الفصل التاسع
روبنسون كروزو يكسب رفيقاً
ذات صباح رأيت خمسة قوارب كانو في جانبي من الجزيرة . عرفت أن خمسة أو ستة رجال أتوا في كل قارب . لم أرد أن أتعامل مع ثلاثين رجلاً تقريباً , وهكذا عدت إلى بيتي واستعددت أن أدافع عن نفسي في حالة وقوع هجوم . حين لم يحدث أي شيء أخذت بندقيتي ومرقابي وتسلقت التل لأرى ما يمكنني اكتشافه عن المجموعة .
رأيت أن هناك أقل من ثلاثين من المتوحشين وأنهم سبق وأشعلوا ناراً . كان لديهم سجينان في أحد قوارب الكانو . فكرت فقط بأنهما سيؤكلان بعد وهلة وجيزة . حتى بينما كنتُ أراقب , جُرَّ أحد السجناء من قارب الكانو وضُرب حتى فقد الوعي . على الفور بدأ اثنان من المتوحشين في قطع جسده بالسكاكين ويرمي قطع اللحم في وعاء فخار على النار .
في أثناء هذا تُرك السجين الآخر لوحده إلى أن يستعد المتوحشين لقتله أيضاً . رأى أن لديه فرصة للهرب وبدأ , بعد أن قفز خارجاً من قارب الكانو , يجري بسرعة الرمال باتجاهي . كنت خائفاً جداً في البداية في حالة إذا ما طورِدَ من قبل المتوحشين كلهم . لكن , حين نظرت ثانية , رأيت أن ثلاثة متوحسين فقط يلحقونه . قبل أن يستطيع الوصول إلى بيتي كان يجب عليه أن يعبر الخليج . فعل هذا بسهولة كبيرة فقد كان سباحاً جيداً . ما إن عبر النهر استمر في الجري في اتجاه بيتي . استطاع اثنان فقط أن يسبحا واستدار الثالث ومشى ببطء عائداً على طول الشاطئ . سبح الآخران عبر النهر بأبطأ من السجين الهارب حتى أنه ابتعد عنهما طيلةالوقت.
فيما كنت أراقب من التل خطرت ببالي فجأة فكرة . هذه هي فرصتي لا في إنقاذ الرجل المسكين فقط بل أن أكسب خادماً ورفيقاً أيضاً . نزلت إلى أسفل التل ووصلت إلى مكان بين السجين وملاحقيه الاثنين .
حين وصل إلي المتوحش الأول أسرعت إليه وطرحته أرضاً بنهاية بندقيتي . لم أرد أن أطلق النار منها , لو أمكنني هذا , حتى لا يسمع المتوحشون الآخرون الطلقة ويهاجمونني . مع هذا عندما أتى المتوحش الثاني كان لديه قوس وسهم . سحب قوسه ليطلقه علي , وهكذا لم يكن لدي أي اختيار سوى إطلاق النار عليه . أطلقت النار وقتلته على الفور .
خاف السجين المسكين من تجربته خوفاً شديداً إلى حد أنه وقف ساكناً . مع أنه رأى كلا عدويه يستقران على الأرض لم يتقدم ولم يرجع إلى الخلف . أشرت إليه ليقترب ففهم بسهولة . خطا بضع خطوات إلى الأمام ثم توقف ثانية . وقف مرتجفاً كأنه توقع أن أطلق النار عليه أيضاً . أشرت إليه كل إشارة تشجيع أمكنني التفكير فيها وابتسمت له . أخيراً تقدم مباشرة إلى وركع عند قدمي . قبّل الأرض أمامي وأخذ قدمي ووضعها على رأسه . أخذت هذه بأنها طريقته للقسم على أن يكون خادمي إلى الأبد .
حين رفعته على قدميه بدأ يتكلم إلي . لم أفهم كلمة مما كان يقوله , لكنه كان من السار جداً سماعه . كان الصوت البشري الأول الذي سمعته منذ خمسة وعشرين سنة .
بدأ المتوحش الأول الذي طرحته يستعيد قواه ويجلس معتدلاً . حين رأيت هذا سددت بندقيتي عليه كأنني سأطلق النار . أشار خادمي , كما سأدعوه الآن , إشارة لي . أراد السيف الذي تدلى من حزامي . حين أعطيته له جرى نحو عدوه وقطع رأسه وفصله عن جسمه . ثم وبابتسامة نصر جرى نحوي ووضع السيف ورأسه عند قدمي . لم يفهم كيف قتلت المتوحش الآخر من هذه المسافة . أشار إليه وأشار إشارات إلي بأن أسمح له بأن يذهب إليه . حين أتى إلى المتوحش بدا مرتبكاً جداً . أدار الجثة أولاً على جانب ثم على جانب آخر ونظر إلى الجرح الذي أصابته به البندقية . ثم جمع القوس والسهم وأعادهما إلي .
استدرت لأبتعد وأشرت إليه إشارات بأن يتبعني . لم أرد أن أكون قريباً حين يأتي المتوحشون الآخرون بحثاً عن الرجلين الميتين . أشار خادمي لي بأننا يجب أن ندفن الجثتين قبل أن نغادر . بدأ العمل بسرعة وحفر حفرة في الأرض بيديه وجر الجثة الأولى أولاً . غطاها نهائياً ثم بدأ في حفر حفرة ثانية . عمل بسرعة كبيرة حتى أنه أكمل عمله خلال ربع ساعة . ثم أخذته إلى الكهف الذي وجدته في النهاية الأقصى من الجزيرة .
هنا أعطيته بعض الخبز والزبيب وبعض الماء ليشربه . وجدت أنه كان جائعاً وعطشاً جداً . حين أنهى طعامه أشرت إلى بعض القش الذي له بطانية مفرودة على قمته . تمدد وسرعان ما نام . أظن أنه كان منهكاً تماماً من تجاربه .
فيما هو يتمدد نائماً أصبحت قادراً على أن أنظر إليه بإمعان أكثر . كان جيد البنيان والمظهر مع رجلين مستقيمتين وقويتين . افترضت أنه كان في حوالي السادسة والعشرين . كان شعره أسود وطويلاً , ليس مجعداً كصوف . كان وجهه مستديراً , وكان أنفه صغير لكنه سمين , وكان له فم جيد جداً بشفتين رفيعتين . كانت أسناه الرائعة جيدة الوضع وبِيض كعاج .
حين استيقظ بدأت أتكلم إليه وعلمته كيف يتكلم إلي . أولاً علمته أن يقول اسمه . دعوته جمعة باسم اليوم الذي أنقذته فيه . وعلمته أن يقول : " سيدي . " وتركته يعرف بأن ذلك سيكون اسمي . بقينا في الكهف طيلة الليل , لكن حالما حل النهار انطلقنا إلى بيتي . في طريق العودة مررنا بالمكان حيث كنا قد دفنا المتوحشين الاثنين . عمل جمعة كأنه يحفر مخرجاً الجثتين . بإشاراته بدا لي أنه يريد أن يأكلهما . غضبت غضباً شديداً وأخبرته أن يتقدم ويبتعد عنهما .
قبل الذهاب إلى البيت صعدنا إلى التل لنتأكد تماماً من أن المتوحشين كانو قد رحلوا . سحبت مرقابي وبحثت في الشاطئ مدققاً . لم تكن هناك أي إشارة لأي من المتوحشين أو قواربهم الكانو . لابد أنهك كانو قد ذهبوا دون أن يزعجوا أنفسهم بالبحث عن رفيقيم الاثنين .
هبطنا إلى الشاطئ وأتينا إلى المكان حيث كان المتوحشون . فيما أنا أبحث , غطس قلبي وارتجفت بما رأيت . كان الرمل أحمر من الدم وكانت العظام في كل مكان . وأخبرني جمعة بالإشارات بأنه كانت هناك معركة كبيرة بين قبيلته وقبيلة المتوحشين . كان هو أحد السجناء الذين أُخذوا خلال المعركة . أخذ المتوحشون سجناءهم إلى أماكن مختلفة ليُقتلوا ويؤكلوا .
عند العودة إلى البيت فصلت بعض الملابس لجمعة . عملت له بنطالاً ومعطفاً من جلد الماعز . وخطت له طاقية من جلد أرنب بري . سُرَّ سروراً عظيماً بهذه الملابس وسرعان ما تعلم كيف يرتديها ويتجول في الأنحاء وهو يرتديها .
في البداية نام في ملجأ أعددته له خارج السور الداخلي . أخذت السلم وكل البنادق إلى الداخل . لم يكن جمعة يستطيع الوصول إلي سوى بالتسلق فوق السور . كان هذا سيثير ما يكفي من الضجة لتوقظني . لكنني ما كان علي أن أقلق . ما كنت أردت خادماً أكثر حباً وإخلاصاً منه . كان سريعاً جداً في تعلم كيف يفهمني وأيضاً كيف يتكلم إلي . كان من السار جداً أن أجد شخصاً أتكلم إليه . بالمساعدة التي قدمها إلي جمعة أصبحت حياتي أسهل وأظن أنني كان يمكنني أن أقيم في الجزيرة إلى الأبد , لولا وجود المتوحشين .
أعتقد أن جمعة كان سيعبدني ويعبد البندقية لو سمحت له بهذا . فلبعض الوقت لم يكن ليلمس البندقية بل يتكلم إليها كأنها تجيبه . عرفت فيما بعد أنه كان يطلب من البندقية ألا تقتله .
يتبع ...