المحاضرة الرابعة
ضعف العالم الإسلامي
عناصر المحاضرة
•مقدمة
•ضعف العالم الإسلامي .
•عوامل ضعف العالم الإسلامي .
•1- الغزو المغولي ( التتري ) .
•2- موقف اليهود من الإسلام .
• 3- الحركة الصهيونية .
•4- الحروب الصليبية
ضعف العالم الإسلامي
واجه الإسلامكثيراً من التحديات من أول ظهوره ، وتعرض لكثير منها – داخلية وخارجية – أثناء مسيرته ، ولكنه بقى واستمر وانتشر ، وظل ينتشر حتى يومنا هذا ، فالإسلام في الوقت الحاضر جبهة عريضة زاحفة ، وما استطاعت الأزمات والمصاعب أن تقضي عليه ، وإنما تغلب عليها كلها رغم ما أصابه وأصاب أهله من جراح ، واستمر الحال كذلك إلى أن دخل الوهن والزيغ إلى قلوب المسلمين ، فتغيرت أحوالهم وأصابهم الضعف ، وانتقل الإسلام وأهله من مواقع القيادة والريادة إلى موضع التبعية والهوان ، وكان وراء ذلك كله عوامل داخلية وخارجية ، أثرت على نقل العالم الإسلامي من ماضيه التليد إلى حاضره الأليم .
عوامل ضعف العالم الإسلامي :
هناك خلاف وجدل بين المفكرين المسلمين ، والمهتمين بأمر الأمة الإسلامية ، حول تحديد الأسباب التي أدت إلى تأخر المسلمين وضعفهم ، فقد رد أصحاب الدعوات والحركات الإصلاحية السلفية سبب تأخر المسلمين إلى ابتعادهم عن تعاليم دينهم الصحيحة ، وشيوع البدع والضلالات بينهم ، ثم إلى تشتتهم إلى فرق تصارع وتنازع بعضها بعضاً ، فتبددت طاقتهم المادية والفكرية ، وتمكن منهم عدوهم ... ويرى أصحاب هذا الرأي( الحلول) أن الرجوع بالإسلام إلى ماضيه التليد لن يكون إلا بالرجوع إلى صفاء الإسلام الأول ، وذلك لن يكون إلا بتنقية الدين من البدع والشوائب التي ألمت به ، وباعدت بين المسلمين وبين جوهر الدين الصحيح .
أما عن أصحاب الاتجاهات الحديثة في التجديد الإسلامي ، فقد أشار جمال الدين الأفغاني ، والشيخ محمد عبده أن سبب تأخر المسلمين يرجع إلى عزوفهم عن الأخذ بالمفيد من أساليب الحضارة الغربية ، وبالذات بالجانب التقني منها مع النهي والبعد في نفس الوقت عن التقليد الأعمى للغرب وحضارته ، خاصة في جوانبها الفكرية والثقافية .
أما الرأي الآخر الذي لا يمثل وجهة النظر الإسلامية الصحيحة فهو ما قال بهبعض العلمانيين ممن يزعمون أنهم من مسلمين ونصارى العرب أن سبب تأخر المسلمين راجع إلى التعصب الديني ، وإلى عدم مواكبة الإسلام لروح العصر ، وغير ذلك من الترهات والأباطيل التي لا يرضاها مسلم غيور على دينه .
أما الأمير شكيبأرسلان ، الذي يمثل رأي الحادبين على مصلحة الإسلام والمسلمين فيُرجع تأخر المسلمين إلى أسباب عدة ، مثل الجهل والعلم الناقص ، وعدم الفهم الصحيح لمبادئ الإسلام ، والتخلق بأخلاقه السمحة ، ثم كذلك ضياع الإسلام بين الجامدين من علمائه ، والجاحدين عليه ... وهناك آخرون يعددون أسباباً أخرى بعضها سياسي ، مثل الانقسام السياسي لدولة الإسلام ، وبعضها أخلاقي تربوي ، مثل غياب حرية الفكر ، وتعميم المعرفة .
وكل هذه العوامل التي عددها أولئك الباحثون هي في الواقع عوامل داخلية ، ولعل معظمها ينحصر في ضعف التمسك بالعقيدة الإسلامية ، الأمر الذي أفقد المسلمين عنصر من عناصر وحدتهم وريادتهم ، وجعلهم يجهلون ثوابت عقيدتهم الإسلامية ، التي بها ساد المسلمون الأولون ، فتخلى بعض المسلمون اليوم عن الحكم بما أنزل الله ، وطبقوا الشرائع المدنية الوضعية بدلاً عن شرعهم الإسلامي ، فساد الاضطراب ، وفسدت الحياة ، فوقعت المجتمعات الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها تحت سيطرة أعداء الإسلام ، الذين عملوا على زيادة تشتت المسلمين وبث الأفكار الباطلة والهدامة بينهم ، فتصدع البنيان الإسلامي ، وتفرق المسلمون طوائف ونحلاً متفرقة متنافرة متحاربة .
1- الغزو المغولي ( التتري ) :
وما أدى إليه من تفكك الخلافة الإسلامية ، خاصة وأن تلك الخلافة كانت قد شهدت انقساماً سياسياً حاداً ، فقد شهد القرن الرابع الهجري /العاشر الميلادي , ظهور ثلاثة خلفاء في العالم الإسلامي : الخليفة العباسي في بغداد ، والخليفة الفاطمي في مصر ، والخليفة الأموي في الأندلس ، فكان أن تصدعت الوحدة الإسلامية ، فضعف العالم الإسلامي في مواجهة أعدائه ، ومن أولئك المغول والصليبين..
.. وكانت أحوال الخلافة العباسية من الضعف بمكان بحيث استطاع هولاكو الوصول إلى بغداد عاصمة دار الإسلام ، فأحدث فيها الخراب والدمار ، منهياً بذلك الخلافة العباسي في بغداد ، ثم تقدم نحو الشام ، فأحدث فيها ما فعله في العراق ، فسقطت له دمشق في عام 657 هـ ، واشتركت معه فرق نصرانية أرمنية ، وأفرنجية حباً في التشفي والانتقام من المسلمين ، فنظموا مواكب عامة ، وحملوا الصلبان ، وأخذوا يذمون الإسلام وأهله ، وأجبروا المسلمين على أن يقفوا احتراماً لمواكبهم ، وبلغ بهم الحد أن شربوا الخمر في رمضان ، ورشوه على ثياب المسلمين في الطرقات ، وهكذا ذُل الإسلام وأهله على أيدي المغول وحلفائهم النصارى حتى قيض الله للمسلمين المماليك في مصر الذين استطاعوا الوقوف أمام هذا الخطر ، وردوا المغول على أعقابهم ، فهزموا جحافلهم في معركة عين جالوت عام 658 هـ / 1260 م ، بعد أن كان المغول قد أسهموا في ضعف العالم الإسلامي وفي إنهاكه .
2- موقف اليهود من الإسلام:
فهناك عوامل تعود في أصلها إلى اليهود وموقفهم العدائي من الإسلام منذ ظهوره وحتى يومنا هذا ، وعدائهم للإسلام ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة ، بل في الجزيرة العربية كلها ، أمر تزخر به كتب السيرة والتاريخ ، فهناك مؤامراتهم ضد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ومحاولاتهم وقف الدعوة الإسلامية ، ببث الفرقة والخلاف بين المسلمين من جهة ، وبينه وبين أهل المدينة من جهة أخرى ، ثم نقضهم للعهود المبرمة معهم ، والصد عن الإسلام بشتى الوسائل .. بل إن عداءهم للإسلام وأهله استمر حتى عصرنا هذا ، وتمثل في موقفهم ودورهم في إسقاط الخلافة العثمانية ( كما يرى البعض ) ، وكذلك في الحركة الصهيونية ، وما قامت به من استلاب لأراضي فلسطين ، وتشريد أهلها ، ثم ماتقومبه من اعتداءات على الدول العربية والإسلامية المجاورة ، وعلى الحركات الإسلامية في تلك البلاد .
3- الحركة الصهيونية:
وتشكلت هذه الحركة التي تهدف إلى تجميع يهود العالم في كيان صهيوني في فلسطين استناداً على مزاعم دينية وتاريخية باطلة . وعلى استلاب الأراضي العربية لإقامة دولتها الكبرى التي تمتد من الفرات إلى النيل . تشكل تحدياً رئيسياً للإسلام والمسلمين ، لا يقل عن التحدي الصليبي الذي واجهه المسلمون ، ولا يزالوا يواجهونه حتى اليوم .
ويتمثل الخطر الصهيوني في ارتباط الصهيونية بالاستعمار . وتعاونها معهم بغرض تمزيق وحدة العرب والمسلمين ، والحيلولة دون وحدة العالم الإسلامي بالفصل بين قارتي آسيا وأفريقيا .. وكذلك محاولة إتمام الغزو الثقافي للعالم الإسلامي بتدمير كل قيمه وأنظمته وأخلاقه ، وإحلال أسلوب الإلحاد والإباحية والتسلط ، ثم بثها للفكر الماسوني المرتبط بها ، وذلك في محاولة لتدمير الدين. وللتنفيذ ما جاء في التوراة المحرفة من إقامة دولة إسرائيل الكبرى ، وفرض الهيمنة اليهودية والماسونية من أشد الأخطار التي يواجهها العالم الإسلامي اليوم ، إذ أنها تعمل في الخفاء ، وتبث سمومها بين أبناء المسلمين بأساليب ماكرة ملتوية قد لا يدركها الكثير من شباب المسلمين المثقف .
4- الحروب الصليبية:
وهي إحدى مظاهر عداء الغرب الصليبي للإسلام وأهله ، ولعلها التحدي الأكبر والذي واجهه العالم الإسلامي في القرون الوسطى ، والذي استغل ظروف الانقسام التي كان يمر بها ، فحاولت زرع كيان صليبي غريب في قلب ذلك العالم ، فكانت أول تجربة للاستعمار الغربي الحديث في الأراضي الإسلامية المقدسة ، فانتزعت بعض أراضيه وأقامت فيه ممالكها وإماراتها الصليبية ، وأدخلت ذلك الجزء من عالم الإسلام في دوامة حروب وصراع استنفذ جهوده ، وموارده الاقتصادية والبشرية ، مما أدى إلى الانهيار الذي تعرض له في أواخر القرون الوسطى .
وكانت الحروب الصليبية ( سنة 1099 م – سنة 1254 م ) في حقيقتها وسيلة لاستعمار الشرق الإسلامي والقضاء على الإسلام تحت شعار الدين ، وقد سبقها تمزق الوجود الإسلامي في الأندلس ، وتفرق حكامه ، ورجحان كافة الحكام النصارى عليهم ، وبدأت حروب الإسلام وأهله في حروب صليبية لا تقل شراسة عن الحملات الصليبية التي ستتوجه إلى الأراضي المقدسة في فلسطين ، وبدأت عمليات تفتيت المسلمين مادياً ومعنوياً بصورة بطيئة ، مع تجردهم بصورة مستمرة من مصادر قوتهم .. وتم عزل الأندلس عن قاعدته في المغرب الإسلامي ، ولكنه بالرغم من ذلك بقي يقاوم على مدى قرون عديدة ، إلى أن سقطت غرناطة آخر معاقل المسلمين عام 897 هـ / 1492 م بيد فرديناند وإيزابيلا ، فاغتصبت أرض الأندلس الإسلامية وأزيل الوجود الإسلامي منها تماماً وبشتى السبل ، وقد عانى المسلمون فيها معاناة قاسية ،
كما عانى إخوانهم في المشرق عندما تدفقت عليه جموع الصليبيين ، فاستولوا على عاصمة الأتراك السلاجقة المسلمين في نيقية سنة 491 هـ / 1097 م وكونوا في بلاد الشام ، وآسيا الصغرى ، إمارة الرها ، إمارة إنطاكية وإمارة طرابلس ، ومملكة بيت المقدس اللاتينية عام 492 هـ / 1098 م ، وضرب الصليبيون آنذاك مثالاُ للحقد على الإسلام والمسلمين ، فاتسم الغزو بروح التعصب ، والانتقام ، فقد سفكوا دماء المسلمين في الرها ، وإنطاكية ، وطرابلس ، وبيت المقدس ، ومن ذلك سفك دماء حوالي سبعين ألف مسلم أو يزيد في ساحة المسجد الأقصى من العلماء ، والطلاب والعباد ، والزهاد، وعملوا مثل ذلك في مدن المسلمين التي اجتاحوها ، ففي (( المعرة )) قتلوا جميع من كان فيها من المسلمين اللاجئين إلى الجوامع ، فأهلكوا ما يزيد عن مائة ألف إنسان في أكثر الروايات .
وهكذا استطاعت الحروب الصليبية التي استمرت قرنين في المشرق ، استنزاف جميع القوى البشرية ، والمادية في منطقة الشام ومصر ، فضعفت أوضاع المسلمين الاقتصادية ، وتناقصت الثروة ، بالإضافة إلى الخراب والدمار الذي حل بالمسلمين وبخاصة في الشام ، ومصر ، وآسيا الصغرى ، وتونس ، والأندلس ، كما أن تلك الحروب كانت مقدمة للاستعمار الأوروبي الحديث ، ولكل ما نتج عن ذلك الاستعمار من آثار سلبية في كل أنحاء العالم الإسلامي ثقافياً ، وسياسياً ، واقتصادياً ، واجتماعيا **ً .