المحاضرة التاسعة
غزوة بني قريظة - غزوة بني المصطلق-
حادثة الافك - صلح الحديبية - مكاتبة الملوك والأمراء
الفهرس
أولاً: غزوة بني قريظة
ثانياً: غزوة بني المصطلق
ثالثاً: حادثة الافك
رابعاً: صلح الحديبية
خامساً: مكاتبة الملوك والأمراء
أولاً : غزوة بني قريظة: -
لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من جبل سلع بعد رحيل قريش ووصل إلى المدينة ظهراً، دخل بيت عائشة رضي الله عنها ثم خرج، وأمر بلالاً أن يؤذن في الناس: " من كان سميعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة " فتلاحق المسلمون وخرج علي بالراية، وكانت على حالها لم تطو بعد. ولما علم بنو قريظة بجيش المسلمين خارت قواهم وأيقنوا بالهلاك. فتبرموا مما ارتكبوه من الغدر وسألوا الرسول العفو، فأبى ذلك عليهم وشدد الحصار خمسة وعشرين يوماً، حتى نزلوا على حكمه وسألوا حلفاءهم الأوس أن يتوسطوا في إطلاقهم كما توسط الخزرج في إطلاق حلفائهم من بني قينقاع.
فتواثب الأوس وقالوا: يا رسول الله إنهم كانوا من موالينا، فقال لهم رسول الله: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم رجل منكم؟ قالوا: بلى قال: فذاك الى سعد بن معاذ.
فلما جيء بسعد قاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم، فأخذ سعد عهد الله وميثاقه على الفريقين أن الحُكم فيهم لما سيحكم به، فأجابوه وأجابه الرسول: أن نعم. قال سعد: فإنى أحكم بأن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء، فقال له رسول الله: لقد حكمت فيهم بحكم الله، ثم حفرت لهم الخنادق وضربت أعناقهم جميعاً، وكانوا نحو سبعمائة.
ولم يقتل من نسائهم إلا امرأةً واحدة تسمى بنانه زوجة الحكم القرظي، لقتلها خلاد بن سويد برحى طرحتها عليه فمات فقتلها الرسول في خلاد.
وقد قسم الرسول صلى الله عليه وسلم أموال بني قريظة وسباياهم بعد أن عزل الخمس لله والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
ثانيا: غزوة بني المصطلق أو المريسيع (شعبان سنه 6هـ)
لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن بني خزاعة (من حلفاء بني مدلج ) قد عولوا على حربه بزعامة الحارث بن أبي ضرار، أبو جويرية بنت الحارث زوج الرسول صلى الله عليه وسلم. فلما سمع الرسول بذلك خرج إليهم حتى لقيهم على ماء لهم يقال له المَُرَيْسيع قرب قديد, وحلت الهزيمة ببني المصطلق وأسر المسلمون كثيراً من نسائهم وإبلهم.
أثر هذه الغزوة في حياة الأمة الإسلامية: -
لقد كان لهذه الغزوة أثر كبير في حياة الأمة الإسلامية لقيام النزاع فيها بين المهاجرين والأنصار قياماً كاد يؤدى إلى انفصام عرى الوحدة بين المسلمين،
وزواج الرسول بجويرية بنت الحارث سيد بنى المصطلق، ثم وقوع حادثة الإفك التي كدرت حياة عائشة أياماً وأرجف بها المبطلون ورموها في أعز شيء لديها.
وفي أثناء عودة المسلمين الي المدينة، راح رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول يحض قومه على طرد المهاجرين وعود الحال على ما هو عليه قبل الهجرة ( إذ أنه كان يطمع في سيادة يثرب قبل الهجرة ) فكان يقول: عن المهاجرين لقد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله مانحن وأياهم الا كما يقول القائل: " سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " وسمع بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأشار عمر عليه بقتل عبد الله بن أبي، فنهاه وقال: كيف يا عمر إذا تحدث الناس وقالوا أن محمداً يقتل أصحابة ؟
ثالثاً: حادثة الإفك:-
كانت عائشة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة. وفي أثناء عودة المسلمين إلي المدينة حدثت حادثة الإفك التي أذاعها دعاة السوء حول السيدة عائشة رضي الله عنها، وذلك حين رأوا صفوان بن المعطل يقود بعيرها في المدينة عند عودتها من غزوة بني المصطلق فاتهموها إفكاً وبهتاناً. ولكن الله عز وجل لم يلبث أن برأ السيدة عائشة مما رميت به، وجعل حصانتها قرآناً يتلى الى يوم الدين.
فقال تعالى: في سورة النور ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم، بل هو خيرٌ لكم، لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ).
ثم قال تعالى: (اذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ماليس لكم به علم، وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ).
رابعاً : صلح الحديبية : -
في السنة السادسة للهجرة خرج النبي صلى الله عليه وسلم للعمرة، وهي زيارة البيت الحرام في غير موسم الحج، في ألف وأربعمائة من المسلمين، فوقف القرشيون في طريقه على مقربة من مكة يمنعونه من دخولها، فندب الرسول صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان للذهاب إلى قريش لمكانته منهم واستطلاع أنبائهم ومعرفة السبب في منعهم المسلمين من أن يطوفوا ببيت الله ويعظموه، فحجزت قريش عثمان لديها، وشاع بين المسلمين أنه قتل. عندئذ تأهب الرسول صلى الله عليه وسلم لقتال قريش، وبايعه من كان معه من المسلمين على حربها وسميت هذه البيعة بيعة الرضوان. ولما علمت قريش بأمر هذه البيعة أسقط في
يدها وأرسلت البعوث إلى الرسول تفاوضه في العدل عن دخول مكة هذا العام، ، وكان يرأس هذا الوفد سهل بن عمرو (وهوخطيب مفوه).
وتم الاتفاق على الآتي : -
1- أن تضع الحرب أوزارها بين الفريقين عشر سنين.
2- أن يرد الرسول صلى الله عليه وسلم من يأتيه من قريش سلماً بدون إذن وليه.
3- ألا تلتزم قريش برد من يأتي إليها من عند محمد.
4- أن من أحب الدخول في عقد قريش وعهدها فله ذلك، ومن أراد أن يدخل في عهد محمد من غير قريش دخل فيه.
5- أن يرجع الرسول هذا العام من غير عمرة، على أن يأتي في العام التالي فيدخل مع أصحابة مكة بعد أن تخرج منها قريش، ويقيم بها ثلاثة أيام وليس معهم من السلاح إلا السيوف في القرب ( الأغماد ).
وكما يلاحظ من بنود هذه الاتفاقية والهدنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم فيها شيئاً من التنازل، ومن الطبيعي أن يجد المسلمون في أنفسهم شيئاً من الغبن والغيظ بسبب هذا التنازل، وقد ظهر بعض هذا الغيض بعد كتابة المعاهدة مباشرة، حينما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلقوا وينحروا فامتنعوا، فأشارت أم سلمه على النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل هو ذلك ولا يكلم أحداً, وبالفعل لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم حلق ونحر، فإنهم فعلوا كما فعل عليه الصلاة والسلام .
وقد تجرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن ألح عليه المسلمون بمفاتحة النبي في هذا الأمر فقال عمر: " ألست رسول الله فقال: بلى قال: أولسنا مسلمين، قال : بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال : بلى، قال فعلام نعطي الدنية في ديننا ".
فأجابه عليه الصـلاة والسـلام " أنا عبد الله ورسوله لن أخلف أمره ولن يضيعني ".
نتائج هذا الصلح:-
لقد عدَّ الزهري هذا الصلح فتحاً عظيما للإسلام إذ يقول: فما فتح في الإسلام قبله أعظم منه .. ونستطيع أن نوجز أهم النتائج في الآتي : -
1- دخول أعداد كبيرة من المشركين في الإسلام، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم، خرج إلى الحديبية في 1400 ثم خرج في فتح مكة بعد سنتين على رأس عشرة آلاف رجل.
2- إن دخول قريش في عهد مع المسلمين يمثل اعترافاً منها بالدولة الفتية والدين الجديد بعد حرب الإفناء الطويلة التي شنتها ضدهما.
3- تخلي كثير من القبائل العربية عن موقفها حيال قريش، وأن هذه القبائل رأت نفسها في حل من الانتماء لزعامتها والارتباط بمصيرها.
4- أن هذه الهدنة فتحت المجال أمام المسلمين لكي ينشطوا وينتشروا في الآفاق لكسب مزيد من الأصدقاء والحلفاء المنتمين إلى الدين الجديد، مستغلين فترة السلم التى أتاحتها شروط الحديبية.
5- ضعف مركز قريش الحربي بسبب انضمام خزاعة إلى معسكر المسلمين، وكانت قريش قبل ذلك تعتمد عليهم اعتماداً كبيراً في حربها ضد المسلمين.
6- انتشار الإسلام في اليمن، وهذا الأمر جعل قريش محاطة بالمسلمين من الشمال والجنوب.
7- أن النبي صلى الله عليه وسلم استغل فترة الهدنة مع قريش، فأخذ يرسل السرايا تلو السرايا، والجيوش تلو الجيوش، لتأديب اليهود وبعض القبائل العربية المعادية للإسلام.
8- توجيه النبي صلى الله عليه وسلم بعض دعاته وسفرائه إلى كبار أمراء العرب الوثنيين وزعمائهم ومشايخهم يدعوهم إلى الإسلام.
خامساً: مكاتبة الملوك والأمراء:
في أواخر السنة السادسة حينما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية كتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام.
ولما أراد أن يكتب إلى هؤلاء الملوك قيل له: إنهم لا يقرءون كتابا إلا وعليه خاتم، فاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً من فضة، نقشه: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هذا النقش ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. واختار من أصحابه رسلاً لهم معرفة وخبرة، وأرسلهم إلى الملوك، وقد جزم بعض المؤرخين أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل هؤلاء الرسل غرة المحرم سنة سبع من الهجرة قبل الخروج إلى خيبر بأيام. وفيما يلي اسماء الملوك الذين كتب لهم الرسول صلى الله عليه وسلم كتبا مع نماذج مختاره لبعض تلك الرسائل الموجهة لهم:
1ـ النجاشي ملك الحبشة
2- المقوقس ملك مصر
3ـ كسرى ملك فارس
4ـ قيصر ملك الروم
5ـ المنذر بن سَاوى ملك البحرين
6-هَوْذَة بن علي صاحب اليمامة
7-الحارث بن أبي شَمِر الغساني صاحب دمشق
8- جيفر ملك عُمَان
-أكتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جُرَيْج بـن مَتَّي الملقب بالمُقَوْقِس ملك مصر والإسكندرية:
(بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم أهل القبــط، ” يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ“)
ب- كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ملك فارس:
(بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فـارس، سـلام على من اتبع الهدي، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك).
ج-كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك الروم هرقل:
(بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدي، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ”يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ“)
د- كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى حاكم البحرين:
(بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، فإني أذكرك الله عز وجل، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيراً، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب، فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلم نعزلك عن عملك. ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية).
إذن بهذه الكتب يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أبلغ دعوته إلى أكثر ملوك الأرض، فمنهم من آمن به ومنهم من كـفر.