المحاضرة العاشرة
غزوة خيبر-عمرة القضاء-
معركة مؤته
الفهرس
أولاً: غزوة خيبر
ثانياً:عمرة القضاء
ثالثاً: معركة مؤته
أولاً: غزوة خيبر:
لما أزال الله عز وجل من المدينة خطر الأحزاب من قريش ومن والاهم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم حول اهتمامه إلى اليهود، ليؤدبهم على نقضهم العهود وتحالفهم مع أعدائه من مشركي مكة وغطفان، فابتدأ ببني قريظة كما أسلفنا الذين خذلوه ونقضوا عهده، ثم أمضى شطراً كبيراً من السنة السادسة في محاربة يهود وادي القرى وفدك.
ثم بعد ذلك أخذ يعد العده لغزو خيبر التي آوت إليها سادة بنى النضير وأشرافهم، وأخذوا يعقدون المحالفات ويفاوضون يهود فدك على نصرتهم، على أن يكون لهم تمر خيبر (التي تقع على مسيرة خمسة أيام من المدينة ).
ولما عاد الرسول صلى الله عليه وسلم من الحديبية فإنه أقام بالمدينة ذا الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر، فسار عليه الصلاة والسلام حتى وصل إلى وادي الرجيع في الليل، وأناخ بها، فلما أصبح الرسول ركب إلى خيبر دون أن يحس أهلها، حتى بلغها والعمال قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه رجعوا هاربين إلى حصونهم. ولما همت غطفان بنصرة خيبر وجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم قد نزل بوادي الرجيع بينهم وبين خيبر ليحول دون مساعدتهم إياهم فرجعت، وأخذ الرسول في مهاجمة الآطام (الحصون)، فاستولى على حصن ناعم ثم حصن القموس، وهو حصن أبي الحقيق، وامتنع على المسلمين حصن الصعب بن معاذ مدة حتى جهدوا من
طول الحصار ونفد ما عندهم من القوت.
فبلغت الحالة في جيش المسلمين أن اضطروا إلى أكل الحمر الأهلية، فنهاهم الرسول عن ذلك وأجاز لهم أكل الخيل، حتى تمكنوا من فتح حصن الصعب بن معاذ، وكان به طعام كثير، فتزود المسلمون منه ثم واصلوا فتح الحصون الأخرى.
إلا حصني الوطيح والسلالم، فقد اعتصم بهما اليهود ودافعوا عنهما حتى قطع الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم الماء وأيقنوا بالهلاك, فسألوه أن يحقن دماءهم ففعل، ثم سألوه أن يبقيهم على الأرض يزرعونها لأنهم أعلم بها، على
أن يكون لهم نصف ما تغله الأرض ويؤتيه النخيل, فأجابهم الرسول إلى ذلك وقال لهم: " على أنا إن شئنا أخرجناكم " فلما سمعت فدك بغزو خيبر وما عاهد أهلها عليه، صالحوه على مثل ذلك بدون حرب ولا قتال.
وكذلك صنع يهود تيماء إلا وادي القرى، فقد تمسكوا حتى هاجمهم الرسول وأضطرهم إلى التسليم.
قدوم جعفر بن أبي طالب والأشعريين:
وفي هذه الغزوة قدم عليه ابن عمه جعفر بن أبي طالب وأصحابه، ومعهم الأشعريون أبو موسى وأصحابه.
قال أبو موسى: بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه ـ أنا واخوان لي ـ في بضع وخمسين رجلاً من قومي، ركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفراً وأصحابه عنده، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر، فأسهم لنا، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئا إلا لمن شهد معه، إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم.
ولما قدم جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم تلقاه وقَبَّلَ ما بين عينيه وقال: (والله ما أدري بأيهما أفرح؟ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر).
وكان قدوم هؤلاء على أثر بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري يطلب توجيههم إليه، فأرسلهم النجاشي على مركبين، وكانوا ستة عشر رجلاً، معهم من بقي من نسائهم وأولادهم، وبقيتهم جاءوا إلى المدينة قبل ذلك.
الزواج بصفية رضي الله عنها:
كانت صفية من ضمن السبايا بعد أن قتل زوجها كِنَانة بن أبي الحقيق لغدره، ولما جُمع السبي جاء دحية بن خليفة الكلبي، فقال: يا نبي الله، أعطني جارية من السبي، فقال: اذهب فخذ جارية، فأخـذ صفية بنت حيي، فجاء رجل الـى
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة وبني النضير، لا تصلح إلا لك، قال: (ادعوه بها). فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خذ جارية من السبي غيرها)، وعرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلمت، فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، حتى إذا كان بسد الصهباء راجعاً إلى المدينة جهزتها له أم سليم، فأهدتها له من الليل، فأصبح عروساً بها، وأولم عليها بشيء من التمر والسمن والسَّوِيق، وأقام عليها ثلاثة أيام في الطريق يبني بها.
ورأى بوجهها خُضرة، فقال: (ما هذا؟) قالت: يا رسول الله، رأيت قبل قدومك علينا كأن القمر زال من مكانه، وسقط في حجري، ولا والله ما أذكر من شأنك شيئا، فقصصتها على زوجي، فلطم وجهي. فقال: تمنين هذا الملك الذي بالمدينة.
أمر الشاة المسمومة:
ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد فتحها أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سَلاَّم بن مِشْكَم، شاة مَصْلِيَّةً، وقد سألت أي عضو أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الذراع، فَلاَكَ منها مضغة فلم يسغها، ولفظها، ثم قال: (إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم)، ثم دعا بها فاعترفت، فقال: (ما حملك على ذلك؟) قالت: قلت: إن كان ملكًا استرحت منه، وإن كان نبياً فسيخبر.
واختلفت الروايات في التجاوز عن المرأة وقتلها، والراجح بأنه تجاوز عنها أولا، فلما مات بشر بن البرا ء بن معرور بسبب الشاة قتلها قصاصا.
قتلى الفريقين في معارك خيبر:
تذكر المصادر أن عدد من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ستة عشر رجلاً، أربعة من قريش وواحد من أشْجَع، وواحد من أسْلَم، وواحد من أهل خيبر والباقون من الأنصار.
ويقال: إن شهداء المسلمين في هذه المعارك 19 رجلاً. وقيل 18 رجلا.
أما قتلى اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلاً.
ثانياً: عمرة القضاء:
قال الحاكم: تواترت الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم لما هَلَّ ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وألا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان. ا هـ.
واستخلف على المدينة عُوَيف بن الأضْبَط الدِّيلي، أو أبا رُهْم الغفاري، وساق ستين بدنة، وجعل عليها ناجية بن جُنْدُب الأسلمي، وأحرم للعمرة من ذي الحُلَيْفَة، ولبى، ولبى المسلمون معه، وخرج مستعداً بالسلاح والمقاتلة، خشية أن يقع من قريش غدر، فلما بلغ يأجج خارج مكة وضع جميع الأسلحة وخلف
عليها أوس بن خَوْلِي الأنصاري في مائتي رجل، ودخل بسلاح الراكب: السيوف في القُرُب.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الدخول راكباً على ناقته القَصْواء، والمسلمون متوشحون السيوف، محدقون برسول الله صلى الله عليه وسلم يلبون.
وخـرج المشركـون إلى جبل قُعَيْقِعَان ـ الجبل الذي في شمال الكعبة ـ ليروا المسلمين، وقد قالوا فيما بينهم: إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين. ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم، وإنما أمرهم بذلك ليُري المشركين قوته كما أمرهم بالاضطباع، أي أن يكشفوا المناكب اليمنى، ويضعوا طرفي الرداء على اليسري.
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة من الثنية التي تطلعه على الحَجُون ـ وقد صف المشركون ينظرون إليه ـ فلم يزل يلبي حتى استلم الركن، ثم طاف، وطاف المسلمون، وعبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتجز الشعر متوشحاً بالسيف.
وفي حديث أنس فقال عمر: يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (خَلِّ عنه يا عمر، فلهو أسرع فيهم من نضح النبل).
ورَمَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ثلاثة أشواط، فلما رآهم المشركون قالوا: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا.
ولما فرغ من الطواف سعى بين الصفا والمروة، فلما فرغ من السعي، وقد أوقف الهدي عند المروة، قال: (هذا المنحر، وكل فجاج مكة منحر)، فنحر عند المروة، وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون، ثم بعث ناساً إلى يَأْجُج، ليقيموا على السلاح، ويأتي الآخرون فيقضون نسكهم ففعلوا.
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثاً، فلما أصبح من اليوم الرابع أتوا علياً فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل بسَرِف فأقام بها. ولما أراد الخروج من مكة تبعتهم ابنة حمزة، تنادى، يا عم يا عم، فتناولها علي، واختصم فيها عليوجعفر وزيد،
فقضى النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر، لأن خالتها كانت تحته.
وفي هذه العمرة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارث العامرية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الدخول في مكة بعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة، فجعلت أمرها إلى العباس، وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوجها إياه، فلما خرج من مكة خلف أبا رافع ليحمل ميمونة إليه حين يمشي، فبنى بها بسرف.
وسميت هذه العمرة بعمرة القضاء، إما لأنها كانت قضاء عن عمرة الحُدَيْبِيَة، أو لأنها وقعت حسب المقاضاة ـ أي المصالحة ـ التي وقعت في الحديبية، والوجه الثاني رجحه المحققون، وهذه العمرة تسمي بأربعة أسماء: القضاء، والقَضِيَّة، والقصاص، والصُّلح.
ثانياً:غزوة مؤته: (جمادى الأولى سنة 8هـ)
سبب المعركة : -
أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل الحارث بن عميرالأزدي بكتابه إلى عظيم بصرى، فتعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني ( وكان عاملاً على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر الروم ) فأوثقه ثم قدمه وضرب عنقه.
فاشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم حين نقلت إليه الأخبار فجهز جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وهو أكبر جيش إسلامي، لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب.
المعركة :-
انطلق ذلك الجيش في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة بقيادة مولاه زيد بن حارثة، فلقيته جموع هرقل امبراطور الروم عند مؤته، وهي قرية من قرى البلقاء في حدود الشام، فأبلى زيد بلاءً حسناً في الجهاد حتى استشهد في سبيل الله، فتولى امرة المسلمين عبد الله بن أبي رواحه، فاستشهد وكان في الخامسة والخمسين من عمره فخلفه جعفر بن أبي طالب، فلحق به، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد فأبلى في الجهاد, فروى البخاري رواية عن خالد بن الوليد أنه قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية. وقد نزل الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم بخبر من استشهد من القواد في هذه الغزوة، فصعد النبي وخطـب المسلمين خطبة أخبرهـم فيها بقتل
زيد ومن خلفه من القادة إلى أن قال: " ثم أخذا الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه " فسمي بسيف الله منذ ذلك الوقت.
قتلى الفريقين:
استشهد يومئذ من المسلمين اثنا عشر رجلاً، أما الرومان، فلم يعرف عدد قتلاهم، غير أن تفصيل المعركة يدل على كثرتهم.
أثر المعركة:
هذه المعركة وإن لم يحصل المسلمون بها على الثأر، الذي عانوا المرارة لأجله، لكنها كانت كبيرة الأثر لسمعة المسلمين، اذ إنها أدهشت العرب وحيرتهم، فقد كان الروم أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض، وكانت العرب
تظن أن معنى جلادها هو القضاء على النفس وطلب الحتف، فكان لقاء هذا الجيش الصغير ـ ثلاثة آلاف مقاتل ـ مع ذلك الجيش الضخم العرمرم الكبير ـ مائتا ألف مقاتل ـ ثم الرجوع عن الغزو من غير أن تلحق به خسارة تذكر. كان كل ذلك من عجائب الدهر، وكان يؤكد أن المسلمين من طراز آخر غير ما ألفته العرب وعرفته، وأنهم مؤيدون ومنصورون من عند الله، وأن صاحبهم رسول الله حقاً. ولذلك نرى القبائل اللدودة التي كانت لا تزال تثور على المسلمين جنحت بعد هذه المعركة إلى الإسلام، فأسلمت بنو سُلَيْم وأشْجَع وغَطَفَان وذُبْيَان وفَزَارَة وغيرها.
وكانت هذه المعركة بداية اللقاء الدامي مع الرومان، فكانت توطئة وتمهيداً لفتوح البلدان الرومانية، واحتلال المسلمين الأراضي البعيدة النائية.