في هذا اليوم سنناقش موضوعاً مهماً قد يكون قريباً من موضوع سابق و لكن بأفكار مختلفة...
إنها قصة ولد مكلوم بفراق أحبته الأربعة...
كانت الحصة حصة رسم و تلوين...
في العادة هناك خياران لا ثالث لهما... إما أن نعيّن موضوعاً بكفاية محددة متعلقة بمادة تعليمية من مواد الفصل أو أن نترك التلاميذ يرسموا ما يبدو لهم...
اخترت هذه المرة أن يكون الدرس متعلقاً برجال الإطفاء كربط بالدرس حول المهن... بدأ الأطفال في الرسم و أنا قضيت وقتاً في تصويب بعض الأنشطة التقويمية...
فجأة و إذا بصوت أنين يصل إلى مسامعي فبحثت عن مصدر الصوت فلم أوفّق... سألت من يبكي؟ قالوا (فلان)...
قمت مسرعاً نحوه و إذا بدفتره قد تبلل لكثرة دموعه... رفعت رأسه فلم يرضَ لي ذلك...
أقمته من مقعده و أمسكت بيده آخذاً إياه لمكتبي في الفصل...
دار بيني و بينه حوار متقطع... كان يقطعه نحيبه الذي أجهل سببه...
سألته.. لماذا لم ترسم شيئاً؟ قال.. لا أحب النار... قلت له لماذا؟
قال.. لأنها أخذت أربعة من إخوتي في لحظة واحدة حينما أحرقت منزلنا الصغير...
سألته.. و هل يذكرك رجل الإطفاء بهم؟
قال نعم.. حينما أتذكر رجل الإطفاء و النار أتذكر اخوتي...
حرت في أمره و قلت له ارسم ما تشاء...
لم يرسم شيئاً و رفض أن يرسم أي شيء...
أصبح يبكي حتى نهاية الحصة...
قال لي لا أريد أن أرى أحداً يرسم أيضاً...
ماذا أفعل؟ هل ألغي الدرس حتى لا أضايقه؟
فكرت و فكرت و لم أجد أي شيء بيدي أعمله خاصة و أني لا زلت متدرباً و لست معلماً و أخاف أن أصنع شيئاً قد يكون مخالفاً للقانون...
خرجت من الصف و قمت بالاتصال بالمعلم المشرف عليّ في التدريب ليحضر و فعلاً حضر...
شرحت له الموقف و قال لي ألغِ الدرس و أعطهم نشاطاً و أريدك أن تحضر لغرفتي بعد نهاية الحصة...
ذهبت لغرفته و سألني عن سبب عدم معرفتي بحال هذا الطفل فقلت له بأنني لم أتسلم تقريراً حول حالته و لم تخبرني إدارة المدرسة بقصته...
أسدى لي هذا المعلم نصيحة حتى اليوم أحاول تطبيقها ما استطعت و هي تسجيل كل حالة غير طبيعية في ملف منفصل تنجيني من الوقوع في مثل هذا المنزلق...
ألغيت كل شيء متعلق بالنار و لم أتطرق للحديث عن النار إلا في حدود ضيقة حتى نهاية الفصل الذي أحمد الله أنه لم يكن قد تبقى عليه سوى ثلاثة أسابيع فقط و المواضيع التي تتحدث عن النار قليلة جداً...
الرسالة التي أحب توجيهها من هذه اليومية:-
1- على كل معلم أن يقرأ جيداً النشرة التي يصدرها مكتب المرشد الاجتماعي كل عام حول كل تلميذ و ما يشتكي منه حتى لا يقع في مشاكل يوماً ما.
2- كل ولي أمر مطالب بمكاشفة المعلم حول كل ما يزعج ابنه حتى و لو اعتبره البعض (دلع) مثلاً... فالتلميذ بحاجة إلى إشباع ما يحتاج و محاولة تقليل ما يعتبر لديه (دلع) حتى يصنع منه عوداً يابساً...
3- تمر علينا –كمعلمين- مشاكل قد نحتاج فيها لاختصاصي نفسي و لكن كلما حاولنا حلها داخل الصف و لم (نشهّر) بالتلميذ و بمشاكله كلما اكتسبنا هذا التلميذ إلى جانبنا و جعلناه يعشق المدرسة رغم كل الظروف...
أتمنى أن أكون قد وفقت في طرح موضوع جديد يكون مقيداً و مجدياً لمن يعنيه أمر أحبتنا التلاميذ...
و إلى لقاء قريب بإذن الله تعالى....
نستودعكم الله الذي لاتضيع ودائعه