المحاضرة الثامنة
صراع المسلمين ضد الكفار بعد غزوة أحد ومعركة الأحزاب (الخندق)
الفهرس
أولاً: بعث الرجيع
ثانياً: موقعة بئر معونة
ثالثاً: خروج النبي صلى الله عليه وسلم الى بدر
رابعاً: غزوة ذات الرقاع
خامساً: معركة الأحزاب(الخندق)
وجدت الوثنية العربية فرصتها للانتقام من المسلمين في أعقاب هزيمتهم في أحد وراحت توجه إليهم الضربات الغادرة كلما تمكنت منها، متجاوزة في ذلك أعرافها وقيمها الجاهلية التي درجت عليها مئات السنين.
أولاً: بعث الرجيع : ( صفر من السنة 4هـ ) .
بعد وقت قصير من عودة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أحد قدم عليه وفد من قبيلتي " عضل " و ” القارة " في صفر، وقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاماً فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام.
فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم سبعة من أصحابه هم : مرثد بن أبي مرثد، خالد بن أبي البكر، متعب بن عبيد، عاصم بن ثابت، خبيب بن عدي، زيد بن الدثنة، عبد الله بن طارق.
وأمَّر عليهم مرثد بن أبي مرثد، فانطلق الدعاة حتى إذا بلغوا ماء الرجيع بين عسفان ومكة، حيث تقطن بنو هذيل، غدر بهم عضل والقارة، فشهروا عليهم السيوف ثم قالوا لهم: إنا لا نريد قتلكم ولكن نريد أن نصيب بكم مالاً من أهل مكة، فأما خالد ومرثد و عاصم ومتعب فإنهم قالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا ميثاقا فانطلقوا يقاتلون حتى قتلوا.
وأما الثلاثة الباقون فإن هذيل أسرتهم وحملتهم إلى مكة لتبيعهم بها، فقتلوا ابن طارق في الطريق لأنه حاول أن يتمرد عليهم.
واقتيد زيد إلى مكة وخبيب، فأما زيد فقد ابتاعه صفوان بن أمية ليقتلة ثأراً لأبية أمية بن خلف، فأخذوه إلى مكان خارج مكة فقتلوه.
ثم خرجوا بخبيب إلى نفس المكان ليصلبوه فسألهم أن يمنحوه فرصة يركع فيها ركعتين، فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: والله لولا أن تظنوا أني إنما طولت جزعاً من القتل لاستكثرت من الصلاة. فكان خبيب أول من سن ركعتي القتل عند المسلمين.
ثانياً: وقعة بئر معونة : -
في صفر من نفس العام، قدم أبو براء، عامر بن مالك الملقب بملاعب الأسنة على رسول الله في المدينة، فعرض عليه الرسول الإسلام فلم يسلم، ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا محمد لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك، وقد ضمن أبو براء سلامة هؤلاء الدعاة فقال: أنا جار لهم فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك.
اختار النبي صلى الله عليه وسلم أربعين من أصحابه وجعل عليهم المنذر بن عمرو، حتى نزلوا من بئر معونة قريباً من ديار بني عامر، وتقدم حرام بن ملحان، بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زعيم القوم، عامر بن الطفيل
لكن عامرا، ما أن نظر في الكتاب حتى عدا على حرام فضربه برمح في جنبه خرج من الشق الآخر، وهو ينادي: فزت ورب الكعبة، ثم استصرخ عليهم بني عامر فلم يجيبوه، التزاما بجوار أبي براء، فاستصرخ لهم بقبائل سليم المجاورة، فأجابوه، وأحاطوا بالدعاة وهم في رحالهم، فهرعوا إلى سيوفهم وقاتلوا القوم قتالاً مريراً، حتى استشهدوا جميعاً، باستثناء كعب بن زيد فقد انسحب جريحاً من المجزرة، وتمكن من الوصول إلى المدينة حيث قتل شهيداً في الخندق.
ثالثاً: خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر : -
وفي ذي القعدة من السنة الرابعة للهجرة، حل الموعد الذي ضربه المسلمون مع أبي سفيان للقاء جديد في بدر، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هناك على رأس ألف وخمسمائة من أصحابه، وأقام ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان، الذي كان قد غادر مكة على رأس مقاتليها، وعند ما بلغ مر الظهران، بدأت تتناوشه المخاوف من لقاء المسلمين، وأخذ يفكر بالرجوع قائلاً: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر وتشربون اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا، فقفلوا عائدين إلى مكة .
.
وعندما أيقن النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان قد نكل عن الموعد عاد إلى المدينة، وقد حقق نصراً معنوياً ضد قريش، كما عزز مكانة المسلمين في الصحراء بعدما تعرضت له من تأرجح في أعقاب أحد.
وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم في أعقاب ذلك صوب قبائل نجد رداً على ما لحق بدعاته في مأساتي، الرجيع وبئر معونة، فيما سمي بذات الرقاع: بسبب الحجارة التى أوهنت أقدامهم فشدوا عليها رقاعاً، وربما لوجود جبل هناك بهذا الاسم. إلا أن غطفان كبرى قبائل نجد جمعت للرسول صلى الله عليه وسلم جمعاً عظيماً، وعندما تقارب الطرفان، رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه من المجازفة الاشتباك مع قوات تفوق المسلمين أضعافا مضاعفة فقفل عائداً إلى المدينة.
رابعاً: معركة الخندق : -
أسبابها : -
عندما بدأت الهزائم تحدق باليهود، لا سيما بعد إجلاء بني النضير، رأى هؤلاء أن يتحركوا بوجه السرعة لتوجيه ضربة قاصمة للدولة الإسلامية قبل أن يشتد ساعدها.
وأدركوا أن استثارة قريش وحدها ضد المسلمين أمر غير مضمون العواقب وإن انفراد كل قوة وثنية لوحدها في مواجهة المسلمين، سوف يمكن المسلمين من تصفيتها واحدة بعد الأخرى، فلا بدا إذن أن تتجمع القوى الوثنية كلها بزعامة قريش وتتحرك لاستئصال شأفة الإسلام ومن ورائها مكر اليهود وأموالهم.
خرج خمسة من زعماء اليهود وهم: سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب (من بني النضير) وأبو عمار، وهوذا بن قيس (من بني وائل) وقدموا إلى مكة واتصلوا بقادة قريش ودعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا لهم إنا سنكون معكم حتى نستأصله، فاستجابت قريش لهذا العرض وخاصة أنهم كانوا يعانون من الحصار الاقتصادي الذي فرضه المسلمون عليهم.
ثم انطلق هؤلاء النفر الخمسة إلى غطفان ودعوهم إلى حرب المسلمين لقاء إعطائهم تمر خيبر مدة سنة، وأخبروهم بأنهم سيكونون معهم وأن قريشاً قد أعدت العدة لهذا الأمر، وكذلك فعل اليهود مع عدد من القبائل اليهودية الأخرى.
ك
بداية المعركة : -
انطلقت الأحزاب الوثنية البالغ عددها عشرة آلاف مقاتل صوب المدينة (قريش وأحلافها من بنى كنانة وأهل تهامة والأحابيش يقودها أبو سفيان بن حرب) وغطفان يقودها عيينة بن حصن الفراري، وبنو مرة يقودها الحارث بن عوف وأشجع يقودها مسعود بن رخيلة.
وما أن سمع النبي صلى الله عليه وسلم بأنباء التحرك الخطير حتى بدأ يخطط لصد أكبر هجوم على الإسلام منذ مولد الدعوة الإسلامية، فاستشار أصحابه. فأشار سلمان الفارسي إلى ضرورة وضع خندق للمدينة من الجهة الشمالية لأنها هي المنفذ الوحيد الذي يستطيع الكفار من خلاله الدخول للمدينة ففي الشرق والغرب حرار وفي الجنوب أشجار ونخيل كثيفة ليس من السهل الدخول
من خلالها.
فاقتنع الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الفكرة فعمل مع أصحابه على حفر الخندق. فقسم الرسول أصحابه إلى مجموعات كل منها تتكون من عشرة أشخاص كلفوا بحفر أربعين ذراعاً. وأسهم عليه الصلاة والسلام بنفسه في حفر ذلك الخندق الذي استغرق العمل فيه ستة أيام متواصلة وبلغ طوله اثني عشر ألف ذراع.
ثم بعد ذلك عسكر عليه الصلاة والسلام بثلاثة آلاف مقاتل وراء الخندق جاعلاً ظهورهم إلى جبل سلع، ثم وزع النساء والأطفال في القلاع الحصينة كي يتمكن المسلمون من التحرك بسهولة ويسر إذا حدث وتسرب المشركون إلى الداخل.
كما شكل كتائب من أصحابه أمرها بأن تعسكر في جهات المدينة الأخرى لاسيما وأن هنالك مناطق في الشرق والغرب والجنوب يمكن اجتيازها دون عناء كبير، كما شكل جماعات أخرى تتجول في المدينة لحراستها من غدرات اليهود وتُظهر التكبير من أجل رفع معنويات أهلها، وأسهم بنفسه في حراسة الخندق أسوة بأصحابه فكان يبيت منفرداً في بعض الأحيان خشية أن يتسلل منه المشركون.
خريطة توضيحية للخندق
وصول قريش وحلفاؤها : -
أقبلت قوات الأحزاب البالغة حوالي عشرة آلاف مقاتل وعسكرت قريباً من المدينة في الجهات الممتدة شمالاً، وسرعان ما فوجئوا بالخندق وقد سد عليها الطريق إلى المدينة. فقرروا أن يضربوا الحصار على المسلمين.
استمر الحصار قرابة الشهر، بدايته كانت في شوال ونهايته في اليوم السابع من ذي القعدة من السنة الخامسة للهجرة.
حاولت قريش أن تتسلل من الخندق إلى داخل المدينة إلا أن المسلمين كانوا بالمرصاد لمن تسول له نفسه اقتحام هذا الخندق، فكل المحاولات باءت بالفشل. أيضاً حاول النبي صلى الله عليه وسلم أن يفتت جبهة الأحزاب، وكان من حسن
الحظ أن يوجد بين صفوف المسلمين رجلاً حديث عهد بالإسلام هو: ( نعيم بن مسعود) فعرض خدماته على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له إن استطعت أن تخذل عنا القوم فافعل.
وبالفعل تمكن نعيم بن مسعود من زرع بذور الفرقة بين كفار قريش وبين (بني قريظة )، فتصدع ذلك التحزب وذلك التجمع الذي تقوده قريش وحلفاءها.
ثم ما لبث أن جاء نصر الله العظيم متمثلاً في رياح شتائية شديدة البرودة سلطها الله سجانه وتعالى على معسكرات المشركين فراحت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم وتنزع خيامهم, فلم يعد يقر لهم معها قرار.
ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان ليأتيه بخبر القوم.
فرجع حذيفة ومعه خبر اندحار المشركين ورحيلهم بعد أن لعبت فيهم الرياح وشتتهم ومزقتهم شر ممزق.
نتيجة المعركة :
لاشك أن ارتداد الأحزاب عن المدينة يعد نصراً عظيماً للمسلمين، وقد كان له أثر كبير فيما بعد من رفعة وعزة للإسلام والمسلمين وانتشار لقوته ودعوته.
فأصبح العرب المتربصين والأعداء المنافقين في المدينة يرون في هذه النتيجة دلالة النصر الرباني والقوة المعنوية العظيمة. فوقفوا عند حدهم, ولم يفكر
المكيون فيما بعد بمتابعة عدوانهم, ولم يعد بالإمكان بعد هذا اليوم أن يجتمع خصوم المدينة على هذه الصورة، ثم أصبحت قريش تشك في ولاء القبائل العربية كما أصبحت القبائل نفسها تشك في قدرة قريش وفي إمكانها التغلب على المسلمين.