كانت الساعة تشير للسابعة و خمس و أربعين دقيقة صباحاً...
إنها الحصة الأولى أوشكت على الانتهاء و هو لم يأتِ بعد...
كان مقعده خالياً و الجميع منهمك في أداء الواجب...
طرق الباب بكل أدب و وجهه ملؤه الخجل.. قلت له تفضل يا مهدي.. إنه خجول جداً و لا يكاد ينبس ببنت شفة..
جلس على مقعده و أخرج كتابه...
كنت أشرح التمرين التالي و التلاميذ في انتباههم... فجأة... شق صمت التلاميذ صوت رخيم لم أكد أميّزه لولا أن بعض التلاميذ انقطع تفكيرهم ليستمعوا لنبرة صوته الهادئة و البريئة.. "كيف أحل التمرين الأول؟"...
عادة ما أكره أن يقاطعني أحد و أنا أشرح... و لكن مقاطعة مهدي لي تجعلني أمسك نفسي لسببين:-
الأول:- الهدوء و دماثة الخلق..
الثاني:- لكونه من التلاميذ المحتاجين لرعاية على الدوام..
قلت له: "مهلاً يا مهدي".. و لكنه كرر السؤال مرة أخرى ما جعلني أخاطبه بحدية "اقلب كتابك و انتبه لي يا مهدي .........."...
سرت كلمات كالسم في أحشائه و تغيّرت ملامح وجهه و ساءت حاله و وضع رأسه على كتفيه فوق طاولته و أصبح ينظر لي نظرة قرأت في عينيه: "رفقاً بي يا أستاذ فأنا لست كمثل هؤلاء التلاميذ الذين جعلوك تغيّر طريقتك بناءً على قدراتهم"...
أخذتني الرعشة من هول ما قرأت...
تركت كل شيء و أخذت هدية من خزانة الهدايا التي نكافئ بها المتميزين ثم سرت نحوه بخطوات سريعة و أنا أحمل هذه الهدية... قلت له قف يا مهدي...
وقف... مسكت يده و سرت به نحو السبورة أمام رفاقه...
قلت لهم... من اليوم فصاعداً لن يتأخر مهدي عن الحضور قبل الجرس ليتسنى له حل التمارين معنا... ثم وجهت له سؤالي.. أليس كذلك يا مهدي؟
هز رأسه معلناً موافقته و قال لي بكل لطف و براءة... متأسف يا أستاذ... و لكن والدتي تأخرت حتى أوصلتني للمدرسة...
أخذ هديته و جلس و وافق على عرضي له بأن ينتبه لشرح التمرين الثاني مقابل الجلوس معه في نهاية الدرس لشرح التمرين الأول...
انتهى التمرين و جلست معه و شرحت له التمرين الفائت حتى انتهى من حله...
ندمت لأنني لم أستطع أن أتمالك نفسي مع تلميذ حساس كهذا...
و لا زلت أراوده بين حين و آخر و أتمنى أن أستطيع عمل شيء له يقدر به على المضي قدماً و تخطي عقبة التدني الدراسي....
الرسالة التي أود توجيهها من خلال هذه اليومية:-
1- أحياناً يغلب علينا التعب من التدريس و النصب من شدة المسئوليات و يكون مزاجنا متعكراً و لا نستطيع مسك أنفسنا مهما حاولنا فيرتفع صوتنا على تلميذ ما.. و لكننا نستطيع تعويض التلميذ ما أصابه جراء ارتفاع الصوت بإعطائه هدية مثلاً و تشجيعه أمام التلاميذ في أقرب فرصة ينجز فيها شيئاً مهما صغر و يفضل أن لا يتعدى ذلك الحصة الدراسية للتي بعدها.
2- ليس عيباً أن يقول المعلم للتلميذ "متأسف" إذا كان المعلم مخطئاً لدرجة تستدعي التأسف.. التأسف يقوي النفس و يبعث على الأمل لدى التلميذ و يقرب البعيد بين الطرفين.
3- كلما ارتبطنا بالتلميذ كلما عشق الدراسة و أوصل رسائل إيجابية تطمئن أهله بأنه في أيدٍ أمينة....
4- من الضروري أن نصبر على أصحاب النفسيات البريئة أمثال مهدي لأنهم شديدو الحساسية.. و أن تجاهل هؤلاء التلاميذ قد يجعلهم في منأىً عن العملية التعليمية التعلّمية...
أتمنى أنني قد وفّقت في تقديم شيء مفيد....
وإلى يوميات أخرى...