباتها مثل الزراعة والرعي .
- وهذا يعني أن دائرة النسق القرابي في الفترة المتغيرة في المجتمع لم تعد محددة لعلاقات الأفراد والأبناء , فالفرد في هذه الفترة قد تكون له عدة علاقات من جهات مختلفة, فمثلاً قد تكون له علاقة مع الرفاق في المدارس كعضو في النسق التربوي , أو رفاق من ضمن العاملين في المهنة كعضو في النسق الاقتصادي
- أو علاقة مع أولاد الجيرة أو الحي كعضو في المجتمع المحلي , أو علاقة مع أفراد ينتسبون إلى مؤسسات ترويحية في المجتمع كالأندية والمراكز كعضو في النسق الترويحي , وهذا بدورة يؤدي إلى تضاؤل تفاعل الفرد داخل النسق العائلي و القرابي
- ولتعدد علاقات الفرد خارج نطاق النسق العائلي زاد ارتباط الأبناء في المجتمع وكثر اتصالهم بالزملاء والأصدقاء ومنحهم فرصة الاطلاع على نماذج مختلفة من السلوك
- فأصبح التشابه في التقاليد والقيم لم يعد واضحاً من قبل أعضاء العائلة الواحدة , فالملاحظ يلمس اختلافات كثيرة على أسس فردية بحتة , مثل تأخير وقت الزواج أو تقديمه , والحرية في اختيار مكان الإقامة والحرية في الهجرة أو السفر , وكذلك الحرية الفردية في اختيار الرفاق
- والنتيجة التي نخلص إليها أن الجماعة العائلية في تلك الفترة المستقرة هي التي كانت تحدد علاقة الأبناء , بينما منحت الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتغيرة الابن فرصة امتداد العلاقات الاجتماعية إلى جماعات متعددة غير الجماعة العائلية
- مما ترتب عليه صراع ثقافي في المجتمع عند بعض الأفراد من جراء تعدد الجماعات التي ينتمي إليها الفرد , وكان هذا الصراع والتناقض في السلوك يمنح فرصة لظهور نسق إجرامي في المجتمع.
- وقد أكد ظهور مثل هذا الصراع "العالمذورستن سيلين " عند صياغته لنظرية الصراع الثقافي التي افترض فيها أنه كلما أصبح البناء الثقافي أكثر تعقيداً
- ازداد عدد الجماعات المعيارية التي تمارس ضغوطاً على الفرد , وأصبح من الممكن أن تكون القواعد الخاصة بكل جماعة في خلاف وتعارض مع قواعد الجماعات الأخرى , وينشأ الصراع وفقاً لافتراضات " سيلين" نتيجة لعمليةالنمو الحضاري
- ونتيجة للانتقال من مجتمع متجانس يندر فيه الصراع بين الأفراد إلى بناء ثقافي غير متجانس , يتكون من مجموعة من المجموعات الاجتماعية ذات الاهتمامات المتصارعة , ويتسم أيضاً بضعف العلاقات الاجتماعية والشخصية بين أفراده واضطراب العادات والتقاليد وقواعد السلوك
- وفي ظل البناء الاجتماعي والثقافي المتغير يجد الكثير من الأفراد أنفسهم أمام أوضاع حياتية متعددة محكومة بعادات وتقاليد وقواعد سلوكية متصارعة , لذا فإن استجابة الفرد في هذه الأوضاع – بغض النظر عن نوعها – ستخالف القواعد السلوكية لجماعة معينة من الجماعات التي يتكون منها المجتمع المحلي المتغير
نشأة النسق الإجرامي في المجتمع السعودي
- لقد أشارت بعض الدراسات في المجتمع السعودي التي حاولت إبراز العلاقة بين ميل الفرد للانحراف وإجرام الرفاق عن وجود " عصابات " أو شلل من المجرمين تعد وحدات رئيسية في النسق الإجرامي , ولها خصائصها التي تميزها عن غيرها من الجماعات الاجتماعية والثقافية
- وتظهر الخصائص صوراً عديدة من التكيف الاجتماعي للفرد , حيث تبين أن المجرم أو الجانح يميل إلى مرافقة مستويات عمرية وتعليمية واقتصادية معينة , ويتميز الرفاق بثقافة خاصة, وتمنح هذه المستويات والمميزات سمات أساسية للعصابات الإجرامية والجانحة في المجتمع السعودي
- فقد تكاد تتفق الدراسات التي عنيت بهذا المجال على أن العصابة الإجرامية أو الجانحة في المجتمع تضم في الغالب أفراداً متجانسين في مستوى العمر, فكل فرد يرتاح لقرينة في العمر , ويشعر بالألفة لعشرته , وبالتوافق والانسجام عند التعامل معه.
- كذلك فإن معظم العصابات الجرائم تنتمي إلى مستويات تعليمية متدنية , وهم يتجانسون مع المجرم في المستوى التعليمي الذي يتميز أيضاً بمستوى متدن , بالإضافة إلى ذلك فإن معظم الجانحين والمجرمين يميلون للانضمام نحو جماعات يتميز أعضاؤها بمستوى اقتصادي متقدم بالنسبة لهم , أو على الأقل الانتماء إلى جماعات يتماثل أعضاؤها مع الوضع الاقتصادي للمجرم
- وعندما نتمعن في خصائص الجماعات الإجرامية في المجتمع سواء ما يختص بالسمات الاقتصادية أو بمستوى العمر أو بمستوى التعليم , نجد أنها تحقق عملية تكيف متبادل للأعضاء بسبب ندرة الاختلافات , إلى الحد الذي لا تصبح معه هذه الاختلافات ذات أهمية اجتماعية ملحوظة , فالتفاعل يحدث بين أعضاء متقاربين , نوعاً ما في المستوى الاقتصادي والمستوى التعليمي , ومستوى العمر.
- فقد ذكرت نتائج بعض الدراسات الإجرامية التي أجريت في المجتمع السعودي أن الجماعات الإجرامية لها سلوكيات وتصرفات ضد مبادئ أساسية في ثقافة المجتمع وهذا مما يساهم في ظهور صورة من التكيف مع بعضهم البعض بسبببعض عمليات التكيف التي من أهمهاالتشكيك في سلامة القواعد السلوكية المقررة
- فقد تبين أن " العصابة" الإجرامية أو المنحرفة لها خصائصها الثقافية التي تميزها عن غيرها من الجماعات السوية المقبولة , كما اتضح أن الغالبية من أعضاء العصابات لا يحافظون على أداء الصلاة ولا يهتمون بأسرهم وواليهم وهذا يبرهن على أن ثقافة الجماعة الإجرامية
- هي وليدة التعارض مع معايير المجتمع الرئيسية , وهاتان الخاصيتان تحققان وظيفة اجتماعية مهمة , لأنهما يواجهان حاجات الجماعة الإجرامية إلى التكامل , ويعني الحفاظ على تماسك الجماعة وصيانة التساند الذي يضمن ألا تخرج الجماعة عن مسارها وتتمزق , كذلك فإن ثقافة جماعة الرفاق في التعامل فيما بينهم تبتعد كثيراً عن المعايير والمبادئ والقيم الإسلامية.
- ويبدو من التحليل السابق أن العصابات الإجرامية أو الجانحة في المجتمع السعودي تكون في إطار ثقافي واحد وتنسجم أجزاؤه بعضها ببعض , مما يؤدي إلى الانفصال عن الجماعات الاجتماعية الأخرى في المجتمع , على أساس أن سماتها الاجتماعية والثقافية العامة تميزها بنظام عام مشترك وقيم مشتركة
- يساعد على ذلك غياب الأسرة وعدم انسجام الفرد معها ,مما يعطي بعداً انفعالياً عميقاً لظاهرة الشلة يدفع الفرد للانتماء والارتباط بالجماعة , ويقلل من تفاعله مع أسرته وهذا "ميكانيزم"أسس للتنشئة الاجتماعية لأفراد الجماعة الإجرامية التي يتم على ضوئها استدخال قيم ومعايير الجماعة في شخصية الفرد , والتي تعارض قيم ومبادئ اجتماعية ودينية في المجتمع
|