المحاضرة التاسعة
خلافة عثمان بن عفان
23-35هـ
عناصر المحاضرة
• أولاً: استشهاد الفاروق عمر رضي الله عنه.
• ثانياً: خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
1- التعريف بعثمان بن عفان.
2- توليه الخلافة.
3- أول قضية نظر فيها عثمان.
ثالثاً: الفتوحات في عهد عثمان.
1- فتح أرمينية.
2- الفتوحات في أفريقية.
3- فتح بلاد النوبة.
أولاً: استشهاد الفاروق عمر رضي الله عنه:
كان عمر رضي الله عنه لا يسمح لمشرك بلغ الحلم بدخول المدينة, لما انطوت عليه قلوب هؤلاء من حنق على المسلمين, وما زال كذلك حتى كتب المغيرة بن شعبة عامله في الكوفة – يطلب منه السماح لغلام له يدعى أبا لؤلؤة فيروز بالإقامة في المدينة لينتفع المسلمون بما كان يتقنه من الصناعات فقد كان يجيد الحدادة, والنجارة, والنقاشة, وتحت إلحاح المغيرة بن شعبة أذن له عمر, بعد أن فرض عليه سيده درهمين في اليوم.
خرج عمر بن الخطاب يوماً يطوف في السوق, فلقيه أبا لؤلؤة, فقال: يا أمير المؤمنين أعني على المغيرة بن شعبة, فإن علي خراجاً كثيراً, قال: كم خراجك
قال: درهمان في كل يوم, قال: وأيش صناعتك؟ قال: نجار, نقاش, حداد, قال: فما أرى خراجك بكثير على ما تصنع من الأعمال, قد بلغني أنك تقول: لو أردت أن أعمل رحا تطحن بالريح لفعلت, قال نعم, قال فاعمل لي رحا, قال لئن سلمت لأعملن لكرحا يتحدث بها من بالمشرق والمغرب, ثم انصرف عنه, فقال عمر: لقد توعدني العبد آنفا.
ولما كان في الغد جاء كعب الأحبار إلى عمر فقال له: يا أمير المؤمنين اعهد, فإنك ميت في ثلاثة أيام, قال: وما يدريك؟ قال أجده في التوراة, قال عمر: الله إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال اللهم لا, ولكني أجد صفتك وحليتك
وإنه قد فنى أجلك, وكان عمر بن الخطاب لا يحس وجعاً ولا ألماً – فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار, فقال: يا أمير المؤمنين, ذهب يوم وبقي يومان, ثم جاءه بعد غد, فقال: ذهب يومان وبقي يوم وليلة, وهي لك إلى صبيحتها.
وفي الصباح خرج عمر إلى الصلاة, وبعد أن استوت الصفوف كبر عمر, فدخل أبو لؤلؤة يحمل في يده خنجراً له رأسان نصابه في وسطه, فضرب عمر ست ضربات, إحداهن تحت سرته, وهي التي قتلته, وقدم عمر عبد الرحمن بن عوف فصلى بالناس وحمل إلى داره, ونادى عمر عبد الرحمن بن عوف وقال له: ادع لي عليا وعثمان والزبير وسعدا – النفر الذين توفـي رسول الله صلــى
الله عليه وسلم وهو عنهم راض – وانتظروا أخاكم طلحة ثلاثا فإذا جاء وإلا فاقضوا أمركم, ثم قال: أنشدك الله يا علي أن وليت من أمور الناس شيئاً أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس, أنشدك الله يا عثمان إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس, أنشدك الله يا سعد إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس, قوموا فتشاوروا ثم أقضوا أمركم, وليصل بالناس صهيب.
وأوصى عمر بن الخطاب ابنه عبد الله أن يرجح الكفة التي فيها عبد الرحمن بن عوف إن اختلف مجلس الشورى, وطلب الاذن من السيدة عائشة أن تسمح له بأن يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر, ودخـل عليه المهـاجرون
والأنصار يسلمون عليه, ودخل كعب الأحبار فلما نظر إليه عمر قال:
فـأوعدني كعب ثـلاثـاً أعدهـــا ولا شـك أن القول ما قاله كعب
وما بي حذاء الموت إني لميت ولكن حـذاء الذنب يتبعـه الذنب
وهكذا أسدل الستار على حياة الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه, والمتتبع لقصة اغتياله ليدرك أن في الأمر تدبيرا.
رحم الله عمر بن الخطاب رحمة واسعة وجزاه الله كل خير فيما قدم للأمة الإسلامية من أعمال جليلة.
ثانياً: خلافة عثمان بن عفان:
1- التعريف بعثمان بن عفان :
هو عثمان بن عفان بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي, وأمه أروى بنت كريز, أسلم بدعوة من أبي بكر الصديق, ولما أسلم أخذه عمه الحكم بن أبي العاص فأوثقه رباطا وقال: أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أحلك أبدا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين، فقال عثمان: والله لا أدعه أبداً ولا أفارقه، فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه.
هاجر عثمان بن عفان إلى الحبشة فرارا بدينه وكانت معه زوجته رقية بنت رسول الله, كما هاجر إلى المدينة, واشترك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي كل الغزوات ما عدا غزوة بدر لأنه كـان يمارض زوجته رقية وقد أذن له
رسول الله صلى الله عليه وسلم, وفي يوم انتصار بدر ماتت رقية, فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمه في بدر, وزوجه من ابنته الأخرى أم كلثوم, وقد سمي بذي النورين لزواجه من بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم, واشتهر بالفقه والحياء والكرم.
وقد استعان الرسول صلى الله عليه وسلم بعثمان بن عفان في كثير من شئون المسلمين, وكان سفيره لقريش في السنة السادسة للهجرة حينما حالت قريش دون دخول المسلمين إلى مكة المكرمة لأداء العمرة, ومما يؤكد حب قريش لعثمان وتقديرها له تم اختياره لهذه المهمة من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم, وحينما تأخر عثمان في مكة شاع نبأ مقتله فبايع المسلمون الرسول صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان في الحديبية.
بذل عثمان بن عفان كثيرا من ماله في سبيل الإسلام وقد أعد جيش العسرة لغزوة تبوك, ويقال أنه أنفق فيها ألف دينار وحمل على تسعمائة بعير ومائة فرس, وجهز ركابا, واشترى بئر أرومه بعشرين ألف درهم, وأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من اشترى بئر أرومه فله الجنة, كما بشر عثمان بن عفان بالجنة, وهو من العشرة المبشرين بالجنة.
2- توليه الخلافة:
عهد عمر بن الخطاب قبل وفاته إلى ستة, مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض وهم: عثمان وعلي وعبد الرحمن والزبير وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله, وطلب منهم أن يتشاوروا, وأن يولوا أحدهم في ظرف ثلاثة أيام, وإذا تعادلت الأصوات أن يرجح عبد الله بن عمر إحدى الكفتين, وأن يرجح الجناح الذي فيه عبد الرحمن بن عوف. اجتمع مجلس الشورى لاختيار الخليفة الجديد، وتعادلت الأصوات، فسألهم عبد الرحمن بن عوف أن يخرج نفسه من الخلافة على أن يختار منهم رجلاً فوافقوه وأعطوه مواثيقهم، وطلب منه علي أن يعطيه موثقا ليؤثر به الحق، ولا يتبع الهوى، ولا يخص ذا رحم لرحمه، ولا يألوا الامة ، فأعطاه …موثقاً، وأخذ عبد الرحمن
يستشير الصحابة وعندما انقضت الأيام الثلاثة دعا الى اجتماع في المسجد، وخلا بعلي بن أبي طالب، وقال له: لنا الله عليك، إن وليت هذا الأمر، أن تسير فينا بكتاب الله، وسنة نبينه، وسيرة أبي بكر وعمر. فقال: أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه ما استطعت، فخلا بعثمان، فقال له: لنا الله عليك، إن وليت هذا الأمر أن تسير فينا بكتاب الله، وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر، فقال: لكم أن أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه، وسيرة أبي بكر وعمر، فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان وقال: اللهم اشهد أني قد جعلت ما في عنقي من ذلك في عنق عثمان، فبايعه الناس.
3- أول قضيه نظر فيها عثمان:
روي عن عبد الرحمن بن أبي بكر أنه رأى الهرمزان، وأبا لؤلؤة وجفينة يتناجون قبل مقتل عمر بن الخطاب، ولما دنا منهم قاموا فسقط بينهم خنجر تنطبق أوصافة على الخنجر الذي طعن به عمر، ولما سمع عبيد الله بن عمر بمقالة عبد الرحمن بن أبي بكر، سل سيفه وقتل جفينةوالهرمزان وابنة أبي لؤلؤة، وقام صهيب القائم مقام الخليفة عمر – فقبض على عبيد الله بن عمر وسجنه.
ولما بويع عثمان دعا عبيد الله وقال: ( أشيروا عليّ في هذا الذي فتق الإسلام ما فتق ) فأشار عليّ بقتله، فقال بعض الناس: ( قتل عمر بالأمس ويقتل ابنه
اليوم ؟ ). فقال عثمان أنا وليهم، وقد جعلتها دية واحتملتها في مالي، وقد روى
الطبري أن عثمان رضي الله عنه مكَّن ابن الهرمزان من عبيد الله مختارا فعفا عنه.
ثالثاً: الفتوحات في عهد عثمان:
1- فتح أرمينية:
كتب عثمان بن عفان إلى معاوية عامله على الشام والجزيرة وثغورها، يأمره أن يوجه حبيب بن مسلمة الفهري إلى أرمينة، فنهض إليها في ستة آلاف وقيل في ثمانية آلاف من أهل الشام والجزيرة فأتى قاليقلا، وقاتل أهلها قتالا شديدا وأرغمهم على التحصن في مدينتهم، فطلبوا الأمان على الجلاء والجزية، فجلا كثيراً منهم فلحقوا ببلاد الروم، وأقام حبيب بها شهرا.
بعدها قام بطريق أرمنياقس بجمع الجموع من أهل اللانوالخزر، فكتب حبيب إلى عثمان يسأله المدد، كما كتب إلى معاوية أن يمده بأقوام ممن يرغبون في الجهاد والغنيمة، فسير إليه معاوية ألفي رجل أسكنهم حبيب قاليقلا وأقطعهم بها
القطائع وجعلهم مرابطة بها، ولما ورد كتاب حبيب إلى عثمان, كتب إلى سعيد بن العاصي عامله على الكوفة – يأمره بإمداد بجيش عليه سلمان الباهلي, فسار سلمان في ستة آلاف رجل من أهل الكوفة, وأقبل الروم ومن معهم فنزلوا على الفرات, وقد أبطأ على حبيب المدد فتمكن من مباغتة الروم وقتل قائدهم فانهزموا.
وواصل حبيب فتوحاته في أرمينية, واستولى على دبيل وصالح بطريقها على إتاوة يؤديها له وعلى معاونة المسلمين على أعدائهم, ثم فتح النشوى وصالح أهلها كما فتح جزرانوتقليس, وصالحهم جميعا على مثل صلح دبيل.
وأعان سلمان الباهلي حبيبا في فتوحات أرمينية إلا أن سلمان الباهلي اشتبك مع خاقان الخزر خلف نهر البلنجر فقتل رحمه الله في أربعة آلاف من المسلمين, فكتب حبيب إلى الخليفة عثمان بفتوحات أرمينية وبنعي سلمان الباهلي, واستشهاد سلمان الباهلي مع أربعة آلاف من جند المسلمين يؤكد لنا التضحيات الجسيمة التي قدمها المسلمون في سبيل إعلاء كلمة الله.
2- الفتوحات في أفريقية:
استطاع عمرو بن العاص في خلافة عمر بن الخطاب أن يؤمن حدود مصر بفتح برقة صلحا سنة 21هـ, وبفتح طرابلس عنوة سنة 22هـ, كما بعث نافع بن عبد القيس إلى بلاد النوبة فقاتل أهلها قتالا شديدا.
ولما تولى عبد الله بن سعد بن أبي السرح ولاية مصر عام 27هـ استأذن الخليفة عثمان في فتح أفريقية فأذن له بعد أن استشار الصحابة وأرسل له جيشا فيه كبار الصحابة من أمثال عبد الله بن الزبير والحسن والحسين.
سار عبد الله بن سعد بن أبي السرح بالجيش إلى أفريقية وقد وصل عدده إلى عشرين ألفا مع جيوش مصـر, واستخلف عقبة بن عامــر الجهنـي فـي مصـر,
وعندما وصل الجيش إلى برقة أرسل عبد الله بن سعد سرية تقدمت الجيش إلى طرابلس, ولكن أهلها تحصنوا داخل أسوارهم, فواصل المسلمون السير الى أفريقية وبعث السرايا في كل وجه فأتوه بالغنائم, والتقى جيش الروم بقيادة جريجوريوس في مائة ألف بجيوش المسلمين بقيادة عبد الله بن سعد في عشرين ألف مقاتل, وكانت طريقة عبد الله بن سعد في القتال أن يقاتل الروم كل يوم, ثم يدعهم يلجأون للراحة, ويواصل قتالهم في اليوم التالي, فأشار عليه عبد الله بن الزبير أن يقسم جيش المسلمين إلى نصفين, يقاتل بالنصف الأول طول النهار فإذا أرهق الروم وذهبوا للراحة فاجأهم النصف الثاني من جيش المسلمين وهم مرهقين وعلى غير أهبة واستعداد للحرب, ونجحت خطة عبد الله بن الزبير الذي
تمكن من قتل قائدهم فانهزموا, ولما رأى رؤساء المدائن في أفريقية انتصار عبد الله بن أبي السرح طلبوا منه أن يأخذ منهم ثلاثمائة قنطار من ذهب على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم فقبل ذلك.
3- فتح بلاد النوبة:
بدأ فتح بلاد النوبة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وولاية عمرو بن العاص على مصر, وقد استعصى فتحها على المسلمين لأنهم كانوا يرمون بالنبل وكانوا ماهرين في الرماية, وكما تذكر المصادر أنهم في موقعة واحدة فقط فقأوا مائة وخمسين عينا, لذا فضل المسلمون الصلح معهم, ولكن عمرو بن العاص رفض ذلك لم يقبل بالصلح معهم.
ولما تولى عبد الله بن سعد بن أبي السرح ولاية مصر سار إليهم في عام 31هـ وقاتلهم وعقد معهم صلحا وعرفت الاتفاقية بينهم باسم اتفاقية البقط, وكانت نصوصها تتلخص في إيقاف الحرب بين الطرفين وأن يقوم المسلمون بإعطاء أهل
النوبة قمحا وعدسا مقابل أن يعطيهم أهل النوبة أربعمائة رقيق سنويا, وعندما أرهق أهل النوبة عدل الاتفاق في عهد المهدي إلى دفع البقط مرة كل ثلاث سنوات واستمرت اتفاقية البقط هذه بين مصر وبلاد النوبة لمدة ستة قرون.