الفصل الثالث عشر
سفينة تصل إلى الجزيرة
كنت أتوقع رجوع الإسباني ووالد جمعة طيلة أسبوع حين حدث حادث غريب . كنت مستغرقاً في النوم في شبكة النوم في وقت مبكر من الصباح حين أتى جمعة يجري داخلاً وأيقظني .
صاح : " سيدي , سيدي , إنهم قادمون , إنهم قادمون ! "
قفزت واقفاً وجريت خارجاً حالما تمكن من ارتداء ملابسي . لم أتقف حتى لأخذ بندقيتي بل جريت إلى قمة التل ونظرت إلى البحر . رأيت قارباً يبحر نحو الشاطئ . لم يكن من الممكن أن يكون الإسباني يعود , لأنه لم يكن قادماً من اتجاه البر الرئيسي بل من نهاية الجزيرة الجنوبية . ناديت على جمعة وأخبرته أن يبقى إلى جانبي لأن هذا لم يكن القارب الذي كنا نتوقعه . على مسافة أبعد في البحر رأيت سفينة تستقر راسية . نظرت إليها من مرقابي وبدا لي أنه سفينة إنجليزية .
ملأتني رؤية هذه السفينة بالفرح لأنني كنت متيقناً من أنني سأجد أصدقاء على ظهرها . في الوقت نفسه أخبرني شيء ما بأن أكون حذراً . أي عمل يمكن أن يكون لسفينة انجليزية هنا ؟ عرفت أنهم لا يمكن أن يكونوا قد دُفعوا بعاصفة لأن الطقس كان هادئاً تماماً . ربما كانوا هنا لغرض شرير , لم أرد أن أسقط بين يدي لصوص وقتلة .
لم تمض مدة طويلة قبل أن يصل قاربهم إلى الشاطئ على بعد حوالي نصف ميل أعلى الساحل من بيتي . كان هناك أحد عشر رجلاً بدا أنهم إنجليز من مظهرهم . حين قفز الأربعة الأول من القارب أحضروا معهم ثلاثة رجال كسجناء . توقعت أن يُقتل السجناء في أي لحظة وتمنيت لو كان والد جمعة والإسباني لا زالا معي . حضر باقي الطاقم إلى الشاطئ وتفرقوا في اتجاهات مختلفة على طول الشاطئ وفي الغابة . جلس السجنء الثلاثة على الرمل وهم يبدون بلا أمل .
حين وصل القارب كان المد في أعلى ارتفاع له . بينما كان أفراد الطاقم يتجولون حول الشاطئ انحسر المد وغُرز قاربهم بثبات في الرمل . بعد أن حاولوا قدر الإمكان لم يستطع الطاقم تحريك القارب , وبعد وهلة تخلَّوا عن محاولة إعادته للبحر ثانية .
سمعت واحداً منهم يقول : " لنتركه وحده يا جاك , سيطفو في المد التالي . "
طيلة هذا الوقت كنت أراقب ما يحدث من جانب التل . كنت مسروراً من أن بيتي محمي حماية جيدة , لأن الطاقم كانوا سينتظرون عشر ساعات على الأقل قبل أن يطفو قاربهم مرة أخرى . في ذلك الوقت كان يمكنهم بسهولة أن يكتشفوا بيتي ويسرقوا ما لدي من بضاعة . عرفت أنه قبل أن يتمكنوا من المغادرة سيخيم الظلام , فيصبحون ي وضع غير مناسب لهم . خططت لمهاجمتهم عندئذٍ وبدأت أجهز بنادقي للقتال . فعلت هذا باهتمام أعظم مما فعلته عندما هزمت المتوحشين , لأن لدي نوع مختلف من العدو هذه المرة أتعامل معه .
بحلول الساعة الثانية بعد الظهر , أكثر ساعات النهار حرارة , كنت قد أنهيت الاستعداد للقتال . ذهبت لأرى ما إذا كانت هناك أية علامة للمجموعة . لأنني لم أر أي واحداً منهم , افترضت أنهم لابد أن يكونوا كلهم نائمين تحت الأشجار . ثم رأيت السجناء الثلاثة يجلسون تحت شجرة بعد حوال نصف ميل مني . قررت أن أصعد إليهم وأرى ما يمكنني اكتشافه . اقتربت منهم قدر الإمكان دون أن أرى .
صحت بصوت عال وأنا أخطو خارجاً من بين الشجيرات : " من أنتم أيها السادة ؟"
فزعوا من رنة صوتي لكنهم فزعوا أكثر عند ظهوري . لابد أنني بدوت منظراً غريباً بالنسبة إليهم بملابسي المألوفة من جلد الماعز . حدقوا فيَّ بأفواه فارغة . ظننت أنهم على وشك الهرب لذلك تحدثت إليهم بالإنجليزية .
قلت : " يا سادة , لا تندهشوا مني . ربما كنتم رأيتم فيّ صديقاً لم تتوقعونه . :"
أجاب واحد من السجناء : " لابد أنك أتيت من السماء مباشرة , فلا أحد في هذه الأرض يمكنه أن يساعدنا . "
قلت : " كل العون من السماء يا سيدي . قل لي ما هي متاعبكم ؟ رأيتكم حين رسوتم أول مرة ورأيت احداً من الآخرين في القارب يرفع سيفاً كأنه سيقتلكم . "
سأل واحد من السجناء , والدموع تسيل هابطة على وجنتيه : " هل أنا أتكلم إلى إله أو إلى رجل ؟ هل أنت رجل أم ملاك ؟ "
أجبيت : " لا تخف . لو نت إلهاً أو ملاكاً أُرسل لمساعدتكم لجئت مرتدياً ملابسعلى نحو أفضل مما أبدو الآن . أنا رجل , رجل انجليزي , راغب في مساعدتكم , لكن أولاً أريد أن تخبروني كيف أصبحتم سجناء هنا ؟ "
كان الجواب : " وضعنا هو هذا يا سيدي . كنت قبطان السفينة التي تراها راسية في البحر . تمرد رجالي ضدي وكانوا في البداية سيقتلوني . ثم غيروا رأيهم وأحضروني إلى الشاطئ مع اثنين آخرين وهم ينوون تركنا هنا . ظنوا أن الجزيرة غير مأهولة وتوقعوا أننا سنموت هنا لحاجتنا إلى الماء والطعام . "
سألت : " أين الآخرون من السفينة ؟ "
أجاب القبطان مشيراً إلى الأشجار : " إنهم هناك يا سيدي . يجب ألا نتكلم بصوت جداً أو إننا سنوقظهم فيأتون ويقتلوننا كلنا . "
" هل لديهم أي بنادق ؟ "
" فقط اثنتان , وتركوا واحدة منهما في القارب " . حين سألت القبطان عما إذا كان يجب أن نأخذهم كسجناء أو نقتلهم وهم ينامون , أجاب بأنه يريد أن يأسرهم أحياء . اثنان فقط كانا خطرين , واعتقد القبطان أن ذلكما الاثنان إذا أُسرا ورُبطا , فإن البقية سيعودون إلى واجباتهم . لكي لا نُسمع انتقلنا إلى الخلف في الغابة بعيداً عن الرجال النائمين . حين كنا على مسافة آمنة تكلمت إلى القبطان . بدأت : " الآن يا سيدي , إذا أنقذتك , هل أنت موافق على القبول بشروطي ؟ لدي شرطان فقط . الأول هو أنكم بينما تقيمون في هذه الجزيرة ستطيعون الأوامر التي أُصدرها إليكم . إذا أعطيتكم بندقية , فلا تؤذونني أو تؤذوا ممتلكاتي . الشرط الثاني هو أنك إذا استعدت سفينتك ستأخذني وخادمي جمعة إلى إنجلترا . "
أجابني بأنه , وهو يدين بحياته ويظل مديناً لي طالما بقي على قيد الحياة , سيقبل شروطي . حين رضيت بأجوبته أعطيته ثلاثة بنادق خردق جاهزة لإطلاق النار .
قلت : " الآن وقد أصبحت مسلحاً , أخبرني بما يجب أن نفعله بأولئك المتمردين ؟ "
أجاب القبطان : " هناك رجلان يجب ألا نسمح لهم بالهرب في أي حال من الأحوال . إذا فعلنا هذا فإنهما سيعودان إلى السفينة مباشرة ويحضروا باقي الطاقم ليدمرونا كلنا . "
فيما نحن نتكلم استيقظ متمردان ووقفا . بعد أن نظرا حولهما لدقيقة من الزمن أو اثنتين لدآ يتجولان بعيداً داخل الغابة .
سألت القبطان : " هل ذلكما هما الاثنان الخطران ؟ "
أجاب بأنهما لم يكونا كذلك وأن الاثنين الذين نريدهما ما زالا نائمين . أخذ بنادقه الخردق وأعطى بندقية لكل من رفيقيه وبعدئذ سلكا طريقه نحو الرجال النائمين . فيما هم يمشون نحوهم أطلق أحد أفراد المجموعة ضجة . استيقظ أحد النائمين ورأى القبطان ورجاله قادمين . نادى بصوت عال ليوقظ رفيقه , لكن الفرصة فاتت . حتى وهو يصيح بصوت عال أطلق القبطان ورفاقه النار . صوبوا تصويباً جيداً جداً حتى أن كلا قائدي التمرد أصيبا . قُتل أحدهما على الفور وجرح الآخر جرحاً خطيراً .
بدأ الجريح في النداء بصوت عال طلباً للعون . أخبره القبطان بأن الأوان فاته جداً على طلب العون ونصحه أن يطلب من الله أن يصفح عنه . ثم ضربه القبطان بمؤخرة بندقية الخردق على رأسه فلم يتكلم ثانية .
عندئذٍ كان البحاران اللذان تجولا بعيداً داخل الغابة قد عادا وطلبا من القبطان أن يبقي على حياتيهما . على هذا وافق إذا وعدا أن يكونا مخلصين له في المستقبل . جعلهما يعدان أيضاً بأنهم سيساعدانه على العودة إلى السفينة وإبحارها إلى جامايكا . استدار القبطان إلي وسأل ما إذا كنت راغباً في أن يبقي على حياتيهما .
أجبت : " يمكنك أن تبقي على حياتيهما , لكن يجب أن تربط أيديهما وقدميهما أثناء بقاهما في الجزيرة . "
أرسلت جمعة مع أحد رفيقي القبطان إلى قارب المتمردين ليحضر الشراع والمجذافين . في أثناء هذا عاد ثلاثة من أفراد الطاقم , الذين كانوا يتجولون في جزء مختلف من الجزيرة خلال القتال . حين رأوا بأن القبطان كان الآن السيد , استسلما وطلبا الرحمة . ربط جمعة أيديهم وأقدامهم ووضعهم مع السجناء الآخرين.
كنا الآن قد فزنا بالكامل ..
يتبع...